تجربة النمور الآسيوية والعوامل التي أدت إلى أزمتها الحالية

العنوان: تجربة النمور الآسيوية والعوامل التي أدت إلى أزمتها الحالية

إعداد: عبد الرحمن تيشوري
شهادة عليا بالادارة
شهادة عليا بالعلاقات الدولية
لقاء مباشر مع رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد في المعهد الوطني للادارة

مخطط الحلقة:
1. مقدمة
2. الظروف والعوامل التي أدت إلى نجاح تجربة النمور الآسيوية
أ‌. عوامل داخلية
ب‌. عوامل خارجية
3. أهم الإنجازات التي حققتها النمور الآسيوية
4. آلية حدوث الأزمة وأثرها على النمور الآسيوية
5. الدروس المستفادة من هذه التجربة
مقدمة:

لقد شكلت دول جنوب شرق آسيا أو ما عرف بالنمور الآسيوية تجربة مهمة أعجب فيها العالم بأسره. فقد استطاعت خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 25 سنة أن تحقق نمواً هائلاً وتطوراً كبيراً، وأخذ المديح ينهال عليها من كل دول العالم وخاصة من قبل اقتصاديي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذين رأوا فيها نموذجاً يجب على الدول النامية ودول العالم الثالث أن تستفيد منها وتحذوا حذوها إذا أرادت الخلاص من التخلف.
ولكن هذه الدول فاجأت العالم في صيف عام 1997 بالأزمة الاقتصادية التي وقعت فيها. لقد كانت هذه الأزمة قوية وعنيفة فعصفت باقتصاديات هذه الدول وعرضتها لمآزق اقتصادية واجتماعية خطيرة حيث هوت فيها أسعار الأوراق المالية إلى الحضيض وانهارت أسعار صرف عملاتها بشكل كبير، وانخفضت معدلات النمو الاقتصادي وتراجع أداء الصادرات، وزادت البطالة إلى مستويات عالية، وتعرض مستوى المعيشة للتدهور السريع، واضطرت هذه الدول في مواجهة محنتها أن ترضخ للوصفة المعروفة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مقابل تقديم القروض العاجلة لها.
الظروف والعوامل التي أدت إلى نجاح تجربة النمور الآسيوية:

أ.العوامل الداخلية:
تضافرت مجموعة مهمة من العوامل الداخلية لإنجاح تجربة النمو الاقتصادي في دول النمور. بعض هذه العوامل يرجع إلى ظروف الوفرة النسبية للموارد البشرية، وبعضها يرجع إلى السياسات الاقتصادية الكلية التي طبقتها الحكومات في هذه الدول.
بالنسبة للوفرة النسبية في عنصر العمل: فعندما بدأت هذه الدول تجربتها الإنمائية في الخمسينات كانت تعاني من البطالة، حيث كانت أسواق العمل تعج بأعداد هائلة من القادرين على العمل، ومما فاقم معدلات البطالة حالة الركود الذي خيم على هذه الدول آنذاك وارتفاع معدل نموها السكاني، فلجأت الحكومات في هذه الدول إلى استثمار هذه الميزة النسبية في الصناعات التصديرية كثيفة العمالة وذات الأجر الرخيص.
واتخذت هذه الحكومات مجموعة من الإجراءات لضمان استثمار هذه الميزة النسبية لفترة طويلة:
1. توفير الغذاء الضروري بأسعار رخيصة ( باعتباره معيار الدخل ).
2. حرمان العمال من تنظيماتهم النقابية والسياسية التي تدافع عن حقوقهم.
3. تطبيق سياسات مالية ونقدية صارمة لتحاشِ الوقوع في التضخم، من أجل المحافظة على معدل الأجر الحقيقي.
4. عدم وجود قوانين للحد الأدنى للأجور وعدم التشدد في مراعاة ساعات العمل.
وكان من نتيجة هذه السياسات أن أصبح متوسط الأجر في مستوى منخفض جداً مقارنةً مع الأجر في العالم، وبالتالي فإن تكاليف المنتجات التحويلية كثيفة العمالة كانت منخفضة جداً.
جدول رقم 1
مقارنة بين متوسط أجر العامل الصناعي في سنغافورة ومتوسط أجر
العامل الصناعي في بعض البلدان الصناعية الرأسمالية عام 1985
الدولة الأجر الشهري للعامل بالدولار نسبة متوسط أجر العامل في سنغافورة إلى متوسط الأجر في الدول الصناعية
الولايات المتحدة
فرنسا
هولندا
ألمانيا الغربية
بريطانيا
اليابان
سنغافورة 1984
1039
2001
1369
1168
1458
342 17.2%
33%
17%
24.9%
29.2%
23.4%
100%
المصدر: المحنة الآسيوية، د. رمزي زكي، ص 24

وفيما عدا وفرة عنصر العمل كانت هذه الدول تتسم بندرة واضحة في الموارد الطبيعية وبالتالي كان اعتمادها على الخارج يكاد يكون كاملاً في تأمين المواد الغذائية والمواد الخام والطاقة. وفي ضوء هذه الندرة الشديدة اعتمدت على استراتيجية إنمائية محددة، فحواها الاعتماد على مجموعة معينة من الصناعات التصديرية التي تقوم على استيراد المواد الأولية من الخارج وتصنيعها في الداخل معتمدة على الوفرة النسبية لعنصر العمل.
هذا الأمر أدى إلى ظهور العجز في ميزان مدفوعات هذه الدول في المراحل الأولى من النمو ( الخمسينات والستينات )، لكن حكومات هذه الدول أدركت بأنها إذا لم تستطع استدراك هذا الأمر فإنها ستحاصر بأزمات النقد الأجنبي والديون الخارجية وبالتالي تهديد التجربة بكاملها، لذلك وضعت نصب أعينها أن تصل إلى مرحلة تسبق فيها معدلات نمو الصادرات معدلات نمو الوردات، وهي المرحلة التي وصلت إليها جميع هذه الدول في العقد السابع من القرن العشرين.
أما بالنسبة للسياسات الاقتصادية الكلية التي انتقتها حكومات هذه الدول فكانت ذات تأثير ايجابي في خلق البيئة الاقتصادية المحلية المناسبة لدفع قوى النمو والتقدم، أهم هذه السياسات:
1. الدور الذي قامت به الدولة في بناء شبكة البنية التحتية على درجة عالية من التقدم والكفاءة.
2. الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة للاستثمار في البشر، من زيادة في مخصصات الإنفاق العام على التعليم والصحة والإسكان والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي، وبالتالي فإن ذلك انعكس في نمو إنتاجية العمل من ناحية وفي استيعاب التكنولوجيا المستوردة والدخول في مرحلة التطوير التكنولوجي من ناحية ثانية.
3. الدور الذي لعبته مجموعة السياسات النقدية والمالية لإبعاد شبح التضخم، وكان لذلك أثر ايجابي في النمو الاقتصادي ونمو الصادرات والسيطرة على الأجور.
4. العناية الخاصة بقطاع الصادرات نظراً لمكانته الارتكازية في تجارب هذه الدول. فقد حرصت هذه الدول على استقرار أسعار الصرف وعلى إعفاء المواد الوسيطة والسلع الإنتاجية المستوردة اللازمة للصناعات التصديرية من الرسوم الجمركية، ووفرت التسهيلات المصرفية لتشجيع الصادرات.
5. حرصت الدولة لتتجنب الوقوع في فخ المديونية الخارجية أن تقلل باستمرار وبأسرع وقت ممكن من حجم فجوة الموارد ( أي الفجوة بين معدل الاستثمار المنفذ والادخار المحلي ) وذلك من خلال تشجيع المدخرات المحلية ( سعر فائدة مرتفع – تطوير سوق الأوراق المالية – تنويع أجهزة تعبئة المدخرات ) ونتيجة لهذه السياسات استطاعت هذه الدول أن تحقق أعلى معدلات ادخار في العالم، الأمر الذي جعلها تتحول إلى بلدان مصدرة للاستثمارات الخاصة اعتباراً من الثمانينات. فعلى سبيل المثال: معدل الادخار المحلي في هونج كونج بلغ 33% من الناتج المحلي الإجمالي، 36% في كوريا الجنوبية عام 1995، سنغافورة 40% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي فإن الديون الخارجية ظلت في حدود آمنة، وكان يمكن خدمة أعبائها دون حدوث ضغوط على سعر صرف العملة الوطنية أو على الاحتياطيات الدولية للبلد. ففي حالة سنغافورة لم تتعد خدمة الدين 0.5% من حصيلة الصادرات 1988، بينما كان هذا المعدل يتراوح بين 25-70% في معظم البلدان النامية.
6. عمدت الحكومات في هذه الدول على انتهاج سياسة واعية لتشجيع وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها وتهيئة المناخ المناسب لها لكي تحقق معدلات مرتفعة للربح تغريها على المجيء.

ب.العوامل الخارجية:
1. الدور الذي لعبته الحرب الباردة بين العملاقين ( الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ). فنتيجةً لتبعية أنظمة الحكم لهذه النمور للغرب الرأسمالي فإن المعسكر الغربي حرص على مساعدة هذه الدول بسخاء لتسريع نموها الاقتصادي وتحديثها كنموذج رأسمالي بديل للنموذج الاشتراكي المجاور لها. بالإضافة إلى هذه المساعدات والتسهيلات فإنه نتيجة لوجود قواعد عسكرية للغرب الرأسمالي في هذه البلدان وخصوصاً الولايات المتحدة فإن ذلك خفف من عبء الإنفاق العسكري ومصاريف الدفاع.
2. نظام النقد الدولي الذي كان يعمل حتى بداية السبعينات، هذا النظام حقق استقراراً عالمياً في أسعار صرف عملات مختلف بلدان العالم، وبالتالي فإن هذا النظام وفر لها الدخول في صفقات تصدير واستيراد طويلة الأجل وهي مطمئنة لعدم وجود تقلبات فجائية وحادة في أسعار الصرف، كما أن هذا النظام وفر لها موارد السيولة عند الحاجة بأسعار فائدة معقولة.
3. الاستفادة الكبيرة التي حققتها هذه الدول من التخفيضات الجمركية في ضوء النظام العشري للتفضيلات الجمركية التي أقرته الجات في أوائل السبعينات، فلولا امكانات التصدير غير المعاق إلى البلدان الرأسمالية الصناعية الذي وفرته هذه التخفيضات ما كان من الممكن لتجربة النمور الآسيوية أن تشهد هذا النجاح الذي حققته.
أهم الإنجازات التي حققتها النمور الآسيوية:

1. استطاعت هذه الدول أن تغير من بنيان إنتاجها المحلي الإجمالي لصالح القطاعات والفروع ذات الإنتاجية الأعلى وذات الأثر التنموي الانتشاري الواسع.

جدول رقم 2
تغيير بنيان الإنتاج المحلي الإجمالي في دول النمور الآسيوية
فيما بين 1965-1995 ، % من الناتج المحلي الإجمالي
الدول النصيب النسبي للزراعة النصيب النسبي للصناعة النصيب النسبي للخدمات
1965 1995 1965 1995 1965 1995
كوريا الجنوبية
سنغافورة
هونج كونج 38%
3%
2% 7%
0
0 25%
24%
40% 43%
36%
17% 46%
74%
58% 50%
64%
83%
المصدر: المحنة الآسيوية، د. رمزي زكي، ص 34

2. في ضوء هذا التغيير البنياني، حققت دول النمور معدلات نمو اقتصادي لافتة للنظر من حيث ارتفاعها وبشكل مستمر خلال الفترة 1965-1995، فخلال الفترة من 1965-1980 استطاعت كوريا أن تحقق متوسط معدل سنوي بحوالي9.6 % و 9.4% في الفترة 1980-1990 و 7.2% ممن 1990-1995، وفي سنغافورة كانت هذه المعدلات 10.1%، 6.4%، 8.7% على التوالي للفترات نفسها. وفي هونج كونج كانت المعدلات 8.6%، 6.9%، 5.6% على التوالي وأيضاً للفترات نفسها. ( من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم ).
3. حققت هذه الدول تقدماً كبيراً في مجال التكنولوجيا. ففي بداية مراحل النمو ركزت هذه الدول على التكنولوجيا البسيطة ذات الكثافة العالية لعنصر العمل وذلك من أجل امتصاص فائض العرض من القوة العاملة الرخيصة وغير الماهرة والتخلص من مشكلة البطالة والتغلب جزئياً على مشكلة التمويل في المراحل الأولى من النمو لأنها قللت الحاجة إلى الاستثمارات المرتفعة، ثم استطاعت هذه الدول استخدام التكنولوجيا كثيفة رأس المال.
4. التفوق الاستثنائي في مجال التصدير: فقد استطاعت كوريا أن تنمي صادراتها خلال القترة 1965-1980 بمتوسط معدل سنوي 27.2%، وسنغافورة بمعدل 4.7% وهونج كونج 9.5% خلال الفترة نفسها.
الجدول رقم 3
معدل نمو الصادرات
الدول 1965-1980 1980-1990 1990-1995
كوريا الجنوبية
سنغافورة
هونج كونج 27.2%
4.7%
9.5% 13.7%
12.2%
15.4% 7.7%
12.1%
15.8%

5. كانت من نتيجة هذه الإنجازات أن تحسن مستوى المعيشة في هذه الدول واتجاه متوسط دخل الفرد للتزايد وبمعدلات كبيرة.
الجدول رقم 4
تطور نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بعض
دول النمور الآسيوية خلال الفترة 1960-1995 (بالدولار)
الدولة 1960 1970 1980 1990 1995 متوسط معدل النمو
كوريا الجنوبية
سنغافورة
هونج كونج 520
1510
1631 967
3067
3128 1953
5907
5939 4132
9877
5897 5663
13451
11911 7.1%
6.4%
5.8%
المصدر: المحنة الآسيوية، د. رمزي زكي، ص 42

ورغم كل هذه الإنجازات الضخمة إلا أن ذلك لا ينفي ما شاب التجربة من سلبيات وعيوب ونواقص وتناقضات. من هذه العيوب:
1. الاستغلال الفادح الذي وقع على العمال والنساء والأطفال.
2. التفاوت الصارخ الذي حدث في توزيع الدخل والثروة القوميين بين مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية.
3. الضعف الشديد لمنظمات المجتمع المدني، وحرمان الناس من حقوقهم في التنظيم النقابي والسياسي وغياب كامل للديمقراطية.
4. الإهمال الشديد للبيئة وما أدى ذلك إلى زيادة درجات تلوث الجو والمياه والأرض.
5. الضعف الأساسي في هذه التجربة أنها اعتمدت بثقل كبير على فلسفة التصدير الذي يقود النمو Export led growth ، الأمر الذي جعل هذه الدول أكثر حساسية في تلقي الصدمات الخارجية.

آلية حدوث الأزمة وأثرها على دول النمور الآسيوية:

بدأ ت ظروف نشوء الأزمة تتشكل بعدما رضخت هذه الدول لضغوط البلدان الصناعية والمنظمات الدولية ( صندوق النقد الدولي - البنك الدولي و منظمة التجارة العالمية ) ولأصحاب المصالح بتنفيذ سياسات تدخل ضمن ما يسمى بالعولمة، أي الاندماج بسرعة في الاقتصاد العالمي من خلال نهج ليبرالي متطرف يزيح الدولة بعيداً عن الإشراف والرقابة، وكان من أهم هذه السياسات:
1. إجراء عمليات تحرير مالي ونقدي واسعة شملت التخلص من القيود والضوابط التي كانت مفروضة على حركة رؤوس الأموال الأجنبية، دخولاً وخروجاً، مع السماح بعمليات الإقراض والاقتراض بالعملة المحلية، وفتح الأسواق المالية في هذه الدول أمام المستثمر الأجنبي.
2. زيادة سعر الفائدة في الداخل بفارق كبير عن الخارج.
3. ثبات أسعار الصرف في هذه الدول تجاه الدولار الأمريكي، وهو الأمر الذي وفر ضماناً للمستثمرين الأجانب ضد مخاطر تقلبات هذه الأسعار. وبذلك أصبح بإمكان المستثمر أن يحسب ويقيم بدقة عملياته وأرباحه وتحويلاته للخارج.
بالإضافة إلى هذه السياسات ظهور العجز في الميزان التجاري لهذه الدول، فقد أصبح الميزان التجاري في هذه الدول خلال الثمانية عشر شهراً السابقة للأزمة يعاني من العجز، ويعود ذلك إلى التراجع الذي حدث في الصادرات والنمو الكبير الذي طرأ على الواردات.
بالنسبة للصادرات فإن تراجعها كان بسبب:
1. موجة الركود الاقتصادي العالمي عموماً، وفي البلدان الصناعية خصوصاً التي تستوعب الشطر الأكبر من صادرات هذه الدول.
2. ارتفاع درجة التنافس بين صادرات هذه الدول، فهذه الدول لم تقم أي نوع من التكامل الإنتاجي فيما بينها. فكل دولة لجأت إلى تنمية وتطوير الصناعات والفروع ذاتها التي نمّتها وطورتها الدول الأخرى، الأمر الذي خلق صفة هيكلية تعاني منها، وهي ارتفاع درجة التنافس فيما بينها.
3. دخول الصين كمنافس قوي لهذه الدول حيث أصبحت تنتج السلع نفسها التي تخصصت بها النمور الآسيوية وتقوم ببيعها بأسعار تنافسية شديدة بسبب رخص كلفة العمل الصينية مقارنة بكلفة العمل في النمور الآسيوية.
أما بالنسبة للواردات، فقد شهدت خلال الثمانية عشر شهراً السابقة على الأزمة نمواً كبيراً بسبب إجراءات تحرير التجارة الخارجية وخفض الضرائب على الواردات وبالذات على السلع الكمالية والمعمرة وغير المعمرة التي تستهلكها الطبقة الوسطى التي زادت دخولها وارتفع مستوى معيشتها وبدأت تميل لتقليد الأنماط الاستهلاكية الغربية.
في ضوء السياسات السابقة أصبحت دول النمور الآسيوية نقطة جذب شديدة لحركة رأس المال المالي العالمي المضارب، وبعد أن كانت هذه الدول مراكز جذب قوية لحركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أصبحت منذ انتهاجها لهذه السياسات مركز جذب للاستثمارات الأجنبية في الحوافظ المالية.
كان المستثمرون الأجانب يدخلون إلى هذه الدول بالدولار ثم يقومون بتحويله إلى عملة البلد واستخدام حصيلة ذلك في شراء الأراضي والعقارات والأوراق المالية، والمضاربة عليها، مما رفع سعرها بشكل مصطنع، ثم يقومون بعد ذلك ببيع هذه الأصول محققين بذلك أرباحاً كثيرة يحولونها إلى دولارات من سوق الصرف المحلي، في ضوء سعر الصرف الثابت، للخارج. ومع تزايد هذه التحويلات للخارج تعرض سعر الصرف للعملة الوطنية لضغوط شديدة، بلغت ذروتها في حالة تايلاند يوم 2 تموز 1997.
فمنذ الربع الأول من عام 1997 كان العجز في الحساب الجاري وكذلك الديون الخارجية وأعباء خدمتها قد تصاعدت على نحو واضح مما جعل الكثير من المتعاملين في سوق الأوراق المالية وسوق الصرف الأجنبي في تايلاند يتنبأون بأن البلد مقبل على تخفيض في قيمة عملته، وبالتالي فإن المستثمر الأجنبي الذي أدخل كمية معينة من رأسماله بالدولار إلى البلد ثم حولها إلى البات ليستثمرها بعد ذلك في الداخل، سوف يخسر بعد حدوث التخفيض، لأن قيمة أصوله المستثمرة، مقومة بالدولار، سوف تنخفض. وحينما ساد هذا الشعور بدرجة قوية بين المستثمرين الأجانب والبنوك الأجنبية وتجار العملة وسرت إشاعة قوية بأن السلطة النقدية في تايلاند سوف تتخلى عن تثبيت البات تجاه الدولار، تزايدت موجات بيع الأصول المالية منذ الربع الأول من هذا العام (1997). وقام البائعون بشراء الدولار من السوق المحلي والخروج به من تايلاند. ومنذ ذلك الوقت بدأ سعر صرف البات يتعرض لضغط واضح، حاول بنك تايلاند المركزي مواجهة هذا الضغط من خلال ضخ المزيد من الدولارات، مستخدماً في ذلك احتياطياته الدولية لكي يدافع عن سعر صرف البات، وخسر البنك المركزي في أسبوع واحد 20 مليار دولار بعد أن تعرض البات لحركة محمومة من المضاربات من تجار العملة. وفي 2 تموز 1997 بيعت كميات هائلة من الأوراق المالية ومن حصيلة بيعها تم شراء مقادير كبيرة من الدولار الأمريكي من سوق الصرف المحلي. ولم تفلح جهود البنك المركزي في وقف التدهور في سعر صرف البات رغم ضخ كميات هائلة من الدولار في السوق. فقام بنك تايلاند المركزي بالتخلي عن ربط البات بالدولار وقرر تعويم سعر صرفه في ذلك اليوم، مما أدى إلى مزيد من تدهوره، لدرجة أن سعر صرف البات في هذا اليوم وحده تدهور بنسبة 20% واستمر التدهور بعد ذلك ليصل سعر صرف الدولار إلى 36.30 باتاً في 22 أيلول 1997 بعد أن كان 24.65 باتاً في 30 حزيران 1997، وهو ما يعكس تدهوراً بنسبة 47.3% في غضون هذه الفترة القصيرة. وزاد في خطورة الأمر، أن هذا الانخفاض الذي حدث في سعر الصرف قد اقترن أيضاً بتدهور شديد في حجم الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي، مما أدى إلى مزيد من إضعاف الثقة في البات وأضعف بالتالي من الجدارة الائتمانية للاقتصاد التايلندي في الأسواق الدولية.
وسرعان ما انتشرت النيران في باقي النمور الآسيوية بسبب الطبيعة المتشابهة والمتنافسة لاقتصادياتها ( حيث كل دولة نمت وطورت الفروع والصناعات نفسها التي نمتها وطورتها النمور الأخرى )، ومن هنا فإن أي تخفيض يطرأ على قيمة عملة أي دولة الأمر الذي ربما يؤدي إلى تحسين صادراتها، سرعان ما يؤثر في باقي النمور الأخرى مما يدفعها أيضاً إلى التخفيض ( وهو ما يعرف بحرب التخفيضات ). وهكذا حدث السيناريو نفسه في كل من اندونيسيا والفلبين وماليزيا وكوريا الجنوبية. وانتقلت العدوى، بدرجات متفاوتة، إلى كل من هونج كونج وسنغافورة. فتهاوى سعر الرينغيت الماليزي بنسبة 24% خلال الفترة ما بين 30 حزيران و 22 أيلول 1997، وسعر الروبية الاندونيسية بنسبة 25%، والبيزو الفلبيني بنسبة 26%. وفي أوائل شباط 1998 كانت نسب تدهور هذه العملات مقارنةً مع بأسعار تموز 1997 كما يلي:
الرينغيت الماليزي -34.46%
الروبية الاندونيسية -74.4%
البات التايلندي -45.82%
البيزو الفلبيني -33.58%
دولار سنغافورة -13.83%
دولار تايوان -15.82%
وون كوريا الجنوبية -45.89%
وصاحب ذلك هبوط حاد في أسعار الأوراق المالية، أصاب المتعاملون بها خسائر رأسمالية فادحة. فخلال الفترة من تموز-تشرين الأول 1997 هوت أسعار الأسهم بنسبة تقدر بحوالي 65% في ماليزيا وتايلاند والفلبين واندونيسيا. وأعلن الأمين العام لمنظمة آسيان، أنه منذ تموز1997 وحتى أوائل كانون الثاني 1998 بلغ حجم خسائر النمور الآسيوية 700 مليار دولار. بالإضافة إلى حركة النزوح الهائلة التي حدثت لرؤوس الأموال الساخنة لخارج البلاد.
ومما زاد الطين بلة، أن البنوك التجارية المحلية والشركات الكبيرة كانت قد تورطت في الاقتراض الخارجي قصير الأجل، حيث كانت تقترض من أسواق النقد الدولية ثم تقوم بتحويل قروضها التي حصلت عليها بسعر فائدة أقل من سعر الفائدة المحلي إلى العملة المحلية وإعادة إقراضها أو استخدامها في عمليات المضاربة، وبالذات في مجال الأراضي والعقارات، ولهذا فإنه حينما تدهور سعر الصرف للعملة المحلية في صيف 1997 تعرضت هذه البنوك والشركات لمتاعب شديدة جداً، لأنه أصبح عليها أن تشتري الدولار بأسعار متزايدة ( مقوماً بالعملة المحلية ) لكي تدفع ديونها الخارجية قصيرة الأجل بالعملة الأجنبية، الأمر الذي ألحق بها خسائر جمة. وزاد الموقف حرجاً أن البنوك التجارية لجأت إلى استخدام أصولها قصيرة الأجل في استثمارات طويلة الأجل، مما عرض الكثير منها لحالات الإعسار المالي ( نقصان السيولة النقدية )، بل ولحالات عدم القدرة على الدفع ( الإفلاس ) وفوق ذلك ما قامت به بعض البنوك من إفراط في زيادة الائتمان المصرفي فوق حدود الأمان المصرفي المتعارف عليها، للمضاربة في البورصات وفي سوق الأراضي والعقارات، مما أوقعها في مشكلات عويصة فيما بعد.
وكان من الطبيعي، في هذه الحالة، أن لا تتمكن هذه الدول من دفع أعباء ديونها الخارجية في هذا العام. بالإضافة لما أحدثه النزوح الهائل لرؤوس الأموال إلى الخارج من تزايد في العجز في موازين مدفوعاتها، وهو الأمر الذي تطلب مزيداً من الاقتراض الخارجي. لكن المقرضين كانوا قد أحجموا عن توفير القروض التي طلبتها هذه الدول بسبب التدهور الذي حدث في سمعة جدارتها الائتمانية في أسواق النقد الدولية. مما دفع الحكومات في هذه الدول إلى طلب التوقف عن سداد الديون الخارجية، والدخول في مفاوضات إعادة الجدولة وطلب مساعدة صندوق النقد الدولي، الذي أخذ يكيل الاتهامات والانتقادات لهذه الدول وللسياسات التي اتبعتها بالرغم من أنه قبل فترة قصيرة من وقوع الأزمة كان يشيد بتجربة هذه البلدان، وبالتالي اشترط صندوق النقد على هذه الدول الامتثال لبرنامج صارم للتثبيت الاقتصادي، وهو برنامج نمطي يفرضه خبراء الصندوق على مختلف البلاد التي تقع في مأزق استدانتها الخارجية مهما كانت ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد استجابت النمور الآسيوية لشروط البرنامج باستثناء ماليزيا.
ومن الإجراءات التي طلبها صندوق النقد الدولي من هذه الدول، خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب وأسعار الخدمات العامة وزيادة أسعار الفائدة وتقييد الائتمان المصرفي.
لقد أدى ارتفاع سعر الفائدة على النحو الذي أوصى به الصندوق، بالإضافة إلى سياسة تقييد الائتمان المصرفي إلى أن تصبح معظم الشركات المحلية على شفا الإفلاس والتصفية والبيع، وتمكن المستثمرون الأجانب من شرائها بأسعار بخسة، وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل وعزز هذه الزيادة إصرار الصندوق على خصخصة الشركات العامة وتسريح عشرات الألوف من عمالها، كما أصر الصندوق على أن تتخذ هذه الدول المزيد من السياسات التي من شأنها فتح اقتصادياتها (رغم انفتاحها أصلاً )، مثل تحرير التجارة الخارجية من خلال تخفيض التعريفات الجمركية وإلغاء الحماية المحلية للصناعات الوطنية وإلغاء القيود عن ملكية الأجانب للشركات والبنوك المحلية، وإلغاء القيود على الاستثمارات الأجنبية في مجال الأسواق المالية...... الخ.
وهي السياسات التي مكنت الدائنين والمستثمرين الأجانب من زيادة سيطرتهم على اقتصاد هذه الدول وتزايد نصيبهم في ملكية الثروة القومية والدخل القومي. كما أدت إلى إفقار شديد لنسب عريضة من السكان، فارتفعت نسبة من يقعون تحت خط الفقر المطلق تحت تأثير تفاقم البطالة وإلغاء الدعم وارتفاع أسعار ضروريات الحياة وخفض ( أو إلغاء ) برامج المساعدات الحكومية، وحدوث انتكاسة في اتجاهات التنمية البشرية التي كانت قد تحسنت كثيراً وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن تتوتر الأوضاع الاجتماعية والسياسية والأمنية في هذه الدول، حيث زادت حركة الاعتصامات والمظاهرات للاحتجاج على ارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وتدهور مستويات المعيشة، ولقد اتخذت هذه التوترات بعض مظاهر العنف والفوضى.
والأمر الجدير بالملاحظة في هذه التطورات، أن أزمة الديون الخارجية التي وقعت فيها هذه الدول والتي جعلتها عاجزة عن دفع أعباء ديونها الخارجية، لم تكن نتيجة للاقتراض الحكومي أو بسبب القروض التي حصل عليها القطاع العام، بل راجعة كلياً إلى نشاط القطاع الخاص الذي سُمح له أن يقترض من الخارج بدون رقابة. ومثال ذلك كوريا الجنوبية، ففي الوقت الذي بلغت فيه الديون الخارجية على هذه الدولة عام 1997 حوالي 153 مليار دولار أمريكي، كان يقع على عاتق البنوك الكورية مبلغ 99 مليار دولار، بالإضافة إلى مبلغ 43 مليار دولار مستحق على الشركات الكبرى.

الدروس المستفادة من هذه التجربة:

1. إن الأزمة التي اندلعت في دول النمور الآسيوية قد وضعت حداً للأوهام التي راجت حول العولمة ومزاياها للبلدان النامية.
2. كان من المعتقد لدى كثير من الاقتصاديين، أن أزمة المديونية الخارجية للبلدان النامية قد نجمت عن تضخم الإنفاق الحكومي ودور الحكومات في النشاط الاقتصادي وعن ممارسات القطاع العام. وقد كشفت أزمة دول النمور الآسيوية عكس ذلك، حيث أن تفاقم المديونية الخارجية فيها، والتي فجرت الأزمة عام 1997 لم تكن راجعة للنشاط الحكومي بل نتيجة للميل المفرط للقطاع الخاص في هذه الدول للاستدانة من الخارج.
3. إن البلد الذي يتسرع في فتح اقتصاده وسوقه على السوق العالمي وإلغاء القيود على حرية دخول وخروج رؤوس الأموال في أي وقت تشاء وانفتاح الأسواق النقدية والمالية أمام نشاط هذه الأموال يضع مصيره في قبضة المضاربين.
4. لا بد من الاستفادة من الوفرة النسبية التي يتمتع بها البلد في عناصر الإنتاج في تحديد مجالات الإنتاج والتخصص واختيار التكنولوجيا.
5. أكدت الأزمة على حقيقة أساسية وهي أن تفاقم الديون الخارجية كان وسيظل دوماً هو المستنقع الرئيسي الذي تنفجر فيه الأزمات المالية والنقدية، وهي الطريق الذي يقود إلى جهنم، أي إلى طلب إعادة جدولة الديون والرضوخ لبرامج التثبيت الاقتصادي لصندوق النقد الدولي ذات الطابع الانكماشي وما يتلو ذلك من تفجير البطالة والركود وارتفاع الأسعار وزيادة الفقر والحرمان وارتهان موارد البلاد والتحكم في مسارات النمو لصالح خدمة أعباء الديون المؤجلة.
6. كما كان غياب الديمقراطية وانتشار الفساد في كل المجالات وسوء توزيع الدخل القومي لصالح فئة قليلة من المجتمع وغياب الشفافية، الدور الهام في تفاقم أزمة هذه البلدان.
7. كشفت هذه الأزمة على ضرورة إعادة الاعتبار لدور الدولة وأهميته في ضبط آليات الحركة للنشاط الاقتصادي.
8. لفتت هذه الأزمة الانتباه إلى ضرورة السعي للتعاون والتضامن والتكامل الاقتصادي فيما بين دول العالم الثالث.
انتهى البحث
عبد الرحمن تيشوري