علم الاجتماع : من اجل حبة فهم

نعيش في عالم تعددت فيه الظواهر الاجتماعية، وأصبحت حياة الإنسان باعتباره ينتمي إلى حقل المجتمع مليئة بالتوتر والقلق والصراعات ومظاهر التفكك الاجتماعي، والسؤال المطروح: ما هي الأسباب التي غيرت ظروف حياتنا عما كانت عليه سابقا؟ وهل ستبقى هذه الظروف أم أنها ستتغير مع مرور الوقت؟

إن علم الاجتماع هو المعني بالإجابة عن هذين السؤالين كعلم يهتم بدراسة المجتمع ككل، أي دراسة الحياة الاجتماعية للبشر سواء بشكل مجموعات أو مجتمعات. فهو يقدم لنا نظرة واسعة ودقيقة على الأسباب والنتائج التي جعلتنا فيما أصبحنا عليه، إنه يعلمنا أن الأفعال التي تصدر عنا والتي نعتقد بأنها طبيعية أو مقدرة إن صح التعبير قد لا تكون كذلك، أي أن الفعل الإنساني مرتبط بالفعل الاجتماعي ويتأثر به تأثرا كبيرا، فعلم الاجتماع يفسر الفعل الإنساني انطلاقا من العوامل الاجتماعية التي تؤثر على المجتمع، وهذا ما يؤكده إيميل دوركهايم على أن الإنسان لا يمكن فهمه ببساطة، ضمن سياقه الفردي فقط، بل ينبغي علينا دراسة العوامل الاجتماعية التي تؤثر على المجتمع.
إن علم الاجتماع بالنسبة لدوركهايم هو العلم الذي يدرس الوقائع الاجتماعية باعتبارها أشياء، ولعل أطروحة دوركهايم حول الوقائع الاجتماعية كأشياء خالصة، يعتبر من أهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها من خلال قواعد المنهج السوسيولوجي التي يقدمها لنا دوركهايم، كما أنه أهم درس من أجل الوصول إلى دراسة علمية يقينية وبناء موضوع متماسك انطلاقا من تفسير الواقعة الاجتماعية.
وتكمن أهمية علم الاجتماع عند دوركهايم في أنها علما إمبيريقيا تجريبيا، غير أنها لا تخرج عن تشييء الواقعة الاجتماعية، وهذا ما جاء على لسانه: فلندرس الحقائق والوقائع الاجتماعية باعتبارها أشياء1. فهل يمكن إتباع قاعدة تشييء الظاهرة في تفسير الوقائع الاجتماعية؟
يرى ماكس فيبر كما جاء على لسان الدكتور عبد الرحيم العطري أن سوسيولوجيا لا تقدم نفسها على أنها محاولة لتشييء الظاهرة حسب الطرح الدوركهايمي، فهناك وقائع اجتماعية تصعب تشييئها كالمجتمع المغربي باعتباره مجتمع مركب كما أطلق عليه الباحث سوسيولوجي بول باسكون.
إن علم الاجتماع عند ماكس فيبر هو ذلك العلم الذي يحاول الوصول إلى فهم تفسيري للفعل الاجتماعي، لكي يتمكن من تقديم تفسير سببي لمجراه ونتائجه2، فهدف علم الاجتماع كما يراه ماكس فيبر هو الفهم بامتياز انطلاقا من الفعل الاجتماعي من أجل معرفة تمكن من دارسها وقارئها من استيعاب وتفسير التحولات والتغيرات الاجتماعية وفق البراديغم سوسيولوجي المعروفة والمتمثلة في عدم تقبل الأجوبة الجاهزة والقطع مع الحس المشترك واستثمار العين السوسيولوجية بدل العين البيولوجية.
ولكي نفهم فعل الفرد داخل المجتمع على مستوى المعنى لابد من فهم الفعل ومن وجهة نظر الفرد نفسه صاحب هذا السلوك وبنفس الطريقة لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها . أي أنه لابد من فهم الفعل الإجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة.

وخلاصة القول إن علم الاجتماع هو أكثر العلوم المؤهلة في دراسة المجتمع بفضل سياسته الصارمة من أجل الوصول على حبة الفهم للتحولات والتغيرات الاجتماعية، إنه العلم الوحيد الذي أجده يحرر عقولنا من الأفكار واليقينيات الجاهزة.

1- أنتوني كيدنيز، علم الاجتماع، ترجمة الدكتور فايز الصباغ، صفحة 63.
2- مصطفى خشاب، علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الأول: المدخل إلى علم الاجتماع، صفحة 7.

Title in English: 
sociologie