اسهامات كتب الفتاوى و النوازل في الكشف عن جوانب من واقع البادية الأندلسية

إسهامات كتب الفتاوى والنوازل
في الكشف عن جوانب من واقع البادية الأندلسية

حظيت أرياف أوربا باهتمام المؤرخين الغربيين منذ مطلع القرن الماضي. وقد تزايد هذا الاهتمام واتخذ مسارات خاصة منذ النقلة النوعية التي أفضت إليها أبحاث المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (Marc Bloch) .
ومما لا شك فيه أن هناك ما يبرر هذا الاهتمام، فجميع القضايا التي يتناولها البحث التاريخي ذات صلة بعالم الأرياف، مثل البنيات السياسية والبنيات الاقتصادية والبنيات الاجتماعية والمؤسسات القانونية...وهذا ما يفسر وفرة وتنوع الأبحاث والدراسات التي صدرت منذ أربعينيات القرن الماضي على شكل منوغرافيات إقليمية ودراسات ذات طابع تركيبي ومقالات وأعمال ندوات وملتقيات علمية.
والملاحظ أن أرياف الأندلس ظلت خارج دائرة اهتمام الباحثين الأوربيين رغم أنها تنتمي جغرافيا للمجال الأوربي. ومن حسن الحظ أن بعض الباحثين الأثريين والمؤرخين الفرنسيين والإسبانيين انتبهوا لهذا القصور فانبروا منذ عقود قليلة مضت لملإ هذه الثغرة.
وعلى غرارهم شرع ثلة من الباحثين الجامعين العرب والمغاربة منذ بضع سنوات في بذل جهود حثيثة لإماطة اللثام عن جوانب من واقع الأرياف الأندلسية خلال فترة الوجود العربي-الإسلامي.
لقد أتاحت لنا عملية إنجاز رسالة لنيل دكتوراه السلك الثالث في التاريخ الأوربي الوسيط، وكذلك عملية تدريس مادة تاريخ أوربا في العصر الوسيط لما يزيد عن العشرين سنة إمكانية الإطلاع على عدد مهم من الدراسات والبحوث التي تهم تاريخ أرياف أوربا في العصر الوسيط، فارتأينا استغلال هذه التجربة وما ترتب عنها من رصيد معرفي للإسهام في هذه الجهود. وتمثل هذا الإسهام في أطروحة جامعية أنجزناها لنيل دكتوراه الدولة في موضوع "الزراعة في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري".
تناولنا في هذا البحث مختلف القضايا التي تهم النشاط الزراعي كأشكال الاستغلاليات ونظم استثمار الأراضي وأساليب وطرق العمل الزراعي وأنواع المحاصيل الزراعية ومناطق إنتاجها، ومظاهر العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، وأنواع وكمية المحاصيل التي كانت تدخل ضمن عمليات التبادل التجاري، والعوامل المؤثرة في العمل الزراعي والإنتاج خلال الفترة موضوع البحث.
ولمعالجة هذه القضايا والإجابة عما تطرحه من تساؤلات حاولنا استغلال ترسانة من النصوص العربية الإسلامية المخطوطة والمطبوعة، وكذلك مجموعة من النصوص المسيحية بالإضافة إلى التقارير والخلاصات التي وضعها ثلة من الباحثين الأثريين حول عمليات السبر والتنقيب التي تم إنجازها أو التي لا زالت في طور الانجاز.
وإذا كانت طبيعة الموضوع توحي لأول وهلة بأن كتب الفلاحة شكلت مرجعيته الرئيسية، فالحقيقة أننا تعمدنا إدراجها في المقام الثاني. وعولنا على استيقاء مادة البحث من المظان والمصادر الخطية الأخرى ككتب التاريخ العام والحوليات وكتب الجغرافيا والمؤلفات الأدبية المنظومة والمنثورة وكتب الفقه، وأهمها كتب التراجم وكتب الشروط والعقود وكتب أحكام الفقه وكتب الفتاوى والنوازل. وقد احتل هذا النوع الأخير من المصادر موقعا متميزا في لائحة المصادر المعتمدة. وشمل النسخة المخطوطة من كتاب "الأحكام الكبرى" لأبي الأصبغ عيسى بن سهل المتوفى سنة 486هـ.، وكتاب "الأحكام" لأبي المطرف عبد الرحمن الشعبي المالقي المتوفى سنة 497هـ. الذي صدر سنة 1992، و"نوازل" أبي جعفر أحمد بن بشتغير اللخمي اللورقي، المتوفى سنة 516هـ. التي تم تحقيقها في إطار رسالة جامعية لا زالت لم تنشر بعد، و"فتاوى" أبي الوليد محمد بن رشد المتوفى سنة 520هـ، والتي صدرت سنة 1987 في كتاب ضخم من ثلاثة أسفار، ونسخة مخطوطة من "نوازل" أبي عبد الله محمد بن الحاج الشهيد المتوفى سنة 529هـ. ونوازل تهم الأندلس أفتى فيها القاضي عياض. ويتضمنها كتاب " مذاهب الحكام في نوازل الأحكام"، الصادر عن دار الغرب الإسلامي سنة 1990.
ولا ننكر بأن الحصيلة التي قدمتها لنا هذه المصنفات كانت ثرية. حيث أمدتنا بفيض من المعلومات وبإجابات عن تساؤلات كثيرة لم تجب عنها المصنفات الأخرى التي اطلعنا عليها بما فيها كتب الفلاحة. كما قدمت لنا معطيات بالغة القيمة أكدت صحتها بعض الحفريات التي باشرتها مؤخرا فرق السبر والتنقيب التابعة لكل من مؤسسة فيلاسكيس (Casa de Vélasquez)بمدريد وجامعة ليون الثانية وجامعة مورسية وجامعة غرناطة. وسنحاول في هذا العرض استعراض مجموعة قضايا توضح ذلك. نرتبها على النحو الآتي:

أولا :مراكز الاستيطان في المجال الريفي.
ثانيا: بنية الأسرة في البادية الأندلسية.
ثالثا: قنوات وآليات امتلاك الاستغلاليات الزراعية.

أولا : مراكز الاستيطان في المجال الريفي.
من المعروف أن القرى شكلت إلى جانب الحواضر مراكز استقرار للسكان. وقد كانت منتشرة بين مدن الموسطة وشرق وغرب الأندلس. وشكلت كل مجموعة قرى شبكة مرتبطة بالمركز الحضري الذي يشرف عليها.
ومن المؤسف حقا أن الإخباريين والجغرافيين ومؤلفي كتب المسالك والممالك والباحثين المحدثين والمعاصرين قليلا ما توقفوا عند بعضها. فقد توقفوا عند مالقة وغرناطة وإشبيلية وألمرية... وتوقفوا مليا عند قرطبة أم المدائن. وتحدثوا عن المراكز الحضرية الصغرى المنضوية في أعمالها كاستجة وبلكونة وقبرة وغافق... ولكنهم لم يسهبوا في الحديث عن مجموعة القرى أو التجمعات الريفية التابعة للحاضرة قرطبة. بحيث لا نملك سوى معلومات ضئيلة جدا وباهتة عن قرى تابعة لها مثل جالطة وبشكلار ووزغة. ورغم ذلك، فلا ننكر بأن نماذج من كتب الجغرافيا وبعض كتب التاريخ العام تقدم للباحث مادة تتضمن معلومات هامة ومعطيات رقمية ذات قيمة بالغة. ومن قبيل هذه المعلومات والمعطيات ما يتضمنه كتاب العذري عن أعداد القرى التي يضمها كل إقليم من أقاليم قرطبة. حيث جاء في إحدى صفحاته أن أعدادها تراوحت بين 17 قرية (وهو عدد قرى إقليم بني مسرة) و102 قرية (وهو عدد قرى إقليم أولية السهلة) . ويتميز مصنف ابن رشد في كونه يعزز هذه المعطيات الرقمية. ويقدم للباحث معلومات دقيقة حول بنية وحجم القرية الأندلسية. وذلك من خلال ما يتضمنه سؤال ورد عليه من إحدى نواحي شرق الأندلس بخصوص سوء تفاهم حصل بين سكان أربعة عشر قرية حول المسجد الواجب إقامة الصلاة فيه. يستفاد منه بأن أصغر قرى تلك الناحية كانت تضم عند مطلع القرن الخامس الهجري اثنتا عشرة دارا وأن أكبرها كانت تضم ثلاثين دارا .
وقد أكدت صحة هذه المعطيات الرقمية حفريات قام بها الباحث الإسباني خوليو نابارو بلاثون (Julio Navarro Palazon) بضواحي مدينة مورسية . وحفريات أخرى قام بها الباحث الفرنسي أندري بازانا(André Bazzana ) في بعض المواقع التابعة لمدينتي مورسية وبلنسية .
أبانت هذه الحفريات على نحو ما ورد في النازلة التي أفتى فيها ابن رشد بأن قرى القرنين الخامس والسادس للهجرة كانت تتكون فعلا من مجموعات سكنية صغيرة الحجم ومتجانسة إلى حد ما. وكل مجموعة منها كانت تشكل وحدة استيطان (un centre de peuplement) تضم عددا متفاوتا من المنازل يصل في المتوسط إلى عشرة منازل ملحقة بمزدرع (terroir) وتابعة لمقاطعة ترابية (circonscription territoriale) تمتد على مساحة تتراوح بين 100 و300 هكتار، وتفصل بين الوحدات بعضها البعض مسافات متفاوتة تتراوح عموما بين 1.5 و2 كلم.
مما لا شك فيه أن مثل هذه الخلاصات تزكي ما يتضمنه كتاب ابن رشد في الموضوع. كما أن اللقى التي تم الكشف عنها، والتي ساهمت في بلورة هذه الخلاصات تمد الكتاب بقيمة مضافة وتثري مرجعية المؤرخ وتجعله أكثر اطمئنانا وهو ينهل من معين هذا المصنف.

ثانيا : بنية الأسرة في البادية الأندلسية.
تتأكد أهمية الخلاصات التي انتهينا إليها منذ حين عند البحث في موضوع الأسرة. إذ تفيد كتب الفتاوى والنوازل المعتمد عليها في هذا العرض بأن الأسرة شكلت نواة المجتمع والعنصر المركزي في التنظيم الاجتماعي بالأندلس. وقد قامت في الحواضر كما في الأرياف على أساس اقتران (union) بين ذكر وأنثى وفق ما أقره كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. كانا يتعايشان مدة قصيرة أو طويلة تنتهي بطلاقهما أو بوفاة طرفي الاقتران أو بوفاة أحدهما. وكانا يقيمان خلال فترة المعاشرة بيت زوجية، وينجبان أطفالا يسهران على تربيتهم والإنفاق عليهم حتى بلوغ مرحلة معينة. وفي هذا الشأن يذكر الشعبي المالقي بأن النفقة تسقط عن الأب ببلوغ الإبن، الذي يصبح مالكا لأمر نفسه . أما البنت فتظل في ولاية أبيها حتى تتزوج .
وانطلاقا من مضامين كتب الفتاوى والنوازل، وما تتضمنه المصنفات الأخرى أيضا، نميل إلى الاعتقاد بأن قرى أندلس القرن الخامس الهجري سادت فيها الأسر الصغيرة الحجم أو ما يعرف عند المختصين في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع بالأسر النواتية familles nucléaires ) (lesالتي تتكون كل واحدة منها من الزوج والزوجة وأبنائهما. وهذا ما تؤكده مجموعة قضايا تعالجها بعض كتب أحكام الفقه وبعض كتب الفتاوى.
فقد وردت في كتاب الأحكام للشعبي المالقي قضايا تثبت ذلك؛ من قبيل قضية كاتب فيها أحد المفتين الشعبي المالقي " في رجل نكح امرأة وساق إليها ثلثي ماله. ثم توفيت المرأة عن زوجها وأربع بنات وابنين" . وقضية استفتي فيها ابن المكوي في "رجل تصدق على رجل بجميع أملاكه في قرية (...) ثم إن المتصدق عليه ساق إلى زوجته ثلاثة أخماس ما تصدق به عليه" .
ويتضمن كتاب الفتاوى لابن رشد قضايا تسير في نفس الاتجاه، من قبيل قضية وردت عليه من نواحي مدينة شلب في رجل تزوج امرأة وساق إليها نصف عرصة على أن يبنيها بنيانا تواصفاه، وتكون بينهما بنصفين ، وقضية الرجل الذي تزوج امرأة على عدد مسمى من المواشي وقطعة أرض مسماة قد عرفتها .
وإذا كانت هذه القضايا تفيد بأن الأسرة كانت نواتية كما ذكرنا، فإنها تفيد إلى جانب قضايا أخرى بأن عدد أفراد الأسرة كان يتراوح في الأغلب الأعم بين ثلاثة وثمانية أفراد خلال الفترة الزمنية التي حدثت فيها وقائع تلك القضايا التي عاصرها الشعبي المالقى المتوفي سنة 497هـ. وابن رشد المتوفى سنة 520هـ.
فقد ذكر الشعبي المالقي أن ابن المكوي كاتبه "في رجل تصدق على ابن له بالغ رشيد بجميع أملاكه. على أن المتصدق عليه طاع له حين الصدقة عليه بأقفزة من طعام معلومة إلى موت المتصدق. وملك هذه الأموال خمسا وعشرين سنة، وله أخوات متزوجات لا يغيرن عليه ولا ينكرن في بقاء الأب ولا بعد موته. فتوفي الأب ثم توفيت البنات بعده إلى أعوام (...) ثم إنهن تركن بنين، فملك الرجل أيضا في وجه البنين الأعوام الكثيرة إلى أن توفي المتصدق عليه وترك ابنة وزوجة" . وكتب بعضهم إلى ابن المكوي في رجل يشهد على نفسه في مرضه الذي توفي على إثره أنه باع جميع أملاكه لصهره زوج ابنته، وليس للرجل سوى تلك الإبنة وزوجة أمها .
ومن القرائن الدالة أيضا بأن الأسرة كانت نواتية ومعدودة الأفراد هو أن أغلب عمليات الإرث أو هبة قطع أرضية أو التصدق بها كان يستفيد منها أقرب المقربين من مالك الأرض، موضوع إحدى العمليات المذكورة، ونعني بهم أولاده وبناته وزوجته. وقد تضمنت القضايا التي أدرجناها آنفا ما يفيد ذلك.
وفي نفس السياق نشير إلى أن أولاد المالك العقاري كانوا هم أوائل المستفيدين من عمليات التحبيس. ولا يستفيد قرابة المحبس من الحبس إلا إذا اشترط المحبس ذلك، أو إذا توفي الأولاد وليس لهم عقب.
وللدلالة على ذلك نعود مجددا إلى كتب الفتاوى والنوازل. فقد أورد الشعبي المالقي في أحكامه أن ابن المكوي استفتي في "رجل حبس نصف ماله من الأرضين على بنيه الأصاغر على الإشاعة. ثم مات فضاقت ذات يد الأم التي باعت ما تم تحبيسه عليهم. فأجاب ابن المكوي بأن العملية غير جائزة إذا تمت، وهم في حال صغر، فيفسخ البيع وينفذ الحبس" .
وفي نفس السياق ذكر كذلك أن أحد فقهاء قرطبة استفتي في رجل تصدق على ولده بأرض وشجر من ماله المحبس عليه، واشترط أن ترجع هذه الصدقة إلى أقرب الناس بالابن ملكا مطلقا غير محبس. فتوفي الابن ولم يكن له عقب، وكان له عم وخالان، فأفتى الفقيه بأن ترجع الصدقة إلى العم، أي أخ الأب لأنه أقرب إلى المتصدق عليه من الخالين أخوي الأم" .
وانطلاقا من مضامين كتب الفتاوى والنوازل يتضح بأن الأسرة النواتية أضحت التشكلة القاعدية في المجتمع الريفي. وتؤكد هذه الخلاصة عمليات السبر والتنقيب التي سبق الحديث عنها.
إذ أبانت فعلا بأن معظم قرى القرنين الخامس والسادس للهجرة كانت مشكلة من منازل صغيرة الحجم. لا يمكن أن تأوي إلا أسرا نواتية في اعتقادنا، بالنظر إلى مساحتها. فقد تراوحت مساحة بعضها بين 70 و80م2. وكانت مؤلفة من ثلاث أو أربع غرف. في حين أن بعضها الآخر لم تتجاوز مساحته 40م2. وكانت مؤلفة من غرفتين فقط .

ثالثا: قنوات وآليات امتلاك الاستغلاليات الزراعية.
كان مجال الزراعة مخضرما في بلاد المغرب والأندلس، بمعنى أن قطع الأرض التي تمد أفراد المجتمع بما يحتاجون إليه من منتجات كانت موزعة بين الأرياف والحواضر.
وقد تفاوتت من حيث مساحتها كما اختلفت الأطراف المالكة لها (أو التي كانت تستثمر بعضها دون أن تملكها). ويمكن التمييز فيها عموما بين خمسة أصناف أو أنواع هي : الأراضي السلطانية وأراضي الإقطاع والاستغلاليات الخاصة وأراضي الأحباس والأراضي الجماعية.
تزخر مختلف المصنفات من حوليات تاريخية ومؤلفات أدبية وكتب الجغرافيا وكتب الفلاحة بفيض من المعلومات حول شكلها وبنيتها ونظم استثمارها والمحاصيل التي كانت تجود بها.
وإذا كانت كتب الفتاوى والنوازل تشترك مع المصنفات السالف ذكرها في كونها تتضمن عموما معلومات مماثلة، فإنها تنفرد عن تلك المصنفات في كونها تسلط الضوء أكثر على الاستغلاليات الخاصة وأراضي الأحباس. فالأسئلة والأجوبة التي تتضمنها تفيد بأن تلك الاستغلاليات كانت منتشرة في محيط الحواضر وظهيرها وفي قرى الأرياف. كما تفيد بأنها كانت تشكل ثروة عقارية في حوزة أفراد من المسلمين وأفراد من أهل الذمة أيضا حسبما يتضح من بعض القضايا التي يتضمنها كتاب "الأحكام الكبرى" لابن سهل. من قبيل قضية المسلم المدعو العطار الذي تنازع مع "نصرانيين" هما زكريا وعثمان حول "فدان" ادعى أنه يقع في ملكيته، بينما ادعى النصرانيان أنهما اشترياه من نصراني آخر . وقضية "مسلم اشترى جنانا من يهوديين ونزل فيها وحازها عشرة أعوام أو نحوها واعتمرها، ثم حبسها بعد هذه المدة على بنيه. فإذا انقرضوا رجعت حبسا على طلبة العلم وفي فك الأسرى وعتق الرقاب..." . وقضية طريف الفتى الصقلبي الذي كان يمتلك "فدانا" رغب في تحبيسه على مسجد ببلدة طرجيلة (Trujillo) .
وتفيد نوازل أخرى بأن التشريعات الجاري بها العمل في الأندلس كانت تتيح إمكانية اشتراك شخصين لا توجد بينهما صلة قرابة في امتلاك استغلالية. كما يوضع ذلك سؤال ورد على ابن رشد في موضوع "رجلين اشتريا أرضا وغرساها كرما وشجرا. وتملكاها. ثم إن أحدهما أشرك أخاه في نصف نصيبه..." .
والجدير بالذكر أن مسألة اشتراك إخوة في ملكية جنان أو فدان كانت عادية. وهذا ما تؤكده نازلة أخرى أفتى فيها ابن رشد. فقد ّسئل في إخوة كان بينهم مال، فغاب أحدهم وساق الباقون لزوجاتهم من مالهم سياقة. ثم إنهم عاوضوا ببعض الأملاك المشتركة بينهم وبين أخيهم الغائب وزوجاتهم" .
وارتباطا بنفس النازلة نشير بأن التشريعات كانت تكفل للزوجات وللنسوة عموما حق امتلاك استغلالية. وهذا ما يستفاد أيضا من سؤال أفتى فيه أبو المطرف الشعبي المالقي في موضوع جواز أو عدم جواز صدقة امرأة كانت لها دار وأحقال تصدقت بهما على ابن لها. فلم يزل الابن يعمر الأحقال والأم ساكنة في الدار حتى يوم وفاتها" . وسئل ابن رشد"(...) في امرأة كانت لها أملاك بجهة من الجهات منزلة في أيام ابن عباد، تصدقت بها على ابن لها، والأملاك بيد غيرها يعتمرها بالإنزال المذكور..."
وعلى غرار "أحكام" الشعبي المالقي وفتاوى" ابن رشد يتضمن كتاب "نوازل" ابن الحاج عدة معطيات تأكد بأن المرأة الأندلسية كان لها الحق في امتلاك قطعة أرض زراعية ومن بين تلك المعطيات رسم إثبات ملكية جاء فيه:"يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهود أنهم يعرفون المال العقار الذي لأم ناجية المعروفة بهبتي ابنة محمد بن فرج بحارة يونس المعروفة ببني سالم من قرية مريانة الغافقي من إقليم الشرف كورة إشبيلية منه فدان بمقربة من دور الحارة المذكورة وبغربها، فيه من شجر الزيتون مائة أصل واحدة وخمسة أصول (...) وفي القبلة مال لابن شجرة وفي الجوف مال للسلطان..." .
ومما لاشك فيه، أن قيمة كتب الفتاوى والنوازل تتضح أكثر عند الحديث عن القنوات والآليات التي بمقتضاها وعن طريقها كان عدد من الأفراد ذكورا وإناثا يصبحون مالكين لاستغلاليات زراعية.
وفي ضوء المعطيات التي تتضمنها تلك الكتب يمكن التمييز في تلك القنوات والآليات بين نوعين:
قنوات وآليات شرعية تتمثل في الإرث والزواج والصدقة والهبة والنحلة. وقنوات غير شرعية تتمثل أساسا في الترامي على ممتلكات الغير والغصب.
وفي هذا الصدد تفيد كثير من القضايا التي طرحت على أنظار فقهاء القرن الخامس الهجري بأن عددا من الذكور والإناث أصبحوا مالكين عقاريين، إنجرت إليهم قطع أرض بالوراثة. وعلى غرار الوراثة مكن الزواج بعض الإناث من أن يصبحن مالكات لاستغلاليات زراعية. فقد رأينا منذ حين من خلال سؤال طرح على ابن رشد بأن بعض الإخوة ساقوا لزوجاتهم من أملاكهم سياقة. وفي نفس السياق ويفيدنا أيضا بأنه سئل "(...) من مدينة شلب فيمن تزوج امرأة على أن ساق إليها نصف بقعة محدودة وتكون بينهما بنصفين..." . وسئل أيضا في موضوع "رجل تزوج امرأة على أرض مسماة قد عرفتها المرأة، على أنه إن لم يكن فيها وفاء بها أكمل لها البقية من أرض له أخرى قد عرفتها المرأة أيضا ووقفت عليها" .
وبالمثل مكنت كل من الصدقة والنحلة بعض الذكور والإناث من امتلاك استغلاليات زراعية كما تشير إلى ذلك نماذج من النوازل التي تقدم ذكرها، وكما تفصح عن ذلك بوضوح بعض النوازل التي تتضمنها"أحكام" الشعبي المالقي. من قبيل النازلة التي أوردناها عند الحديث عن بنية الأسرة في موضوع "الرجل الذي تصدق على رجل آخر بجميع أملاكه في قرية. فعمر المتصدق مع المتصدق عليه عاما. ثم إن المتصدق عليه ساق إلى زوجته ثلاثة أخماس ما تصدق به عليه" . ونازلة أخرى في موضوع ّالرجل الذي كانت بيده جنة بمدينة بجانة فنحلها أبنتيه في صداقهما في رجب من سنة 390هـ .
وبموازاة هذه القنوات الشرعية التي ارتأينا التوقف عندها، كان بعض أفراد المجتمع الأندلسي يستعملون قنوات أخرى، نستطيع نعتها بالقنوات غير الشرعية قصد الحصول على استغلاليات أو للزيادة في مساحات الاستغلاليات التي كانت في حوزتهم. ضاربين بذلك عرض الحائط حرمة الاستغلاليات التي كانت مصونة بواسطة العقود التي تحدد هوية ماليكها. والتي تتضمن أيضا ذكرا دقيقا لحدود كل استغلالية، وهي حدود كانت واضحة المعالم على الطبيعة تجسدها الحيطان أو السياجات المحيطة بالاستغلالية.
ويبدو أن تردي الأوضاع الأمنية في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري بصفة عامة، وخلال الفترة الممتدة بين سنتي 399 و422 هجرية بشكل خاص هيأ الظروف الملائمة للبعض للتطاول على استغلاليات جيرانهم لاقتطاع أجزاء منها وضمها إلى ممتلكاتهم . وأحيانا كان بعض الأشخاص ينجحون في الارتماء على استغلاليات الغير مستغلين هجرة مالكيها القسرية. وهذا ما تفصح عنه نازلة أفتى فيها ابن سهل . مفادها أن رجلا يدعى "دهمةّ كان يملك ّجنةّ في مدينة بياسة اضطر للرحيل عنها بمعية أفراد أسرته أيام الفتنة إلى سرقسطة التي توفي بها. وبعد مرور عدة سنين عاد ابنه "عبد الله" إلى بياسة، فوجد جنة أبيه قد سطى عليها أحد الأشخاص واعتمرها. فطرح مشكلته على أهل النظر وأشهر عقد ملكية الجنة وأثبت الموت والوراثة. فأفتى ابن سهل بوجوب عودة الجنة لمن له الحق فيها. وفي نفس السياق يفيدنا ابن رشد بأنه سئل في موضوع رجل له فدان يجاوره فيه رجل آخر. فتعدى المجاور المذكور وحرث له فدانه تعديا .
ويستفاد من المصنفات النوازلية بأن تجاوزات أخطر حدثت خلال القرن الخامس الهجري. تمثلت في حالات غصب وسطو قام بها بعض ذوي النفوذ، وتمثل هذه الحالات في اعتقادنا شكلا من أشكال تجريد الفرد من ملكه تعسفا. ومن نماذجها ما حدث للمرأة التي كانت لها أملاك بمملكة بني عباد أرادت أن تتصدق بها على ابنها، فلم تتمكن من ذلك لأنها لم تكن تستثمرها، بل كان يعتمرها غيرها بإنزال. فرفعت تظلمها للقاضي المفتي ابن رشد الذي انتصر لها. وأفتى بأن المستثمر بإنزال ليس له الحق في ذلك سواء كان الإنزال على فائدة المال أو على أصله . وعاد مرة أخرى لينتصر لأصحاب الحق حين أراد أحد الغرباء (ويبدو أنه من ذوي النفوذ) الاستيلاء على "سبخة تحدق بها استغلاليات فلاحي إحدى القرى. فوقفوا جميعا ضده ورفعوا تظلمهم لابن رشد الذي أفتى بأن المتطاول لاحق له في السبخة. ومن ثم يجب أن تبقى على حالها يستغلها جميع الذين تحذق استغلالياتهم بها .
ولا نبالغ إذا قلنا بأن حالات من هذا القبيل كانت تحدث باستمرار خلال القرن الخامس الهجري، لأن كتب الفتاوى والنوازل تحفل بنماذج كثيرة عنها. إلى درجة أنها تترك الإنطباع بأن ظاهرة غصب الاستغلاليات وكذلك غصب رؤوس الماشية أصبحت شائعة. بل يبدو أن أصداءها وصلت إلى بلاد العدوة كما يتضح من خلال سؤال ورد على القاضي عياض من مدينة ابن السليم (شذونة) لاستصدار فتوى في شأن عملية سطو قام بها أحد ولاة تلك الجهة على "مجشر" بظهير المدينة ورثة شخصان عن أبيهما. وشرع في استثماره مزارعون لحسابه تحت حراسة فرسان يعملون تحت إمرته. ضايقوا أرباب المجشر حتى اضطروا إلى الفرار عنه .
ونخلص من خلال المعطيات التي تضمنها هذا العنصر إلى القول بأن كتب الفتاوى والنوازل الفقهية تحتل في اعتقادنا موقعا متميزا قياسا بالمصنفات الأخرى. فهي تقرب الباحث أكثر إلى واقع الاستغلاليات الزراعية، لكونها تتضمن كثيرا من الأسئلة والأجوبة بشأنها تمكن الباحث من معرفة موضع وموقع البعض من تلك الاستغلاليات، ومعرفة هوية عدد من مالكيها. وكثيرا ما ترد هذه المعلومات في سياق دينامي أو حركي كعملية قسمة بمناسبة نصفية تركة أو عملية غصب أو عملية تحبيس.