أضواء حول حق الملكية في الأندلس

اضواء حول حق الملكية في الأندلس
أجمعت دول العالم في اليوم العاشر من شهر دجنبر عام 1948 بأن للإنسان حقوق يتوجب احترامها. و تجسد هذا الإجماع من خلال مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تعزز فيما بعد بصدور مواثيق دولية خاصة بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية.
يقر الإعلان و مجموع تلك المواثيق بأن للإنسان كرامة يجب صيانتها؛ و أن له الحق في الحياة، و الحق في العيش الكريم، و الحق في التنقل، و الحق في العمل و السكن و الرعاية الصحية و الاجتماعية و ما إلى ذلك من حقوق.
و يهمنا في هذا المقام "حق الملكية" الذي خصه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ببند مستقل هو البند السابع عشر (17) الذي ورد فيه بالحرف :"لكل شخص حق التملك بمفرده أو باﻹشتراك مع غيره، و لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا".
و قد أولت بعض دول العالم "حق الملكية" أهمية بالغة ضمن القوانين المدنية التي تتبناها حتى أنها جعلته يأخذ صبغة حق مقدس.
و تأسيسا على ما تقدم سنسعى في هذا العرض إلى تسليط الضوء على الاستغلاليات الصغرى التي كانت في حوزة بعض سكان الحواضر و عموم الفلاحين في أرياف الأندلس لمعرفة ما إذا كانت حيازتهم لها تستجيب أم لا لمقتضيات حق الملكية كما ينص عليها البند المذكور. و سنتخذ من القرن الخامس الهجري حيزا زمنيا لتحقيق هذا المسعى.

و نوضح بادئ ذي بدء بأن الحديث عن مسألة الملكية أو التملك في الأندلس يحيلنا إلى نظرية الأموال في الفقه الإسلامي.
فقد عرف جمهور الفقهاء القدامى و المحدثين المال بأنه كل شيء يقتنيه الفرد و يحوزه حيازة تامة، و ينتفع به في حدود أوامر الله و نواهيه. و يمكن أن يكون هذا الشيء مادة نفيسة أو أثاثا ذو قيمة أو حيوانا أو عقارا.
وبما أن الأشياء التي تقتنى و تتم حيازتها حيازة تامة، بعضها يظل ثابتا و بعضها قد يطرأ عليه تحول، فقد ميز الفقهاء في المال بين العقار الذي هو المال الثابت كالأرض والبناء والغرس، و المال المنقول، و هو كل شيء ذو قيمة يمكن نقله أو تحويله من مكان إلى آخر دون أن تتغير هيأته و شكله، كالذهب و الفضة و النفيس من الأثاث و الأواني.
وينشأ التملك عن عدة أسباب من بينها الشراء و الإرث و الأعطيات و الهبات. و قد اجتمعت هذه الأسباب في الأندلس؛فجعلت العديد من أفراد المجتمع خاصته و عامته يمتلكون دورا و دكاكين و أراضي زراعية و منقولات. اختلفت بين نقود ذهبية و فضية و حلي و أثاث و نفائس.
و يبدو أن الأراضي الزراعية كانت أكثر الممتلكات شيوعا في الحواضر و الأرياف.لأن
الزراعة كانت طيلة فترة الوجود العربي الإسلامي بالأندلس نشاطا رئيسا امتهنه عدد كبير من أفراد المجتمع.
فلا غرو إذا وجدنا ابن خلدون يؤكد في معرض معالجته لبعض أوجه "الكسب و المعاش" "أن الأندلسيين (...) هم أكثر أهل المعمور فلحا و أقومهم عليه. و قل أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن فدان أو مزرعة أو فلح إلا قليل من أهل الصناعات و المهن أو الطراء على الوطن من الغزاة المجاهدين".
و تؤكد مختلف النصوص المتعلقة بعصري الإمارة و الخلافة صحة ما خلص إليه ابن
خلدون. إذ تفيد بأن الأمراء و الخلفاء و خاصة و عامة المجتمع كانوا دوما حريصين على حيازة الأراضي لتشكل جزءا من ثرواتهم العقارية. و حريصين أيضا على ممارسة الزراعة
للانتفاع من العائدات الناتجة عنها.
و في نفس المنحى تذهب المصنفات التي تهم عصر الطوائف. اذ توضح بأن الاهتمام بحيازة الأرض و ممارسة الزراعة ظلا متواصلين. بل ان نماذج من تلك المصنفات تفصح عن حقيقة مفادها أن "الزراعة و الغراسة [أصبحتا] قوام الحياة و قوت النفوس، و من أعظم
الأسباب و أكثرها أجرا".
و يتضح من خلال عدة قرائن بأن عمارة الأرض أصبحت فعلا "قوام الحياة و قوت النفوس" بالنسبة للقائمين على الأمر و بالنسبة لسائر أفراد المجتمع، على اثر المستجدات التي أخذ يشهدها هذا العصر منذ مطلعه. و قد تمثلت تلك المستجدات في التجزئة السياسية و في تجزئة المجال المستثمر، و الذي عمل المسيحيون على اقتطاع أجزاء منه لحسابهم في
سياق الغارات و حرب الاسترداد. كما تمثلت أيضا في الاضطرابات الداخلية التي زاد من حدتها تسلط القوى المسيحية عسكريا و ماديا (الجزية). و جميع هذه المستجدات و عوامل أخرى أدت إلى تراجع الأنشطة الحرفية و المبادلات التجارية، حققت انتعاشا خلال القرن الرابع الهجري. فغدت الأرض تبعا لذلك المصدر الرئيسي لمداخيل الممالك الطائفية. و في نقس الوقت غدت عمارة ما تبقى من أراضي في حوزة المسلمين أهم مورد عيش لعدد كبير من سكان تلك الممالك.
شكلت جميع الأراضي المستثمرة ما يشبه لوحة فسيفساء. و انتشرت داخل محيط المدن
و خارج أسوارها. كما انتشرت بمختلف قرى الأرياف. و قد اختلفت الأطراف المالكة لها. كما تفاوتت من حيث مساحتها و من حيث نظم استثمارها و دورها في الحياة الاقتصادية.
و يمكن التمييز فيها عموما بين الأراضي السلطانية المتمثلة في المنيات و المستخلصات
و أراضي الإقطاع، و أراضي الأكباس، و الأراضي الجماعية، و الاستغلاليات الخاصة، التي نميز فيها بدورها بين استغلاليات خاصة كبرى كانت في حوزة الوزراء و كبار القضاة
و كبار الفقهاء و بعض أفراد الأسر الأرستقراطية، و استغلاليات خاصة صغرى كانت في حوزة بعض سكان الحواضر و عموم الفلاحين. و هي التي سنرى إن كانت حيازتهم لها تتماشى مع مقتضيات حق الملكية كما ينص عليها البند الذي أوردناه في مقدمة هذا العرض.

ظلت الاستغلاليات الخاصة الصغرى تحتل موقعا هاما في خريطة الملكيات العقارية بأندلس القرن الخامس الهجري رغم أن الأرض شكلت موضوع رهان بالغ الأهمية على الصعيد الخارجي بين الممالك المسلمة و ممالك اسبانيا المسيحية. و كذلك على الصعيد الداخلي بين الممالك الطائفية نفسها، و بين أفراد الأرستقراطية و مجموع الفلاحين داخل كل مملكة على حدى.
كانت تلك الاستغلاليات منتشرة في الحواضر و في الأرياف كما أشرنا إلى ذلك سابقا. ففي المراكز الحضرية كانت منسجمة مع مورفولوجية و تضاريس المدينة. فهي تبتدأ عند نهاية حدود المجال المسكون الذي تشغله المنازل و المرافق العمومية الأخرى. و تمتد حتى مشارف الأسوار. كما تمتد على ضفتي الودية و الأنهار، كما في مدينة بلنسية التي تقع "في مستو من الأرض (...) و هي على نهر جار ينتفع به و يسقي المزارع و عليه بساتين و جنات و عمارات متصلة...".
و قد تقع هذه الاستغلاليات، في بعض الأحايين، خارج أسوار المدينة حين تكون أراضي هذه الأخيرة متضرسة و تربتها غير صالحة للزراعة كما في مدينة ألمرية. فان "أكثر منابتها شيح (...) إلا ضفتا نهر بجانة الممتد كالحبل." لذلك فإننا نجد "(...) حول مدينة بجانة [المجاورة] لها جنات و بساتين و متنزهات و كروم و أموال كثيرة لأهل ألمرية."
و في الأرياف، كانت الاستغلاليات الخاصة الصغرى منتظمة وفق حجم و شكل القرية و موقعها طبعا. و لاشك أنها كانت متفاوتة العدد تبعا للتباين الحاصل بين عدد المساكن التي اتتألف منها كل قرية فقد كانت بعض القرى تضم أربعة عشر مسكنا، بينما كانت قرى أخرى تضم عددا أكبر نسبيا. و بالتالي، فان أعداد تلك الاستغلاليات، في كل قرية، كانت تتماشى مبدئيا مع أعداد المساكن؛ مع الإشارة إلى كون أن بعض أهل تلك المساكن لم يكونوا يملكون استغلاليات خاصة. و كانوا مجرد مزارعين يعملون عند فلاحين آخرين أو عند بعض الملاكين العقاريين من أفراد الارستقراطية.
كانت الاستغلاليات الخاصة الصغرى، المنتشرة في الحواضر و في الأرياف، متفاوتة المساحة طبعا، و تحمل أسماء مختلفة من قبيل الجنة أو الجنان أو البستان أو الحقل أو الضيعة أو الفدان. و كانت كل واحدة منها تشكل وحدة ذات معالم واضحة و حدود معلومة
كما توضح ذلك نماذج صيغ العقود التي تتضمنها بعض كتب الشروط و الوثائق و السجلات، و أهمها بالنسبة للقرن الخامس الهجري كتاب "المقنع في علم الشروط لابن مغيث الطليطلي.
و رغم أن تلك النماذج لا تهم حالات بعينها، فإنها تفيد بأن كل عملية شراء أو بيع أو كراء أو قسمة بالتراضي أو تصدق أو هبة يكون موضوعها إحدى تلك الاستغلاليات كانت تتم على أيدي عدلين و يحضرها شهود. فكان يحرر عقد بشأنها يتم فيه تسجيل كل المعطيات المساعدة على إبراز هوية و معالم الاستغلالية، بدءا بتسجيل أسماء الأشخاص المعنيين بعملية الشراء أو البيع أو الكراء أو القسمة أو التصدق، و موضع الاستغلالية و موقعها، و حدودها، و أنواع المنشآت الموجودة بها و المصدر الذي يزودها بالمياه. ثم ينتهي العقد بذكر أسماء الأشخاص الذين حضروا العملية كشهود و تاريخ حصولها.
و إذا كانت إمكانية الاستفادة من نماذج صيغ العقود الواردة في كتب الوثائق و العقود و الشروط محدودة نسبيا لطابعها الفضفاض، فان الأسئلة و الأجوبة الواردة في كتب الفتاوى
و النوازل ذات فائدة جمة بالنسبة للموضوع الذي يهمنا لأنها تتضمن معطيات بالغة الأهمية كأسماء بعض المالكين أو موضع و موقع الاستغلالية ثم السياق الذي وردت فيه هاته المعطيات كعملية شراء أو قسمة بمناسبة توزيع تركة مالك قضى أو عملية تحبيس أو عملية تصدق أو سوء تفاهم حول استغلال مياه السقي بين أصحاب الاستغلاليات أو بينهم و بين أرباب الأرحي.
فقد أفادتنا نماذج من هذه الأسئلة و الأجوبة فعلا بأن الاستغلاليات الخاصة الصغرى المنتشرة في محيط الحواضر و ظهيرها و في قرى الأرياف كانت تشكل ثروة عقارية في حوزة أشخاص ذاتيين من المسلمين أو من أهل الذمة، كما توضح بعض القضايا التي يتضمنها كتاب "الأحكام الكبرى" لابن سهل. من قبيل قضية " المسلم" المدعو العطار الذي تنازع مع "نصرانيين" هما زكريا و عثمان حول "فدان" ادعى أنه يقع في ملكيته بينما ادعى النصرانيان أنهما اشترياه من نصراني أخر. و قضية "مسلم اشترى جنانا من يهوديين و نزل فيها و حازها عشرة أعوام أو نحوها. و اعتمرها ثم حبسها بعد هذه المدة على بنيه. فإذا انقرضوا رجعت حبسا على طلبة العلم و في فك الأسرى و عتق الرقاب. و لتاريخ الحبس هذا ثلاثة عشر عاما (...) و قام الآن يهودي يزعم أن هذه الجنة حبسها عليه عماه، و هما اليهوديان اللذان باعاها للمسلم." . و على غرار القضيتين السالفتين يتضمن نفس المصنف معطيات مماثلة في موضوع "طريف الفتى الصقلبي الذي كان يمتلك فدانا رغب في تحبيسه على مسجد ببلدة طرجيلة."
و تفيد نوازل أخرى بأن التشريعات الجاري بها العمل كانت تتيح إمكانية اشتراك شخصين، لا توجد بينهما صلة قرابة، في امتلاك استغلالية كما يوضح ذلك سؤال توصل به ابن رشد في موضوع "رجلين اشتريا أرضا و غرساها كرما و شجرا و تملكاها. ثم إن
أحدهما أشرك أخاه في نصف نصيبه..."
و كما هو واضح من نفس النازلة، فان مسالة اشتراك إخوة في ملكية فدان أو جنان كانت عادية. و هذا ما تؤكده نازلة أخرى أفتى فيها ابن رشد. فقد "سئل في إخوة كان بينهم مال، فغاب أحدهم وساق الباقون لزوجاتهم من مالهم سياقة. ثم إنهم عاوضوا ببعض الأملاك المشتركة بينهم و بين أخيهم الغائب و زوجاتهم."
و تفيدنا نماذج من كتب الأحكام و نماذج أخرى من كتب الفتاوى و النوازل بأن النسوة كان بإمكانهن امتلاك استغلاليات. فقد سئل أبو المطرف الشعبي المالقي عن جواز أو عدم جواز صدقة امرأة كانت لها دار و أحقال تصدقت بهما على ابن لها. فلم يزل الابن يعمر الأحقال و الأم ساكنة في الدار حتى يوم وفاتها. و سئل ابن رشد "(...) في امرأة كانت لها أملاك بجهة من الجهات منزلة في أيام ابن عباد، تصدقت بها على ابن لها، و الأملاك بيد غيرها يعتمرها بالإنزال المذكور..." و سئل مرة (...) من مدينة شلب فيمن تزوج امرأة على أن ساق إليها نصف بقعة محدودة. و تكون بينهما بنصفين." و سئل أيضا في موضوع "رجل تزوج امرأة على أرض مسماة قد عرفتها المرأة، على أنه إن لم يكن فيها وفاء بها، أكمل لها البقية من أرض له أخرى قد عرفتها المرة أيضا و وقفت عليها."
و على غرار "أحكام" الشعبي المالقي و "فتاوى ابن رشد"، تتضمن "نوازل" ابن الحاج
معطيات تؤكد بأن المرأة الأندلسية كان لها الحق في امتلاك قطعة أرض زراعية. كما يوضح ذلك رسم إثبات ملكية جاء فيه :" يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهود أنهم يعرفون المال العقار الذي لأم ناجية المعروفة بهبتي ابنة محمد بن فرج بحارة يونس المعروفة ببني سالم من قرية مريانة الغافقي من إقليم الشرف كورة إشبيلية. منه فدان بمقربة من دور الحارة المذكورة و بغربها. فيه من شجر الزيتون مائة أصل واحدة و خمسة أصول (...) و في القبلة مال لابن شجرة، و في الجوف مال للسلطان، و في الشرق جنان شرقية فيها أصلان من شجر الزيتون و نقيلات زيتون حديثة الغرس..."
و عموما، فان الشهادات التي أدرجناها تثبت بأن القوانين و التشريعات كانت تكفل لجميع أفراد المجتمع الأندلسي، مسلمين،أو من أهل الذمة،
ذكورا أو إناثا، حق امتلاك استغلالية خاصة أو أكثر من استغلالية في حال تمكنهم من ذلك. و إذا كانت العقود و رسوم إثبات الملكية تؤكد ملكيتهم لها و حيازتهم التامة لها، فان عملية تثبيت ملكية كل استغلالية
و حفظ حرمتها كانت تتم أيضا في الطبيعة. حيث كانت توضع حدود فاصلة بين الاستغلاليات لتمييز هاته الاستغلالية عن تلك و لتفادي النزاعات التي قد تنشب بمناسبة عملية الاستثمار.
و الراجح أن بعض التجار أو الفقهاء الذين كانوا يملكون استغلاليات في الحواضر أو في الأرياف و كذلك بعض الفلاحين الميسورين في القرى كانوا يقومون بتسييج استغلالياتهم، أو بتسييج جزء منها. و هذا ما يتضح من خلال بعض المعطيات التي وفرتها لنا بعض المصنفات. و أولاها ورد في "ذخيرة" ابن بسام بخصوص "منزل بدوي" شاهده الوزير الكاتب أبو حفص عمر بن الشهيد (كان حيا سنة 444 ه.) و هو يتنزه رفقة أحد أصدقائه. فقال في شأنه :فملنا إلى منزل بدوي في هيئة و زي"
له منزل رحب عريض مزرب بأعواد بلوط و طوج مفتل
ترى بعر الآرام في عرصاته و قيعانه كأنه حب فلفل
و ثانيها و رد في "أحكام" الشعبي المالقي في موضوع رجل " كان له كرم. و كان محضرا بالحيطان و السياج. و كان في أسفل الكرم خارجا عن السياج محجة للعامة." و ثالثها ورد في "فتاوى" ابن رشد في سياق سؤال حول " الرجل الذي بنى حائطا لجنته في بطن واد..." و رابعها ما ورد في مؤلف أبي الخير الاشبيلي في معرض حديثه عن غراسة شجيرات الكروم. حيث نصح الفلاحين بضرورة وضع " سياج أو حائط" في إطار عملية تهيئة المساحة المراد غرسها بهذا الصنف من النباتات. و كذلك إذا أريد غرسها بأشجار التين.
و إذا كانت حرمة الاستغلاليات مصونة نظريا بواسطة العقود التي تتضمن ذكرا دقيقا لحود كل استغلالية و عمليا بواسطة هذه الحواجز التي تحدثنا عنها، فهذا لا يمنع من القول بأن حالات سوء تفاهم كانت تقع بين المالكين، أحيانا بخصوص عمليات المرور بين الاستغلاليات لوقوع بعضها في العمق بين استغلاليات أخرى، أو حين يتطاول أحدهم على استغلالية جاره فيقتطع جزءا منها و يضمه إلى ممتلكاته. و أحيانا كان يحدث النزاع حين ينجح أشخاص في الارتماء على استغلاليات الغير مستغلين غياب مالكيها لأسباب قاهرة. و هذا ما تفصح عنه نازلة أفتى ابن سهل. مفادها أن رجلا يدعى "دهمة" كان يملك "جنة" في مدينة بياسة. اضطر للرحيل عنها بمعية أفراد أسرته أيام " الفتنة" إلى سرقسطة التي توفي بها. و بعد مرور عدة سنين عاد ابنه "عبد الله" إلى بياسة: فوجد جنة أبيه قد سطا عليها أحد الأشخاص و اعتمرها. فطرح مشكلته على أهل النظر. و أشهر عقد ملكية الجنة و أثبت الموت و الوراثة. فأفتى ابن سهل بوجوب عودة الجنة لمن له الحق فيها.
و يبدو أن الظرفية السياسية و العسكرية التي ميزت القرن الخامس الهجري في الأندلس سمحت بخلق الظروف الملائمة لحدوث تجاوزات أخطر تمثلت في حالات غصب و استحواذ قام بها بعض ذوي النفوذ. و تمثل هذه الحالات في اعتقادنا شكلا من أشكال تجريد الفرد من ملكه تعسفا. و من نماذجها ما حدث للمرأة التي كانت لها أملاك و لا تستثمرها؛ بل يعتمرها غيرها بإنزال.
و على غرار ابن سهل، فقد انتصر ابن رشد لصاحبة الحق و أفتى بأن المستثمر بالإنزال ليس له الحق في ذلك؛ سواء كان الإنزال على فائدة المال أو على أصله. و الواجب أن ترد للمرأة أملاكها، و لا يحول أحد دونها، لتتمكن من استثمارها بنفسها أو تمضي قدما في التصدق بها على ابنها. بل إن ابن رشد ذهب مرة في جوابه على سؤال حول من اغتصب دارا أو أرضا إلى القول بأنه لا يحل و لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك حتى و إن كان سلطانا؛ و أن من قام بذلك فهو عاص لله عز وجل.
و يتضح من خلال هذه الردود أن ابن سهل و ابن رشد، و معهما جلة الفقهاء المشاورين المقدمين في الأحكام، و الذين تولوا القضاء في أكثر من مناسبة أمثال الشعبي المالقي و ابن الحاج، كانوا بالمرصاد لمختلف التجاوزات التي شجبوها و نددوا بمرتكبيها دون تردد.
و الأهم من ذلك، أن الردود على تلك التجاوزات تسمح بالقول بأن فقهاء الأندلس رجحوا المبدأ القائل بأن حق الملكية لا يسقط بعدم استعمال صاحب الملكية للاستغلالية التي تقع في ملكيته. و معنى ذلك أن هذا الحق لا يزول مهما طالت مدة عدم استعمال المالك الحقيقي لاستغلاليته. و يترتب عن ذلك أن دعوى الاستحقاق التي تحمي حق الملكية لا تسقط بالتقادم.
و تأسيسا على ما تقدم نستطيع القول بأن هذه المواقف التي تفصح عنها كتب الأحكام و كتب الفتاوى و النوازل تعكس إلى حد كبير منهج فقهاء الأندلس التطبيقي في تقرير الأحكام الشرعية، كما تعكس رغبتهم في سيادة "دولة الحق و القانون". و توضح بجلاء الأهمية القصوى التي اكتساها حق الملكية.

يذهب الحقوقيون و رجال القانون المعاصرين في حديثهم عن مقومات حق الملكية، إلى التأكيد بأن هذا الحق يقوم على ثلاثة عناصر أساسية، تعد بدورها بمثابة حقوق فرعية و هي : حق المالك في استعمال الشيء الذي يملكه (l’usus)، و حقه في استغلال ذلك الشيء
و الانتفاع بما يدره من ثمار أو منتجات (le fructus)، و حقه في التصرف في الشيء موضوع الملكية (l’abusus) . و من الواجب في هذا المقام إثبات حقيقة مؤداها أن حق الملكية في الأندلس كان يستجيب إلى حد بعيد لهذه المعايير؛ على اعتبار أن مالكي الاستغلاليات الخاصة الصغرى (و عموم المالكين طبعا) كانوا يمارسون حق الملكية
على ما يملكونه بكل المقتضيات المشار إليها. فقد كان الواحد منهم يستعمل استغلاليته كيفما شاء. فقد يستثمرها أو يستثمر جزءا منها. و قد يتخذها منتزها إذا ما كان يتوفر على مورد عيش أخر غير تلك الاستغلالية. كما كان بإمكان المالك استغلال جنان أو فدان في حوزته. فيستثمره و ينتفع بما يجود به من حبوب أو فواكه و ثمار أو خضراوات و بقول.
ينطبق هذا الأمر على عموم الفلاحين الذين كانوا يستثمرون استغلالياتهم فيحصلون على محاصيل. يحتفظون بنصيب منها لتلبية حاجيات أفراد أسرهم المعاشية. و يتركون نصيبا أخر كبذور لاستمرار عملية الإنتاج و إعادة الإنتاج. و يقدمون جزءا من المحاصيل عينا و نقدا (بعد بيع كمية من المحصول) للجباة. كما كان لهؤلاء الفلاحين، و لجميع المالكين العقاريين، حق التصرف المطلق فيما بحوزتهم. إذ تبين نماذج من صيغ العقود التي يتضمنها كتاب "المقنع في علم الشروط" لابن مغيث الطليطلي أن الواحد من أولائك المالكين كان بمقدوره بيع استغلاليته أو القيام بكرائها لمدة معينة بمقتضى عقد كراء ، أو تقديمها (أو تقديم جزء منها) لمن يقوم بزراعتها بمقتضى عقد مزارعة.
كما تؤكد العديد من القضايا الواردة في "أحكام" ابن سهل و "أحكام" الشعبي المالقي و "فتاوى" ابن رشد و "نوازل" ابن الحاج بأن كل واحد من مالكي و مالكات الاستغلاليات
كان له حق التصرف المطلق في استغلاليته. و ذلك بأن يتصدق بها على من أراد. فقد توصل الشعبي المالقي بسؤال في موضوع "رجل تصدق على رجل بجميع أملاكه في قرية. فعمر المتصدق مع المتصدق عليه عاما. ثم إن المتصدق عليه ساق إلى زوجته ثلاثة أخماس ما تصدق به عليه." و قد يتصدق المالك على شخص من صلبه. كما رأينا من قبل في نموذج المرأة التي كانت لها أملاك في إحدى جهات مملكة بني عباد؛ أرادت التصدق بها على ابن لها. كما كان بإمكان المالك تقديم استغلاليته كنحلة لإحدى بناته. حسبما يتضح من نازلة "الرجل الذي كانت بيده جنة بمدينة بجانة. فنحلها ابنتيه في صداقهما في رجب من سنة 390 ه." و قد يقدم المالك استغلاليته كمهر عند زواجه. أو يقوم بمعاوضتها باستغلالية أخرى أو بكرم أو بما شابه ذلك. و هذا ما يستفاد من سؤال طرح على ابن الحاج. جاء فيه :"الجواب رضي الله عنك في رجل له فدان بقرية من القرى. و عاوض لإنسان من جيرانه بكرم. و خرج كل واحد منهما إلى ما صار له من قبل صاحبه."

يستخلص مما تقدم بأن حق الملكية كان معروفا في الأندلس خلال فترة الوجود العربي الإسلامي. و قد كان حقا من بين الحقوق الأساسية للإنسان قبل أن ينص عليه البيان العالمي لحقوق الإنسان و تقره الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أن القوانين و التشريعات الجاري بها العمل كانت تكفل هذا الحق لجميع الأندلسيين بغض النظر عن انتماءاتهم الجنسية أو الدينية أو العرقية. و قد دعمت تلك التشريعات مدونة فقهية زاخرة مثلتها مختلف مصنفات الفقه التي كانت، رغم اختلافها، تنهل من مصادر رئيسية واحدة تمثلت في كتاب الله عز وجل و أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم و موطأ الإمام مالك و مدونة الإمام سحنون. ونستطيع التأكيد بأن أجرأة حق الملكية تمت خلال القرن الخامس الهجري بكل المواصفات
و المقتضيات التي يتحدث عنها الحقوقيون المعاصرون رغم أن هذا الحيز الزمني تميز، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، بظرفية سياسية و عسكرية صعبة؛ كان من السهل في ظل سيادتها أن تضيع حقوق الأفراد و الجماعات.

..
ملحق

أولا : نصان من كتاب وثائق و عقود

وثيقة ابتياع حقل

اشترى فلان بن فلان من فلان بن فلان حقل أرض بيضاء مزرعة بقرية كذا من إقليم كذا
من عمل مدينة كذا، حده في القبلة كذا، و في الجوف و في الشرق و الغرب كذا، بجميع حقوقه و مرافقه و منافعه و حرمه (الداخلة فيه و الخارجة عنه). و إن كانت له ثمرة، قات بعد الفراغ من التحديد، و فيه من شجر الزيتون أو التين كذا و كذا أصلا (...) دخلت في صفقة هذا المتبايع. ثم لم يستبق البائع فلان في شيء من ذلك حقا و لا ملكا و لا مرتفقا قليلا و لا كثيرا، إلا خرج عنه لفلان بالبيع البتل الصحيح، الذي لم يتصل به شرط و لا ثنيا و لا
خيار، عرفا قدره و مبلغه. و تبني على ما تقدم.

من كتاب المقنع في علم الشروط لابن مغيث الطليطلي، ص. 133.

و ثيقة ابتياع أملاك

اشترى فلان بن فلان من فلن بن فلان جميع ما حوته أملاكه و ضمته فوائده بوجوب المكاسب و أنواع الفوائد كلها بقرية كذا من عمل كذا، بحقوقها و منافعها و حرمها و مرافقها و دورها و معمورها و شجرها و مروجها و أنادرها و دورها إلى أقصى أحوازها، و منتهى حدودها من القرية المذكورة في القبلة منها كذا، و في الجوف كذا، و في الشرق كذا، و في الغرب كذا، و تبني على ما تقدم.

نفي المصدر، ص.ص. 133-134.

ثانيا : نصوص من كتب الأحكام و الفتاوى

رجل يصبح مالكا لعقارات
بعد أن تصدق عليه رجل أخر بجميع أملاكه

و كتب إليه في رجل تصدق على رجل بجميع أملاكه في قرية فعمر المتصدق مع المتصدق عليه عاما. ثم إن المتصدق عليه ساق لزوجته ثلاثة أخماس ما تصدق به عليه.
ثم توفي المتصدق بقرب ذلك. أترى الجميع نافذا للمتصدق عليه أم لا؟
فأجاب ليس له إلا ما حاز بالسياقة.

من كتاب الأحكام للشعبي المالقي، ص.ص. 146-147.

من المظاهر الدالة على وجود ملكية خاصة
الاستغلاليات المسيجة بحيطان أو سياج

و سئل ابن المكوي عن رجل له كرم و كان محضرا بالحيطان و السياج. و كان أسفل
الكرم خارجا عن السياج محجة للعامة. و مما يلي المحجة خندق للماء. إذا حمل ثبت في
الطريق حتى قطعها. ثم ركب الناس السياج و الحيطان و جعلوا المحجة في الكرم. فكلما أكل الماء التراب ساخ و ارتفع الناس في الكرم. فيريد صاحب الكرم أن يرفع الطريق إلى رأس الكرم. إذ يراه أقل للضرر على نفسه. إذ لا يستطيع أن يرده إلى حده الأول إلا بنفقة كثيرة،
و رأس الكرم الذي يريد تحويل الطريق فيه قريب من الموضع الثاني. اله ذلك أم لا؟
فأجاب ذلك له إن شاء.الله تعالى.

نفس المصدر، ص.ض. 211-212.

اشتراك عدة أفراد في امتلاك فدان

و سئل عن قوم لهم فدان، منهم من له منه نصيب يسير، و منهم من له نصيب كثير. أرادوا قسمته. فقام من له النصيب اليسير فحبسه على بنيه اباية منه للقسمة. هل يجوز له ذلك؟ و حبس بغير الإشراك أله ذلك؟ أم حتى ينزل الفصل و يصنع كل من وقع له الفدان ما أحب.
فأجاب إذا لم ينقسم لم يجز تحبيسه إلا بإذن الشركاء إن شاء الله.

نفس المصدر، ص. 212.

حق المرأة في امتلاك استغلالية
و حقها في التصرف فيها بالبيع و الشراء

و خوطب –رضي الله عنه- من مدينة بلنسية بنسخة عقد مبايعة و قع بين امرأتين في ملك ثبت عند حاكم الموضع. فحكم به و أمضاه. ثم رجع من شهوده رجلان، فخشي الحاكم أن يبطل العقد بسبب رجوعهما عن الشهادة. فبعث إليه بنسخته سائلا عن ذلك، و السؤال بعقبه. و هذا نص جميع ذلك من أوله إلى أخره. بسم الله الرحمن الرحيم. اشترت ٳدلال أم ولد فلان من عائشة بنت فلان جميع الدار التي بحاضرة بلنسية و داخل سورها المحدث، و بحومة كذا و منتهى حدها كذا، و جميع الجنة التي بخارج مدينة بلنسية بموضع كذا، و منتهى حدها كذا بعامة جميع حقوق الدار و الجنة المبيعتين المحدودتين فوق هذا و منافعهما و مرافقهما الداخلة فيهما و الخارجة عنهما و بقاعة ذلك كله و بنيانه و أنقاضه. علو ذلك كله و سفله، و بما في الجنة من ضروب الشجرات و أنواع الغراسات المثمرة و غير المثمرة اشتراءً صحيحا تاما مبتولا دون شرط و لا ثنيا و لا خيار عرفتا قدر ذلك و مبلغه بثمن مبلغه كذا. برئت المبتاعة إدلال المذكورة بجميعه إلى البائعة عائشة المذكورة طيبا جيدا مقلبا. و قد باعته البائعة المذكورة منها على الصفة المذكورة و أبرأتها منه براءة تامة. و خلص للمبتاعة المذكورة إدلال ملك جميع ذلك. و حلت فيه محل البائعة المذكورة. و نزلت منزلتها و محل ذي الملك في ملكه على سنة المسلمين في بيوعهم و مراجع إدراكهم بينهم. شهد على إشهاد المتبايعتين ﺇدلال و عائشة المذكورتين على أنفسهما بالمذكور في هذا الكتاب عنهما من سمعه منهما و عرفهما وﺇدلال منهما بحال صحة و جواز أمر و عائشة المذكورة عليلة الجسم ثابتة العقل و الذهن. و عاين قبض البائعة عائشة الثمن الموصوف من المبتاعة إدلال، و ذلك في شهر رمضان سنة خمس عشرة و خمسمائة.

من كتاب الفتاوى لابن رشد، السفر الثاني، ص.ص. 1071-1072.

موقف ابن رشد من عملية الغصب
التي يمكن اعتبارها شكلا من أشكال تجريد الشخص من ملكه

[و سئل] عن الدار يغصبها السلطان أو الأرض، فيعطيها رجلا يسكنها أو يحرثها. و الساكن، أو حارث الأرض، مع ذلك يستحل صاحب الأرض و الدار بمال يعطيه إياه، أو يجعله في حل دون أن يأخذ منه شيئا أو يعطي ذلك لورثته إن كان المغصوب منه قد مات. هل ترى ذلك جائزا أم لا؟
الجواب عليه. لا يحل لأحد أن يفعل ذلك، و لا يجوز له. فان فعل ثم أرضى صاحب ذلك ، أو تحلله فحلله بنفس طيبة برئ من تبعاته في الدنيا و الآخرة و من الإثم إذا استغفر ربه من ذلك و تاب، لأنه عاص لله عز و جل في سكنى الدار أو حرث الأرض قيل أن يأذن له رب الأرض في ذلك. لأنه إذا علم بالغصب فسكن أو زرع فهو بمنزلة الغاصب. و بالله التوفيق لا شريك له.

نفس المصدر، السفر الثالث، ص.ص. 1366-1367.