تطوير النقل داخل المدن بالمملكة العربية السعودية

الملخص التنفيذي
تطوير النقل داخل المدن بالمملكة العربية السعودية
المقدمة:
يُعدُّ النقل عامةً والنقل داخل المدن خاصةً إحدى الركائز المهمة لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في معظم دول العالم. فهو محور أساس لجعل المدن أكثر تنافسية وجاذبية للاستثمار وتوفير فرص العمل لسكانها. فوسائل وأنظمة النقل داخل المدن تعالج القضايا المرورية والبيئية والسكانية في المدن، وقد برزت مشكلة النقل بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة بالمملكة نتيجة الهجرة الداخلية والتطور والنمو السكاني السريع للمدن. ولكن النقل دائماَ يعاني مشكلات متعددة، ومن الصعوبة بمكان إيجاد حلول قياسية أو جذرية لها. ومن أهم تلك المشكلات تبرز مشكلة الاختناقات والحوادث المرورية والتلوث ونحوها التي تسبب خسائر كبيرة تعوٍّق التنمية الشاملة. ولا تختلف المشكلات التي تواجهها مدن المملكة عن المشكلات التي تعانيها المدن الكبرى في مختلف دول العالم. إلا أن تلك الدول بادرت بأخذ زمام المبادرة قبلها واستطاع بعضها تنمية وتوفير وسائل حديثة وسن تنظيمات وقوانين مدروسة للنقل. وعلى الرغم من أهمية النقل داخل المدن في المملكة وفوائده الكبيرة للمجتمع، إلا أنه مازال يفتقد إلى أهم وسائله وهي النقل العام المتكامل، إذ ما زالت هذه الوسيلة مفقودة وتعاني عدة معوقات تقف أمام نموها والإقبال عليها. وهي معوقات ترتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتخطيطية والبيئية السائدة، والطريقة التي تقدم بها الخدمة حالياً ودور متخذي القرار الذين يسنون الأنظمة التي تحكم النقل ومن ثمَّ جودته. وقد أثبتت التجارب الدولية ان التأخر في حل مشكلات النقل داخل المدن يكلف الاقتصاد والمجتمع خسائر كبيرة وأن تلك التكلفة تتضاعف بمرور الوقت إذا لم يتم التصدي لها. وأن تكلفة إيجاد الحلول وتنفيذها أقل من تكلفة خسائر التباطؤ فيها. وأن سرعة الحلول لها نتائج إيجابية مباشرة وغير مباشرة على التنمية الشاملة في المدى القريب.
لذلك قامت هذه الدراسة بالبحث والتقصي عن واقع ومشكلات النقل داخل المدن في المملكة وتشخيصها ومحاولة إيجاد الحلول القياسية لتجنبها. وكذلك تقدير تكلفة تلك المشكلات اقتصادياً واجتماعياً انطلاقاً من دراسة الوضع الحالي للنقل داخل المدن بالمملكة ومقارنته مع تجارب ناجحة لبعض المدن العالمية لمعرفة أوجه التشابه أو الاختلاف ومدى إمكانية ربط ذلك بأحوال وتقاليد المملكة. وكذلك القيام بدراسة استقصائية للتعرف على آراء واتجاهات سكان المدن بالمملكة والمستفيدين من النقل، وكذا آراء واتجاهات المسؤولين ومتخذي القرار؛ وذلك بهدف وضع رؤية مستقبلية للنقل وإيجاد حلول وتوصيات تفيد في الحد من تلك المشكلات مستقبلاً .
هيكل الدراسة:
تتألف الدراسة من سبعة فصول: تناول الفصل الأول (الفصل التمهيدي) خطة الدراسة وفيها عُرضت المشكلة التي تبحثها وأهميتها، وأهدافها، وتساؤلاتها المطروحة إضافة إلى منهجية الدراسة ومحدداتها وهيكلها.
وفي الفصل الثاني استعرضت أدبيات الدراسة والمحتوى النظري من خلال التطرق لمفهوم مشكلات النقل داخل المدن وأسبابها والآثار المترتبة عليها، ثم استعرضت بعض التعاريف والمفاهيم الأساسية للنقل داخل المدن وبعض المعايير لقياس تكلفة مشكلاته ومسبباتها.
أما الفصل الثالث فيشتمل على مراجعة وتحليل الدراسات السابقة مع تشخيص الوضع الحالي .
أما الفصل الرابع فيتناول الدراسة الميدانية وما يدور فيها من آراء ومقترحات وتوجهات لكل الأطراف المعنية بالنقل داخل المدن، علاوة على محددات مجتمع الدراسة وعينتها ومنهجها التحليلي.
وتطرق الفصل الخامس لاستعراض تجارب بعض الدول في مجال النقل داخل المدن وتحليلها ومقارنتها بوضع النقل داخل مدن المملكة للاستفادة منها في إيجاد حلول ومقترحات لمشكلات النقل داخل مدن المملكة.
وخُصص الفصل السادس لدراسة تقدير التكلفة الشاملة لمشكلات النقل في مدن المملكة. وكذا عرض وتحليل وتقييم ومقارنة أهم التقديرات العالمية لتكلفة تلك المشكلات.
وخلُصت الدراسة في الفصل السابع إلى وضع حلول آنية ومتوسطة وطويلة الأجل للحد من تفاقم مشكلات النقل داخل المدن، وقد خُتم هذا الفصل بعرض نتائج الدراسة وتوصياتها.
مشكلة الدراسة :
على الرغم من أهمية النقل داخل المدن في المملكة بنوعيه الخاص والعام وضرورته وفوائده الكبيرة للمجتمع، إلا أن كليهما لم يصلا إلى مرحلة من النضج الحضري والتنظيم والكفاءة والتنوع ليتواكبا مع نمو وتوسع المجتمع والزيادة السكانية المطردة في المدن. إذ إن النمو المتزايد والمستمر للسكان أدى إلى تكدس المركبات في الطرق مما جعلها تعاني اختناقات مرورية وحوادث مزعجة وتلوث بيئي، إضافة إلى سلبيات وخسائر عالية التكلفة على المجتمع والبيئة، علاوة على إعاقة فرص التنمية. فكلا نوعي النقل لا يزالان يعانيان مشكلات الاختناقات وسوء التخطيط لشبكات الطرق وعدم توافر وسائل السلامة المرورية. وما تزال وسائل النقل العام غائبة داخل المدن لأسباب عديدة. وتعد ظاهرة امتلاك المركبات الخاصة في المدن من أبرز الظواهر التي تعيق أي حلول للنقل. ومن هنا يتضح صعوبة استيعاب معدلات نمو الحركة الحالية وتأثيراتها، ما لم يتم اتخاذ إجراءات للحد من الاعتماد على السيارة الخاصة، وتحسين كفاءة شبكة النقل والطرق وترسيخ مفهوم الأمن والسلامة في النقل للتقليل من مشكلاته.
هدف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى اقتراح وإيجاد حلول عملية يسيطر من خلالها على مشكلات النقل داخل المدن وتوابعها السلبية.
منهجية الدراسة:
استخدمت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي (الدراسة المكتبية) الذي يعتمد على تشخيص ووصف الوضع الراهن للمشكلة وصفاً دقيقاً يعبر عنها تعبيراً كيفياً وكمياً. وقد انتهجت الدراسة عدة مناهج أخرى وهي المنهج الميدانى ( استبانات ومقابلات شخصية)، و المنهج التاريخي عند استعراض الدراسات السابقة، والمنهج المقارن عند القياس على تجارب الدول الأخرى.
الإطار النظري:
تم في هذه الدراسة استعراض الإطار النظري لأهم مكونات النقل داخل المدن وأهم مشكلاته ومسبباته ومصادره. وقد حُددت أهم وأكبر ثلاث مشكلات للنقل داخل المدن وهي:
الاختناقات المرورية والحوادث المرورية (الأمن والسلامة) والتلوث البيئي. واتضح ان أسباب تلك المشكلات ومصادرها تتلخص في ضعف التخطيط العمراني للمدن سواء من جهة تصميم شبكات الطرق ومواصفاتها ومقايساتها، و ضعف التخطيط وخاصة توزيع استعمالات الأراضي بحيث تكون المسافات بين مواقع العمل والسكن هي أقصر ما يمكن للحد من طول وعدد الرحلات. بالإضافة إلى ضعف السياسات والإستراتيجيات لإدارة النقل داخل المدن وعدم توفير التمويل والدعم لتجنب تلك المشكلات والتي تسبب خسائر فادحة وتكلفة مادية وبشرية للمجتمع والدولة. فقد اتضح أن أهم مسببات مشكلات النقل هي ظاهرة الاعتماد على استعمال المركبات الخاصة، وكذلك عدم صيانة شبكات الطرق دورياً وبالشكل المطلوب وعدم توافر نظام نقل عام جيد وفعّال. كما أن هناك أسباباً أخرى تعود إلى السياسات وقلة التمويل وضعف الأنظمة ونقص المواقف المخصصة للمركبات الخاصة خاصة في وسط المدينة؛ فقد أوضحت الدراسات أن الإدارة الجيدة للمواقف تساعد على الحد من الاختناق المروري بنسبة تصل إلى 21%. كما اتضح أن التركيز على الطرق السريعة أفضل من زيادة الطرق الشريانية وأن توسعة الشبكة الحالية ليس حلاً للاختناقات المرورية، فكلما شيدت طرق جديدة فإنها تجتذب مركبات أكثر وتكون مغرية لزيادة الاعتماد على المركبات الخاصة.
تشخيص الوضع الراهن للنقل داخل المدن بالمملكة:
أوضح تحليل الوضع الراهن للنقل داخل مدن المملكة أن هناك تشابهاً كبيراً في مشكلات النقل داخلها. وقد تكون تلك المشكلات أكثر تعقيداَ وإزعاجاَ في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام. ولكن الإحساس بالمعاناة نسبياً لدى سكان المدن هو نفسه سواء للمدن الكبيرة او الصغيرة. وهي مشكلات تم مقارنتها بمشكلات النقل داخل بعض المدن العالمية الأخرى لمعرفة مدى حجم تلك المشكلات نسبياَ ومدى إمكانية إيجاد حلول لها. ويمكن تلخيص الوضع الراهن لبعض مدن المملكة كما يلي:
• يوجد في مدن المملكة أكثر من 4 ملايين طالب وطالبة في حين أن الخدمة الحالية لنقل الطلاب لا تغطي إلا نحو 25% من الطلب.
• وسائل وطرق النقل داخل المدن في المملكة غير كافية.
• تخسر المملكة 47 مليار ريال سنوياً ( أو أكثر) بسبب الحوادث المرورية.
• بلغ عدد الوفيات من حوادث الطرق 6680 شخصاً في عام 1430هـ.
• نمو سكاني سريع وتوسع عمراني كبير.
• بلغ عدد الرحلات المتولدة في بعض المدن 6.5 ملايين رحلة يومياً، وقد تصل إلى 15 مليون في عام 1442هـ.
• حجم الحركة المرورية ضعف سعة الطرق؛ مما أدى إلى انخفاض متوسط السرعة لبعض المدن من 52 إلى 20 كلم/ساعة.
• تعاني الشبكة الحالية للطرق من تدنٍ واضح لمستوى أدائها وكفاءتها.
• الخسائر الاقتصادية للحوادث المرورية كبيرة وتتعدى 40 مليار ريال حتى عام 1431هـ.
• 70% من الرحلات المدرسية تنتهي خارج بلدياتها.
• تكونُّ سحابة من الدخان الملوث فوق بعض المدن مثل مدينة الرياض.
• عدد الرحلات اليومية زادت بنسبة 130 % خلال الأعوام العشرة الماضية.
• تلف البنية التحتية للطرق وكثرة الحفر وكثرة حركة صهاريج المياه والصرف الصحي ومركبات الأجرة.
• متوسط السرعة المرورية يتدنى سنوياً بمقدار 3 كم/ الساعة.
• مشكلات الانتشار الجغرافي.
• الحركة العابرة للمدن وتأثيرها على الحركة داخل المدن.
مما سبق استعراضه من مشكلات للنقل داخل المدن السعودية فإنه من المشاهد حالياً أن مدن المملكة تعاني مشكلة حقيقية وأزمة حادة في مجال النقل داخلها. وهي مشكلات تستدعي دراستها وتشخيصها لإيجاد وجدولة حلول جدية وفعالة وبرمجة تلك الحلول بحيث تكون آنية ومستقبلية. ونظراً لأن مشكلة النقل مركبة ومعقدة وواسعة، لذا يجب التركيز على الحلول الوقائية (العاجلة)، وقد يكون أهم ما نستخلصه هو أهمية دق جرس الإنذار للمسؤولين للبحث عن حلول وآليات تنفيذية سريعة للعلاج أولاً ودون الانتظار لتطبيق الإستراتيجية الوطنية للنقل التي يحتاج تنفيذها وظهور نتائجها خمس سنوات على الأقل.
وقد أكدت الدراسة على أن الخسائر الاقتصادية للمشكلة كبيرة وتم تقديرها في حدود 81 مليار ريال. وأن العائد الناجم عن الإنفاق على تطوير النقل يؤدي إلى عائد مضاعف. وأوضحت الدراسة أن التركيز على التطوير من خلال النقل العام وحده ليس كافياً لحل المشكلة وإنما أطراف المشكلة متعددة، ويجب أن تكون الرؤية شاملة بحيث تحدد المشكلات ومقترحات الحلول وآلياتها التنفيذية بطريقة قابلة للتطبيق. كما أكدت الدراسة على أهمية الربط بين التخطيط العمراني والسياسات المرورية والتنسيق مع جميع الجهات ذات العلاقة بالمشكلة خاصةً وزارتي النقل والشئون البلدية والقروية وذلك من أجل الربط بين الإستراتيجية العامة والإستراتيجيات الفرعية، وقد يحتاج الأمر إلى إنشاء هيئة للنقل داخل المدن بالمملكة وهيئات محلية على غرار ما هو متبع في معظم مدن العالم.
الدراسة الميدانية:
اكدت الدراسة الميدانية توافق آراء العينة المختارة من سكان مدن المملكة الخمس، التي اُختيرت في الدراسة لتمثل مدن المملكة، نحو خصائص النقل داخل المدن من حيث عدد الرحلات وملكية المركبات والغرض من الرحلات ومتوسط وقت الرحلة. وكذلك اتفاق آرائهم نحو توفير النقل العام والمدرسي وأسباب الازدحام المروري والحوادث والتلوث. كما توافقت آرائهم ومقترحاتهم للحد من مشكلات النقل داخل المدن. فقد أوضحت الدراسة الميدانية ان عدد الرحلات في ازدياد. وكذلك الحال بالنسبة لملكية المركبات. واتفق الجميع على أن الغرض الرئيس للرحلات هو العمل ثم المدارس. وأنهم يفضلون وسيستعملون وسيلة النقل العام بواسطة القطارات إذا تم توفيرها بصورة جيدة، بينما استثنيت مدينة الهفوف لتفضيلها الحافلات. وقد أكدت الدراسة الميدانية أن الجميع يتفقون على أسباب مشكلات النقل داخل المدن وأن الزيادة السكانية بالمدينة بسبب تمركز الخدمات وفرص العمل هي أهم أسباب زيادة الازدحام المروري داخل هذه المدن، تليها قلة وسائل النقل العام ثم الاعتماد علي المركبات الخاصة، وكذلك ضعف شبكة الطرق الحالية وقلة استخدام التقنيات الحديثة. كما يتفقون على أن أهم مسببات الحوادث المرورية هي السلوكيات الخاطئة للسائقين وقلة برامج التوعية المرورية وضعف التخطيط العمراني للمدينة\\\". وأن أهم مسببات التلوث التي تسببها مشكلات النقل داخل المدن بالمملكة هي الازدحام المروري وسوء شبكة الطرق وقلة سياسات التشجيع على الحد من استعمال المركبات الخاصة وقلة سياسات التشجيع على ركوب النقل العام. ويرون أن أهم الحلول المقترحة لمشكلات النقل داخل المدن هي توفير وسائل متنوعة للنقل العام بكفاءة عالية وتوسيع وتحسين الشبكة الحالية للطرق وتحسين التخطيط العمراني للمدن وتنظيم دخول الشاحنات للمدينة وتوفير وتنظيم مواقف خاصة لسيارات الأجرة وتوفير نقل مدرسي جيد واختلاف الدوام للمدارس والموظفين في القطاعين العام والخاص. وهي مشكلات متجذرة بسبب تأخر صدور الأنظمة والقرارات التي كان من المفروض أن تساعد على حل تلك المشكلات في حينها. وقد اتضح لنا من الدراسات السابقة أن هناك العديد من التوصيات التي نادى بها الكثيرون ومنذ سنوات ولكنها لم تر النور وآخرها الإستراتيجية الوطنية للنقل والتي تعد شاملة ومتكاملة لحل مشكلات النقل بصفة عامة وجزء كبير من مشكلات النقل داخل المدن بصفة خاصة. واتضح أيضاً قلة الوعي العام لمفهوم النقل داخل المدن باعتباره جزءاً مكملاً للنقل بصفة عامة. كما تبين أيضاً وجود نوع من القصور في التنسيق بين الجهات المسؤولة عن النقل وتضارب في أدوارها وسياساتها ومسؤولياتها. وعدم وجود الوعي العام بأهمية الربط بين التخطيط العمراني وسياسات النقل وخاصة في مخططات المدن، ومن أهمها عدم تواجد التفكير والتخطيط المسبق لتوفير مساحات مخصصة كحرم لمسارات النقل ومواقف المركبات حول المدن وكذلك مواقع محطات ومراكز النقل، إضافة إلى عدم الربط بين مواقع العمل ومواقع السكن.

أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية:
من خلال دراسة عدد من التجارب الدولية للنقل داخل المدن، اتضح أن هناك تشابهاً كبيراً بين معظم تلك التجارب من حيث السياسات العامة والتنظيم المؤسسي وأبعاد مشكلات النقل. كما أن هناك شبه اتفاق أيضاً على معظم الحلول بأن المدن التي تم اختيارها على أساس أنها مشابهة لمدن المملكة الكبيرة والمتوسطة والصغيرة تميزت بتوافر النقل العام وتملكها لثلاثة أنواع من وسائل النقل العام على الأقل وهي الحافلات والقطارات والمترو تحت الأرض أو فوقها. ويوجد في معظمها هيئات محلية للتنسيق والإشراف والمراقبة على قطاع النقل داخل المدن. وهيئات للسلامة والأمن المروري للحد من الحوادث وعددها لحفظ أرواح السكان وتجنب الخسائر المالية والاجتماعية. وتقوم الدول بوضع مخططات شاملة للنقل داخل المدن و توفير وسائل النقل من خلال التنسيق مع الحكومة المحلية والتي تقوم بالإشراف على النقل من خلال هيئة محلية، وبعد فترة تقوم الدولة تدريجياً بتحويل دورها للقطاع الخاص للمشاركة في التشغيل والصيانة والإدارة. كما اتضح أن النقل العام قطاع غير مربح وأنه لن ينجح في تغطية مصاريف تشغيله دون أن يتم دعمه من قبل الدولة. فالعائد من مبيعات التذاكر والدعاية لاتغطي أحياناً نصف التكلفة للتشغيل والصيانة. لذلك فقد كان لحكومات تلك المدن دور كبير في إيجاد التمويل لهذا القطاع على الرغم من أنه واجب على الدولة. كما أن بعض الدول لجأت إلى القطاع الخاص للمشاركة في توفير النقل ولكن بدعم من الدولة في الوقت الذي تبقى الدولة مراقبة ومشرفة حيث لا يلغي ذلك دورها أو مسئوليتها بل انها تدفع بالمخاطرة للقطاع الخاص. كما أن هناك إجماعاً في معظم السياسات على محور الحد من استخدام المركبات الخاصة في جميع المدن؛ وذلك من خلال برامج التوعية وسياسات فرض الرسوم على الطرق والمواقف. وكذلك سياسات التشجيع على الركوب الجماعي والتخطيط لتقريب مواقع العمل مع مواقع السكن.
وقد خلصت الدراسة إلى أن هناك تشابهاً كبيراً بين توزيع المسؤوليات في أوروبا وأمريكا وكندا،مع ماهو متبع في المملكة من حيث مسؤوليات الطرق بين وزارة النقل وبلديات المدن. ففي ألمانيا وأمريكا تكون الدولة أو الحكومة الفيدرالية مسئولة عن الطرق التي تخترق المدن، في حين أن التي داخل المدن تبقى تحت مسؤولية الحكومة المحلية. وكذلك الحال مع تجربة مدينة أتلانتا ودبي وإسطنبول نجد أنهم يؤكدون ذلك كما أشار إليه المحتوى النظري من هذه الدراسة، وهو أن توسعة الشبكة الحالية للطرق لايحل مشكلات النقل داخل المدن وخاصة على المدى الطويل. ويرى الكثيرون أن توسعة الطرق عادة لاتحل المشكلات بل تشجع على جذب مركبات وحركة أكثر، وأن تسعيرة الطرق أو فرض رسوم للحد من دخول المركبات للمناطق المزدحمة تعتبر تجربة ناجحة بكل المعايير وهي جزء من نظام متكامل يشمل توفير النقل العام وزيادة المواقف. كما أن تلك الدول وضعت سياسات وإستراتيجيات تتعلق باشتراطات ومواصفات السلامة للمركبة والسائق والطريق، كما وضعت خططاً مجدولة سنوية للحد التدريجي من معدلات الحوادث والإصابات والخسائر التي تتكبدها.
نتائج الدراسة:
أكدت الدراسة أن مشكلات النقل داخل المدن تكلف الدولة والمجتمع مليارات الريالات بالإضافة إلى تكلفتها الاجتماعية والصحية التي قد لا تقدر بثمن. وقد خلصت الدراسة إلى العديد من النتائج التي استمدت من الدراسات النظرية والتقارير والتوصيات السابقة وكذلك من المسح الميداني وتحليل التجارب الدولية. وقد اتضح أن مشكلات النقل داخل المدن هي مسئولية الدولة وواجب اجتماعي عليها وأنه حق عام للجميع ودون استثناء ويشمل ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة والفئات التي لها خصوصيتها النابعة من العادات والتقاليد الوطنية مثل نقل النساء والأطفال. وأن البنية التحتية للنقل داخل المدن دولياً هي مسئولية الدولة التي تقوم بتوفير البنية العلوية من مركبات وتجهيزات وتشغيل وصيانة عن طريق مشاركتها مع القطاع الخاص وتوفير الدعم اللازم لإنجاحه. حيث اتضح من الدراسة أن أي تحسينات أو تطويرات في النقل بمقدار مليون دولار ستساعد على إضافة مليونين دولار من العوائد جراء ذلك التحسين، لأن ذلك سيساعد على جعل المدينة أكثر جاذبية للاستثمار والتنافسية وسيوفر أموالاً وتجنب خسائر كبيرة على المجتمع في الوقت الذي تستفيد منه الدولة في الرفع من مكانتها وتنافسيتها العالمية. ولعل أهم النتائج التي خرجت بها الدراسة لمشكلات النقل داخل المدن بالمملكة يمكن تلخيصها كما يلي:
 هناك إجماع على وجود مشكلات متعددة للنقل داخل المدن.
 تم اقتراح وتكرار الطرح لإستراتيجيات وسياسات وتوصيات من شأنها حل المشكلات ولكن لم يؤخذ بها.
 النقل داخل المدن موزع بين الجهات الرسمية ( وزارة النقل – وزارة الشئون البلدية – وزارة الداخلية) ولم يجد هيئة تتبناه.
 إجماع على ضرورة توفير النقل العام ونقل الطلاب.
 إجماع على ضرورة صرامة النظام وتطبيق العقوبات.
 نقص الإدارة الذكية للنقل والهندسة المرورية.
 قلة الوعي والتوعية ( السلوكيات).
 مشكلات النقل داخل المدن ترتبت عليها تكلفة عالية نتيجة للحوادث المرورية والتلوث البيئي وضياع الوقت واستهلاك السيارات والوقود.
 تفاوت تقدير التكلفة الاقتصادية للحوادث في مدن المملكة في حدود 41 مليار ريال سنوياً وأن التكلفة الشاملة لجميع مشكلات النقل داخل المدن تصل إلى نحو 109مليارات ريال.
اتضح من الدراسة أن مشاكل النقل في مدن المملكة لاتختلف كثيراً عن غيرها من المدن وخاصة من الناحية الإدارية. فهي كهيكل عام متشابه مع معظم الدول إلا أنها ينقصها التنسيق وتحديد الأدوار والمهمات والمسؤوليات. فوزارة النقل في المملكة تعتبر نفسها وكما تخولها توجيهات وقرارات مجلس الوزراء بأنها مسئولة عن النقل خارج المدن ومن خلالها. أي أن مسئولية النقل داخل المدن ليست من اختصاصها. بينما وزارة الشئون البلدية والقروية ممثلة في الأمانات والبلديات هي المسؤولة عن النقل داخل المدن ولكن دون وجود توجيه واضح لمسؤولياتها. فهي فقط مسئولة عن شبكة الطرق وليس لديها أية توجيهات أو رؤية أو خطة معتمدة لأهمية مشكلات النقل أو حلولها. ويتضح من ذلك أن الوزارة لا يوجد لديها أية تجهيزات أو تخطيط مسبق أو حالي أو جاهزية في مخططاتها وخططها للبنية التحتية لوسائل النقل داخل المدينة ومتطلباتها من مسارات للقطارات أو الحافلات أو الشاحنات، أو حتى مواقع لمحطات النقل وساحات الانتظار والوقوف لاستعمال النقل العام. والجهة الأخرى المسؤولة عن جزئية النقل والخاصة بتنظيم وإدارة الحركة والمرور والسلامة المرورية هي وزارة الداخلية ممثلة في الإدارة العامة للمرور ولكنها لاتجد التنسيق الكافي مع الجهات الأخرى. بينما تقوم بقية الجهات الأخرى بأدوار مساندة كأن تقوم وزارة التجارة بوضع مواصفات للمركبات أو الترخيص لشركات النقل ومركبات الأجرة. وتقوم الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة بوضع بعض الأنظمة للحد من التلوث البيئي. كما تقوم وزارة الصحة بتجهيز الإسعاف والخدمات الطبية للمصابين في حوادث النقل. وقد أشارت الدراسة إلى توجه وزارة النقل لاعتماد مشاريع النقل العام خارج وداخل المدن. وقد يكون تدخلها في النقل العام داخل المدن هو تدخل في مسؤوليات مفروض أنها من اختصاص وزارة الشئون البلدية والقروية أو الحكومة المحلية كما هو الحال في التجارب الدولية.
وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن النقل داخل المدن يفتقد إلى هيئة تتولى تنظيمه والإشراف عليه سواء محلية على مستوى المدينة أو المنطقة. كما أنه يفتقد إلى الكثير من التجهيزات للبنية التحتية والتخطيط العمراني السليم بالإضافة إلى افتقاده إلى الرؤية المستقبلية والأنظمة والقوانين التي تضمن التأكد من نجاحه وفعاليته. والنقل داخل المدن لايعتمد فقط على النقل العام لحل مشكلاته. فكما اتضح من التجارب الدولية أن هناك مدناً مثل باريس وواشنطن ونيويورك وأتلانتا وكلها مدن وفرت النقل العام سواء بالحافلات أو القطارات فوق الأرض وتحتها ولكن ذلك لم يحل مشكلاتها فهي مازالت تعاني الاختناقات المرورية والحوادث والتلوث. لذلك فإن النقل داخل المدن منظومة إطارها أكبر من النقل العام وهي تشمل مجموعة أكبر من المشاريع والأنظمة الذكية والإدارية والتخطيطية. فقد أوضحت الدراسة أن معظم مدن العالم المشابهة لمدننا الكبيرة والمتوسطة والصغيرة توجد بها ثلاثة أنواع من وسائل النقل العام على الأقل وهي الحافلات والقطارات والمترو تحت الأرض أو فوقها بالإضافة إلى التسهيلات والتخطيط العمراني ودور المخططات الشاملة للنقل داخل المدن. وهي ما تقوم حكومات تلك الدول بتوفيره من خلال التنسيق مع الحكومة المحلية والتي تقوم بالإشراف على النقل من خلال هيئة محلية. وبعد فترة تقوم الدولة تدريجياً بتحويل دورها للقطاع الخاص للمشاركة في التشغيل والإدارة، مع بقاء المتابعة والدعم، وهذا لايخلي دورها أو مسئوليتها بل إنها تدفع بالمخاطرة للقطاع الخاص.