التعليم الفني والتدريب التقني ومدى ملاءمته للاحتياجات التنموية من القوى العاملة

الملخص التنفيذي لدراسة
\\\" التعليم الفني والتدريب التقني ومدى ملاءمته للاحتياجات التنموية من القوى العاملة\\\"
مقدمة:
يكثر هذه الأيام الحديث عن البطالة على المستوى الدولي، حديثُ مصحوب بتناول واستعراض مشكلات التعليم والتدريب وتحديدًا التعليم الفني والتدريب التقني وعلاقته بالاقتصاد وعجلته. وفي المملكة العربية السعودية ثمة حديث يتكرر عن ضعف في نوعية وجودة مخرجات هذا النوع من التعليم من حيث المعارف والمهارات التي ينبغي أن يكتسبها الخريجون، وكذلك عن قصور المؤسسات التعليمية والتدريبية في تكوينها لخريجيها؛ مما قلل من مدى ملاءمتهم لأسواق العمل، ويدور حديث ثانٍ عن استئثار العمالة الوافدة بجُلِّ سوق المهن كسبب رئيس لمضاعفة معدلات البطالة بين الشباب السعودي، وربما يُرجِع بعضهم أسباب المشكلة أو يربطها بالاتجاهات والقيم الاجتماعية وقوة تأثيرها في إحجام الشباب عن المهن، وهكذا تكثر التعليلات وتزداد بحسب الزاوية التي يُنظر منها إلى المشكلة، ولا تكاد تخلو المناقشات والأحاديث في دوائر الاقتصاد العالمي وساحات المجتمع الدولي اليوم من تناول ظاهرة البطالة وأثرها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية.
ولمَّا كان التدريب والتعليم يمثلان رافداً أساسياً في جهود الدول لرفع معدلات التنمية، وتخفيض مستوى البطالة، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين؛ فقد نشأت علاقة تبادلية مباشرة بين معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة وارتفاع المستوى التعليمي، كما أن هناك علاقة مباشرة بين ما يخصص من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على التعليم ومعدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي؛ وذلك نتيجة لتأثيره المضاعف على زيادة الدخل واستيعاب القوى العاملة وانخفاض معدلات البطالة.
ونظراً لتوجه المملكة العربية السعودية نحو اقتصاد المعرفة عبر مؤسساتها التعليمية والبحثية، ومنها مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني التي يؤمل من خريجيها إسهامًا إيجابيًا مباشرًا في نقل المملكة إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على الإبداع والابتكار الفني والتقني المقترن بالاستخدامات الواسعة للتكنولوجيا المتقدمة، فإن ذلك يطرح تحدياً كبيراً أمام هذه المؤسسات بتخصصاتها ومناهجها ومقرراتها الحالية كي تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها في ظل الاتجاه نحو اقتصاد المعرفة، وهذا يزيد من ضرورة دراسة هذه القضية دراسة علمية موضوعية تخرج بنتائج وتوصيات تسهم في إيجاد حلول مجتمعية ناجعة.
محتويات الدراسة
تقع هذه الدراسة في خمسة فصول إضافة إلى الملخص التنفيذي والملاحق. وقد خُصِّص الأول منها لإطارها العام والمشكلة التي تعالجها، ويستعرض في الوقت نفسه أهدافها والمنهجيات التي اتبعتها لتحقيقها، إلى جانب الأساليب الإحصائية المستخدمة لمعالجة بياناتها، بينما يُشخِّص الفصل الثاني واقع التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة تشخيصًا يعتمد على دراسة تطورهما وتحديد هويتهما، فضلاً عن التعرف على المشكلات التي يواجهها خريجو مؤسسات هذا النوع من التعليم والتدريب، ثم يتطرق للتسرب فيها من حيث: أسبابه وتداعياته والحلول المقترحة لتجنبه، إلى جانب تحليل المؤشرات الكمَّية والنوعية لخواص العمالة السعودية والوافدة لتحديد وقياس الفجوة بينهما، أما الفصل الثالث، فيتناول الدراسة الميدانية وما يتعلق بها من بيانات ومعالجات، علاوة على الخصائص العامة لمجتمع الدراسة وعينتها ومنهجها التحليلي، ويستعرض الفصل الرابع التجارب الدولية الناجحة في مجال التعليم الفني والتدريب التقني، في حين أورد الفصل الأخير نتائج الدراسة وتوصياتها وآليات تنفيذها والرؤية المستقبلية التي تقترحها، وقد تضمنت الدراسة (111 ) جدولاً و( 33 ) رسماً بيانيًا و(42) مرجعًا عربيًا و(6) مراجع أجنبية و(13) مرجعا إلكترونياً.
مشكلة الدراســة:
ترتبط المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ارتباطاً وثيقا بمستوى ما تقدمه المؤسسات التدريبية والتعليمية كالمؤسسات المعنية بالتعليم الفني والتدريب التقني، ويتولى عدد من المؤسسات التعليمية والتدريبية مسؤولية هذا النوع من التعليم والتدريب لتأهيل الخريجين وإعدادهم للقيام بمسؤولية الأعمال الفنية والتقنية في المجتمع. وقد لوحظ أن مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني في مجملها لا تحقق للمجتمع المستويات المطلوبة أو المفترضة للأهداف والنتائج المتوقعة. ويواجه خريجو مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة مشكلات متعددة إثر تخرجهم يتمثل أهمها: في الحصول على وظيفة مناسبة، والانخراط في سوق العمل، كما يواجه أرباب العمل أنفسهم مشكلات أخرى يُرجعون أسبابها إلى واقع التخصصات الموجودة في التعليم الفني والتدريب التقني وهي تخصصات عامة، فيما يتطلب سوق العمل تخصصات دقيقة، وذلك إضافة إلى الشكوى المستمرة من نوعية مخرجاته بصفة عامة. ومع سهولة الإشارة إلى كل ما سبق؛ إلا أن الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الخلل في المخرجات ليست واضحة بالقدر الكافي؛ مما يزيد من صعوبة الإحاطة الكاملة بالمشكلة من جهة، ويُضعف إمكانية الوصول إلى حلول أو معالجات قد تُسهم في تجنب الخلل أو التقصير من جهة أخرى. وتعيش المملكة اليوم نموًا اقتصاديًا يفرض كثيرًا من التحديات، مع ما يتطلبه من حاجة إلى التخصصات الفنية المتعددة، يضاف إلى هذه التحديات ارتفاع معدلات العمالة الوافدة التي بلغت عام 2010م ما مقداره 8.5 ملايين عامل وافد (تقرير مصلحة الإحصاءات العامة، 2010م)، وذلك إلى جانب عدم قدرة القطاع الخاص على توفير فرص وظيفية للعمالة السعودية المدربة في ظل فوارق وفجوات الأجور بين القطاعين الخاص والعام الذي أصبح هدفًا لكل موظف نظرًا لما يوفره من خصائص مادية وما يحققه من أمن وظيفي، إضافة إلى تفاوت الأجور والإنتاجية بين العمالة الوطنية والوافدة. وتقتضي هذه التحديات مجتمعة إعادة النظر في تقويم مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة، من هنا تتلخص مشكلة الدراسة في التساؤل التالي:
ما مدى ملاءمة مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني للاحتياجات التنموية من القوى العاملة في المملكة العربية السعودية؟
أهداف الدراسة:
تتلخص أهداف الدراسة في التالي:
 التعرف على واقع التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة.
 تحديد مدى ملاءمة التعليم الفني و التدريب التقني للاحتياجات التنموية المستقبلية من القوى العاملة الفنية و التقنية.
 تقديم المقترحات و الحلول التي تسهم في تطوير التعليم الفني و التدريب التقني و تسهم في توظيف مخرجاته.

منهجية الدراسة:

ارتكزت منهجية الدراسة على استخدام أربعة أنواع من المناهج العلمية:
أولاً: المنهج التاريخي التحليلي، وذلك من أجل قراءة تاريخ التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة ودراسة تطوره وتحليله لمعرفة واقعه. كما استخدم هذا المنهج في استعراض التجارب الدولية وتحليلها من أجل استخلاص الدروس وصياغة رؤية مستقبلية للتعليم الفني والتدريب التقني في المملكة.
.ثانيًا: المنهج الاستنباطي /الاستقرائي لتكوين الإطار المفاهيمي والنظري للدراسة ومفرداتها من خلال مراجعة الأدبيات ذات الصلة.
ثالثاً: المنهج الإحصائي التحليلي والمسح الميداني الذي يهيئ إمكانية الوصول إلى إجابات عن أسئلة الدراسة من خلال جمع البيانات وتحليلها للتوصل إلى إجابات عن أسئلة الدراسة الرئيسة. وذلك من خلال ثلاث استبانات وجهت كل واحدة منها إلى إحدى الفئات الثلاث المستهدفة وهي استبانة الخريجين، استبانة مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني، استبانة رجال الأعمال.
رابعاً: التحليل الكمي بهدف التنبؤ بحجم الفجوة المستقبلية بين العمالة الفنية السعودية و الوافدة،وكذلك من أجل التنبؤ بحجم الفجوة للعاملين الفنيين المصنفين حسب المهن حتى عام 2014م.
حدود الدراسة:

تُطبَّق الدراسة على خريجي مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني بالمملكة في المناطق الثلاث الأساسية (الرياض، مكة المكرمة، الشرقية) والمحددة في القطاعات التالية:
1 – الكليات التقنية.
2 – المعاهد العليا التقنية للبنات.
3 – التدريب الأهلي.
4 – المعاهد والبرامج التدريبية المشتركة.
5 – المعاهد الصحية الأهلية.
6 – كليات المجتمع.
7 – الكليات التابعة للهيئة الملكية في الجبيل و ينبع.
و بهذا ؛ فإن الدراسة تقتصر على التعليم الفني والتدريب التقني بعد الثانوية العامة وقبل مرحلة البكالوريوس، وبالتالي لا تتعرض لكافة مراحل التعليم العالي أو التدريب العسكري أو التدريب المهني أو التعليم العام حتى مرحلة الثانوية العامة.
تشخيص الوضع الراهن للتعليم الفني والتدريب التقني:
واقع التعليم الفني والتدريب التقني بالمملكة:
يتبين لنا من خلال دراسة تطور التعليم الفني والتدريب التقني في المملكة: أنه يحظى باهتمام الدولة لصلته بتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع. غير أن مؤسسات التعليم والتدريب المعنية بالدراسة -من الناحية العملية – يزداد الطلب عليها و لكن طاقاتها الاستيعابية محدودة، فعلى سبيل المثال: بلغت نسبة الاستيعاب من اجمالي المتقدمين للتدريب التقني للبنين في المؤسسة العامة للتدريب التقني و المهني لعام 2008 م نحو 34 % فقط من إجمالي المتقدمين للتدريب التقني للبنين و نحو 8 % فقط من إجمالي المتقدمات للتدريب التقني للبنات ( خطة التنمية التاسعة 1431-1435هـ). و هذا يؤكد أن الطاقة الاستيعابية محدودة وبالتالي تقل بدورها فرص التأهيل في هذا الجانب المهم. و يلاحظ كذلك أن ثمة ضعفاً في الجانب الإرشادي أو انعدامه في الممارسات التعليمية والتدريبية ؛ مما يترتب على ذلك ضعف التهيئة النفسية للمتدرب لتقبل المهن التي ينخرط فيها مما يؤثر على مستوى قناعته بالعمل فيها مستقبلاً بعد تخرجه أو الاستمرار في ذلك العمل. يضاف إلى هذه النتيجة عدم وجود ما يسمى باختبارات القدرات والسمات والميول وبالتالي انعدام التوجيه والإرشاد الذي يتكفل بتقليل الهدر والتسرب في المؤسسات التعليمية والتدريبية.وقد أظهرت الدراسة أهمية وجود إستراتيجيات طويلة المدى للاستثمار في الموارد البشرية على أن يراعى البعد المؤسسي في التخطيط لها وتنفيذها، كما تظهر الدراسة أن التعليم الفني والتدريب التقني يواجه تحديات ذات أبعاد متعددة : إستراتيجية، وإدارية، واقتصادية، ومالية، وتربوية، واجتماعية تؤدي في مجملها إلى ضعف مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني وعدم قدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل، وإلى ضعف القدرة على التكيف مع بيئة العمل، وذلك ناتج عن عدم الاهتمام الكبير من قبل المؤسسات التعليمية والتدريبية بالجوانب التطبيقية والعملية.
وقد أظهرت نتائج الدراسة تركيز مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني على الكم بمعزل عن الكيف؛ حيث يتم تخريج عدد كبير من الخريجين بشكلٍ لا يتلاءم مع متطلبات سوق العمل مما أسهم في زيادة نسبة التسرب بين الملتحقين في صفوفه، و قد تراوحت نسب التسرب في مؤسسات التعليم الفني و التدريب التقني بين 23 و 53% حيث كانت نسب التسرب في الكليات التقنية 43% و كليات المجتمع 53% و المعاهد المشتركة 28% و معاهد التدريب الأهلية 23%، و تبرز ثلاثة عوامل رئيسة للتسرب هي العوامل التربوية و الاجتماعية و الاقتصادية. و يشكل التسرب هدراً إقتصادياً كبيراً يؤكد أهمية الحاجة إلى دراسته بشكل تفصيلي في ظل عدم وجود دراسات علمية متكاملة عن التسرب و مسبباته و حلوله.
لقد تبين وجود خلل عام في إدارة عملية تنمية الموارد البشرية من الجهات المعنية بالتعليم الفني و التدريب التقني متمثلة في التغيير المستمر وغياب رؤية موحدة من هذه الجهات، كما تبين ضعف التأهيل التربوي والمهني للمدرسين والمدربين أو انعدامه في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني؛ مما يؤثر سلباً على العملية التعليمية والتدريبية ومخرجاتها.
من كل ما سبق و في ظل عدم وجود جهة رقابية تقوم بمراجعة برامج التعليم الفني و التدريب التقني و تعترف بها و تعتمدها، تظهر حاجة ملحة لوجود آليات للمتابعة والتقويم والتطوير والاعتماد لمؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني وبرامجها في المملكة. كما تظهر حاجة التدريب الأهلي إلى تقويم وتطوير من خلال دراسة متكاملة لواقع مؤسسات التدريب الأهلي وكفاءة مخرجاته ودعمه ومساندته وتحفيزه ( حيث انخفض عدد المتدربين بنسبة 70% خلال السنوات الخمس الماضية ). كما أن نسبة الناجحين في اختبارات التصنيف في الكليات و المعاهد الصحية بلغت 20% إلى 40% حسب نتائج هيئة التخصصات الصحية.
المشكلات التي يعاني منها خريجو التعليم الفني والتدريب التقني:
تظهر الدراسة أن هناك تحولاً في النظرة الاجتماعية والسلبية لدى كثير من الشباب السعودي وبعض فئات المجتمع للعمل في مهن القطاعات الفنية والتقنية والمهنية، حيث برز التركيز على الدخل المرتفع كسبب لاختيارهم التعليم الفني بغض النظر عن النظرة الاجتماعية. وهذا ما يخالف ما ذهبت إليه دراسات سابقة مما يعني وجود تحول في الميول والاتجاهات العامة نحو التعليم الفني، إلا أن هناك مشكلات عديدة تواجه الخريجين من أهمها: وجود بطالة في صفوف الخريجين حيث إن 43% من الخريجين الذين شملتهم الدراسة لا يعملون، وضعف مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني وعدم قدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل وضعف القدرة على التكيف مع بيئة العمل، وذلك ناتج عن عدم الاهتمام الكبير من قبل المؤسسات التعليمية والتدريبية بالجوانب التطبيقية والعملية، والمنافسة الكبيرة من العمالة الوافدة التي تعمل لساعات طويلة وبمعدلات أجور منخفضة. كما أن خريجي التعليم الفني و التدريب التقني يواجهون قيوداً في مواصلة تعليمهم العالي و يعتبر إغلاق الفرص أمام مواصلتهم تعليمهم العالي من نقاط الضعف التي تسهم في عدم انجذابهم إلى هذا النوع من التعليم و التدريب.

نتائج الدراسة:
أولاً: نتائج الدراسة المكتبية:
أهمية التعليم الفني والتدريب التقني:
يحظى التعليم الفني والتدريب التقني باهتمام كبير في المملكة لصلته بتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع، لكن مع وجود هذا الاهتمام المرتبط برؤية الدولة في تنمية الموارد البشرية لتحقيق التنمية إلا أن الواقع يعكس ضعفاً عاماً في آليات تنفيذ هذه الرؤية بما في ذلك وسائل المتابعة والتقويم والاعتماد لمؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني وبرامجه المختلفة. تزامن هذا الضعف مع وجود خلل عام في إدارة عملية تنمية الموارد البشرية من الجهات المعنية بالتعليم الفني والتدريب التقني مع غياب الرؤية الموحدة من قبل هذه الجهات.
الطاقة الاستيعابية في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني:
وأظهرت نتائج الدراسة التوسع غير المدروس في أعداد المقبولين في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني والذي نتج عنه تركيز هذه المؤسسات على الكم بمعزل عن الكيف مما كان له الأثر في بروز ثلاثة ظواهر جديرة بالاهتمام؛ أولهما نقص الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني،فعلى سبيل المثال في عام 2008 م تم استيعاب نحو 34 % فقط من إجمالي المتقدمين للكليات التقنية. وثانيهما ظاهرة التسرب التي تصل نسبتها إلى ما بين 23% -53% وهي نسبة مرتفعة يترتب عليها هدر اقتصادي كبير، وأما ثالث هذه الظواهر فهو تدني درجة ملاءمة مخرجات هذه المؤسسات لمتطلبات سوق العمل السعودي،ومن ثم أسهم ذلك في تفضيل العمالة الوافدة وسيادتها في أسواق العمل من جهة وزيادة نسبة البطالة في صفوف القوى العاملة السعودية من جهة أخرى.
سوق العمل السعودي:
كما أظهرت النتائج أن عدد السعوديين الداخلين إلى سوق العمل من خريجي الكليات التقنية لا يمثل سوى 2% من إجمالي الداخلين الجدد إلى سوق العمل بشكل عام،في حين تمثل العمالة الفنية الوافدة 95% من إجمالي حجم العمالة الفنية في سوق العمل، وكان ذلك بسبب عدم مناسبة خريجي الكليات التقنية لمتطلبات وشروط التوظيف الذي يركز الى جانب المؤهلات العلمية على الخبرات العملية ومهارات اللغة الإنجليزية، إضافة إلى تفضيل أصحاب الأعمال للعمالة الوافدة على الوطنية بسبب فجوة كل من الأجور والإنتاجية والانضباط.
الرؤية الإستراتيجية لتنمية الموارد البشرية:
وتستدعي رؤية الدولة الإستراتيجية لتنمية الموارد البشرية أن يكون هناك تكاتف في الجهود بين كل الجهات المعنية بالتعليم الفني و التدريب التقني ومخرجاته والمستفيدين منها، ويظهر هذا التكاتف في صورة الشراكات في تخطيط البرامج وإعدادها وصياغة المناهج الدراسية والبرامج التدريبية وتنفيذها. والإسهام في التمويل وتقويم المخرجات وتقديم المؤشرات الحقيقية لحاجات السوق من المخرجات، وهذا ما أظهرت الدراسة الميدانية غيابه على مستوى المملكة،وظهر ذلك جلياً في قلة الشراكات مع القطاع الخاص وفي غياب دور الإعلام و مؤسساته في التأثير على اتجاهات الناس نحو التعليم الفني والتدريب التقني.

دراسة حجم الفجوة بين العمالة الفنية السعودية والوافدة والتي أوضحت:

يعكس هيكل العمالة غير السعودية في سوق العمل بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص مدى الضعف الشديد لمستوياتها التعليمية مما يعني ان أكثرها يتم تدريبه وإكسابه المهارات اللازمة داخل المملكة وليس بالضرورة ان يكون ممتلكاً لها عند استقدامه.
ويمثل العاملون من حملة الدبلوم دون الجامعي ـ وهو المستوى التعليمي محل اهتمام الدراسة ـ نحو 7% في المتوسط، مما يعني أنه لا يمكن الاعتماد على معدلات النمو الحالية لخريجي التعليم الفني والتدريب التقني لإكمال مراحل الإحلال بالسرعة المطلوبة لحل المشكلة حيث لا يغطي عدد الخريجين المتوقع سوى نصف في المئة فقط من الفجوة؛ بل تنخفض النسبة عن ذلك مع الزمن، ومن ثم نحتاج إلى مئتي ضعف العدد الحالي لتحقيق نسب السعودة الكاملة، مما يستدعي وضع عدد من السياسات الاجتماعية والتعليمية لتحفيز الطلاب للالتحاق بالتعليم الفني والتدريب التقني مع التركيز على الحاجات الحقيقية للمهن المطلوبة لأسواق العمل، وقد أظهرت الدراسة أن المهن الهندسية المساعدة أكثر المهن احتياجًا للعمالة حيث المتوقع ان تصل الفجوة فيها إلى نحو 5 ملايين عام 2014 م، ومن ثم فإن هذا يعكس أهمية تشجيع الالتحاق بهذه التخصصات.
كما تظهر الدراسة أهمية الانخراط في مهن بعض القطاعات وبصفة خاصة قطاع التشييد والبناء الذي يُعدُّ من القطاعات ذات الروابط الأمامية والخلفية بالاقتصاد الوطني إذ يرتبط باتجاهات التوسع والنمو ارتباطًا قويًّا،وكذلك قطاع الخدمات الذي يبلغ حجم الفجوة فيه بين العمالة السعودية والوافدة ـ وفقاً لمعدلات النمو الحالية ـ بحلول عام 2014م نحو 2,5 مليون عامل، وجميعها تمثل فرصًا وظيفية للسعوديين، لكن الأعداد المستقبلية للخريجين بمعدلات النمو الحالية لا تغطي سوى 0.4% فقط من حجم الفجوة.

ثانياً: نتائج الدراسة الميدانية:
أبرزت الدراسة الميدانية مجموعة من النتائج التي يمكن تصنيفها على أساس توزيع المسؤليات في كل ما يتعلق بالتعليم الفني ومخرجاته وهي كما يلي:
 غياب الرؤية المتكاملة للاستثمار في العنصر البشرية عدم وجود رؤية مشتركة توائم بين رؤية التعليم الفني والتدريب التقني والرؤية الاقتصادية للدولة مع غياب التنسيق بين الجهات المعنية في ذلك.
 ضعف مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني وعدم قدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل، مما يعكس بالدرجة الاولى ضعف تهيئة الخريجين وقلة المهارات التي يكتسبها الطالب في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني مع قلة الاهتمام بالجوانب التطبيقية والتدريب العملي في المناهج والمقررات الدراسية،حيث يفسر هذا ما أظهرته الدراسة من عدم قدرة الخريج على التكيف مع بيئة العمل، وعلى الرغم من أن ما نسبته 81% من المبحوثين في استبانة المؤسسات التعليمية أيدوا جودة المناهج الدراسية والتدريبية المتوافرة في التعليم الفني والتدريب التقني إلا أن التحليل أكد على ضرورة التركيز على التدريب العملي وزيادة عدد الساعات المخصصة له.
 ضعف المعلومات أو انعدامها فيما يخص سوق العمل خاصة خدمات المعلومات عن فرص العمل ومتطلباته والمؤشرات الدقيقة للمعروض من العمالة والمطلوب منها مما يساعد على وجود تحديد لاحتياجات سوق العمل والتخطيط المستقبلي لها، وقد أظهرت الدراسة ضعف أداء الجهات الرسمية في إدارة المعلومات التي تتطلبها عملية الاستثمار في الموارد البشرية استناداً إلى اقتصاديات المعرفة.
 يحتاج التدريب الأهلي إلى تقييم وتطوير من خلال دراسة متكاملة ومستقلة لواقع مؤسسات التدريب الأهلي وكفاءة مخرجاته ودعمه ومساندته وتحفيزه (حيث انخفض عدد المتدربين بنسبة 70% خلال السنوات الخمس الماضية).
 تبين افتقار مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني إلى الأبحاث والدراسات العلمية التطويرية مع قلة المخصصات المالية أوانعدامها للإنفاق على مثل هذه الدراسات، وقد أظهرت الدراسة حاجة ملحة لهذه الدراسات حيث برز تركيز أساليب تقييم الطلاب على الاختبارات التحصيلية، وهذه لا تكفي لقياس مهارات الخريج أو المتدرب وربما كان ذلك لضعف التأهيل التربوي والتقني للمدرسين والمدربين أو انعدامه في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني مما يؤثر سلباً على العملية التعليمية والتدريبية ومخرجاتها.

اتجاهات الخريجين:
 هناك خلل كبير في اتجاهات الخريجين نحو الانخراط في أعمال تناسب دراستهم وتدريبهم مع تجنبهم لكثير من المهن الأخرى مسايرة لقيم و تقاليد المجتمع. و قد بينت الدراسة أن 65% من عينة الدراسة يعملون في وظائف ليست لها علاقة بتخصصهم الدراسي.
 بينت الدراسة أن 43% من جملة الخريجين حسب عينة الدراسة لا يعملون، مما يعظم المشكلة كون العمالة الوافدة متواجدة بكثرة في المجالات الفنية و التقنية.
 ظهر أن 70% من خريجي التعليم الفني والتدريب التقني يرغبون بالالتحاق في وظائف مكتبية إدارية (محاسبة، مبيعات، خدمات). وهناك شريحة أخرى(71% من عينة الدراسة) تعتبر الدخل المادي من العوامل المؤثرة والرئيسة في بقاء الموظف واستمراره في العمل حتى لو استمر لساعات طويلة، مما يدل على تغير في ثقافات بعض الخريجين وهذا يزيد من ضرورة ممارسة التغيير الثقافي عبر وسائله المختلفة لزيادة هذه النسبة بين الخريجين.
 أوضحت نتائج الدراسة أن 81% من العينة المستجوبة يعملون بوظائف غير فنية، في حين يتوقع أن تسهم مؤسسات التعليم الفني و التدريب التقني في تزويد سوق العمل بكفاءات فنية و تقنية.
 يرى ما نسبته 73% من عينة الدراسة: أن خريجي التعليم الفني والتدريب التقني يواجهون منافسة كبيرة من العمالة الوافدة التي تعمل لساعات طويلة وبمعدلات أجور منخفضة ، كما يرى ما نسبته 48% من رجال الأعمال المستهدفين بالدراسة عدم توافر كفاءات سعودية من خريجي التعليم الفني والتدريب التقني، وقد برز ضعف إسهام القطاع الخاص في ممارسة دور الداعم للخريجين حديثاً مع تبنيه لتدريب العمالة الوافدة التي أظهرت الدراسة ضعف مستوى مهاراتها أو انعدامها عند الاستقدام.
الشراكة مع القطاع الخاص:
 أظهرت الدراسة قيمة اللامركزية في اتخاذ القرار المتعلق بالبرامج والتخصصات والمناهج في كلية الجبيل مما كان له أثر كبير في ملاءمة المخرجات لسوق العمل، وقد برز في هذه التجربة أثر تزويد قطاعات سوق العمل للمنشآت التعليمية بالمؤشرات والمستجدات التي تساعد في تطوير المناهج الدراسية/ التدريبية ( وهذا ما يؤكده 87% من عينة رجال الأعمال في الدراسة) في حين يغيب هذا الدور أو لا يوجد تعاون فعلي واضح في هذا المجال في مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني الأخرى.
 برزت قلة مشاركة القطاع الخاص في التخطيط لبرامج التعليم الفني والتدريب التقني مما يعني تفرد مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني بقرارها وبالتالي التأثير على مناسبة التخصصات لسوق العمل. رافق ذلك قلة دعم قطاعات سوق العمل للمنشآت التعليمية ماديًا لتطوير المناهج الدراسية/ التدريبية، مع عزوف مؤسسات سوق العمل عن إتاحة الفرص التدريبية الميدانية للطلاب وإن وجدت هذه الفرص فإنها غير جدية أو كافية لتفعيلها لصالح بناء المهارات المطلوبة في المتدرب، ورافق ذلك عدم جدية الطالب في التدريب الميداني.
 أظهرت نتائج الدراسة أن الصعوبات والعقبات الأكثر تأثيراً في حصول الخريج على وظيفة في سوق العمل تتركز في منافسة العمالة الوافدة، وقلة الفرص الوظيفية، وعدم توافر الخبرات السابقة، بجانب العنصر المالي المتمثل في ضعف الرواتب المخصصة للوظيفة في القطاع الخاص مقارنة بما يعود على موظف القطاع العام.
 مواجهة خريجي التعليم الفني والتدريب التقني لتحديات عند التعيين ناتجة عن المبالغة في شروط التوظيف وطول ساعات العمل وارتفاع تكاليفهم الاقتصادية وتوافر عدد كبير من الأيدي العاملة.

ثالثاً : نتائج المقابلات:

من خلال المقابلات التي أجريت تبين أن هناك شكوى مريرة من مخرجات التعليم الفني حيث يشير الكل إلى أن واقع المعاهد و الكليات التقنية بعيد عن سوق العمل وحاجاته المتجددة، وقد ظهر من خلال تحليل ما أسفرت عنه المقابلات أن ثمة عشوائية في التخطيط تميل إلى الحرص المجرد على الأرقام والنسب دون اعتبار للعناصر الأخرى المعتمدة على الكيف ومتغيراته البيئية والزمانية والبشرية.
ويرى بعض المسؤولين الذين جرت مقابلتهم أن مدخلات التعليم الفني من المتدربين الذين يأتون للتعليم الفني ضعيفة؛ ذلك أن نسبة منهم لم يكن أمامهم سوى هذا الخيار الذي استلزمه تدني معدلاتهم. وهذه النتيجة مرتبطة بما ظهر من ضعف الجانب الإرشادي أو انعدامه في الممارسات التعليمية والتدريبية مما ترتب عليه ضعف التهيئة النفسية للمتدرب كي يتقبل المهن التي سينخرط فيها مما يؤثر على مستوى قناعته بها مستقبلاً بعد تخرجه أو الاستمرار فيها. يضاف إلى ذلك عدم وجود ما يسمى باختبارات الميول وبالتالي انعدام التوجيه والإرشاد الذي يتكفل بتقليل الهدر والتسرب في المؤسسات التعليمية والتدريبية.
كما يرى قلة التطبيقات العملية في مقررات التعليم الفني وطغيان الجانب النظري فيها مما يؤثر على كفاءة الخريجين و مدى ملاءمتهم لاحتياجات سوق العمل، مع نقص التجهيزات في بيئة التدريب بالرغم من التوسع في المباني والاهتمام بها والتضخيم الإعلامي إزاءها، الذي ينشط عادة بمعزل عن الاهتمام بالتجهيزات والمواد التدريبية الحديثة ووسائلها، كما أظهرت نتائج المقابلات حاجة ماسة لوجود جهة منوط بها عمليات الاعتراف و إجراءات الاعتماد لبرامج التعليم الفني والتدريب التقني والتحقق من جودة تطبيقاتها فضلاً عن مخرجاتها، مع أهمية وجود معايير مهنية تحت إشراف جهة أخرى مستقلة عن مؤسسات التعليم الفني والتدريب التقني حتى يمكن المراقبة والمتابعة على هذه البرامج.
ويرى البعض عدم مشاركة منشآت القطاع الخاص في التخطيط للبرامج ووضع المناهج والتخصصات التي يحتاجون إليها, مع أهمية تحديث وتجديد مسارات التدريب حسب احتياجات سوق العمل وهذه مشكلة كبيرة تعوق التطوير في مجال التعليم الفني والتدريب التقني. كما أظهرت المقابلات أهمية الدور الذي تؤديه المشاريع والمنشآت الصغيرة في استيعاب خريجي برامج التعليم الفني والتدريب التقني، وقد أظهرت النتائج أن المعاهد المشتركة نماذج متميزة يمكن تعميمها على القطاعات الاقتصادية كافة نظرًا لجهودها التي تسهم بها في التدريب وتطوير مهارات الخريجين بما يحقق لهم درجات مناسبة من الملاءمة لحاجات العمل، ولذلك تظهر ضرورة إيجاد شراكات إستراتيجية مع كبرى الشركات التي تميزت بالتدريب التطبيقي الناجح, و السعي نحو تغطية كافة القطاعات الاقتصادية.

رابعاً :أهم الدروس المستفادة من استعراض التجارب الدولية:
ترتبط البرامج التعليمية والتدريبة المتعلقة بالتعليم الفني والتدريب التقني بالرؤية العامة للدولة فيما يتعلق بالاستثمار في رأس المال البشري، أو الاقتصاد المعرفي، وتتم معالجة التعليم الفني والتدريب التقني في تلك الدول (على سبيل المثال ألمانيا) كمنظومة متكاملة من قبل المخططين والمسؤولين عن السياسات التربوية العامة وسياسات التدريب والتشغيل، وهذا ما تفتقر إليه المعالجات الحالية في المملكة مع تقديرنا لجهد القائمين عليها، حيث كانت المعالجات خطية تتناول بعض أجزاء المشكلة دون التطرق إلى العلاقات التبادلية بينها، وقد ظهر من دراسة التجارب الدولية أهمية التعامل مع تطوير مخرجات التعليم الفني والتدريب التقني من خلال تطوير العملية التعليمية والتدريبية متكاملة بحيث يشمل تطوير المناهج وطرق التدريس وربط ذلك بتطوير المدرسين والمدربين، وتسخير وسائل الإعلام لتغيير الثقافات والقيم اللازمة لذلك.
وتحرص بعض الدول التي تمت دراستها على وجود مظلة رسمية كهيئة أو مجلس أعلى معني بالسياسات بالتعليم والتدريب والتشغيل على مستوى الدولة ليتم احتواء كل المؤسسات التي تخطط للتعليم الفني وتنفذ الخطط والسياسات العامة تحت هذه المظلة.
كما لجأت الدول، (على سبيل المثال ألمانيا و ماليزيا )إلى الاعتماد على الشراكات الحقيقية بين القطاعين الخاص والتعليمي لتطوير المناهج والتخصصات بما يلائم حاجة السوق المتجددة من جهة، ولتمويل بعض البرامج من جهة أخرى مع حرص الجميع على توفير المؤشرات التي يحتاجها كل طرف للقيام بأدواره المنوطة به ضمن هذه الشراكة.
وتراعي بعض الدول مثل:(الأردن ، و ُعمان ) التي تمت دراستها المناطق الجغرافية فيهاوطبيعة النشاط الذي يمارسه السكان بحيث تكون المعاهد وتخصصاتها مراعية لتلك المناطق ونشاطاتها الاقتصادية.