قواعــد السلوك المهني للعاملين في الاتصـال والإعـلام

قواعــد السلوك المهني للعاملين في الاتصـال والإعـلام

( الكاتب: د. زاهر زكار*)

يتأثر السلوك المهني للعاملين في قطاع الإعلام والاتصال(الصحفيون)بعوامل داخلية وأخرى خارجية أهمها،مكانة الرأي العام وانعكاساته على الجوانب السياسية والاجتماعية،حيث أدت التغيرات الأساسية التي طرأت بعد الحرب الكونية الثانية،إلى انتقال مركز الثقل من الحكومات إلى الرأي العام وقد أدى تضافر عناصر مختلفة من بينها ارتفاع مستويات التعليم والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية إلى قدر من التحول في مركز ثقل القوة السياسية في العالم،بحيث أصبح الرأي العام اليوم في وضع يتيح له الإطلاع على الأمور وإصدار الأحكام على أهم المواقف في العالم،وأن يشكل الرأي العام أحكامه وينحاز إلى هذا الجانب أو ذاك.
المسؤوليات الأساسية للإعـلاميين:
يلتزم العاملون في قطاع الإعلام والاتصال بمسؤوليات أساسية تجاه معتقداتهم وإزاء الرأي العام يمكن إيجازها في أربعة أنواع من المسؤوليات هي:
أ- مسؤولية تعاقدية:تنصب هذه المسؤولية على وسائل الإعلام والاتصال وتنظيمها الداخلي.
ب- مسؤولية اجتماعية:وتفرض على الصحفيين التزامات من قبل الرأي العام والمجتمع ككل.
ج- مسؤولية الالتزام بأحكام القانون.
د- مسؤولية تجاه المجتمع الدولي فيما يتعلق باحترام القيم العالمية.
وهذه الأنواع الأربعة من المسؤولية قد تتناقض مع بعضها في مجالات مختلفة وقد تتعارض فيما بينها.
قواعـد السلوك المهني:
تتباين قواعد السلوك المهني التي تم تدوينها للمرة الأولى في بداية العشرينات من القرن العشرين في شكلها ونطاقها،حيث أنه في بعض بلدان العالم،توجد قواعد مختلفة لنظم كل من أداء الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما،وغالباً ما تكون هذه المعايير من وضع مهنيين من تلقاء أنفسهم،بينما هي في حالات أخرى يفرضها القانون أو مرسوم حكومي،وترجع أصول معايير السلوك المهني الواردة في قواعد السلوك الإقليمية والقومية إلى مفاهيم كانت مقبولة على الصعيد العالمي،ولكنها تتجه إلى أن تتخذ صوراً متنوعة للغاية من حيث صياغة وتفسير أحكامها.فضلاً عن أن بعض المبادئ مثل الموضوعية والحيدة والصدق وحرية الإعلام كثيراً ما تصاغ في عبارات غامضة ومبهمة،غير أن معظم قواعد السلوك تشير إلى مفاهيم هامة مثل،ضمان حرية الإعلام،وحرية الوصول إلى مصادر المعلومات الموضوعية والدقة والصدق وعدم تحريف عرض الحقائق،والمسؤولية إزاء الرأي العام وحقوقه ومصالحه،وتجاه المجتمعات القومية والعرقية والدينية والأمة والدولة،والحفاظ على السلام،وضرورة الامتناع عن التشهير بالآخرين، والاتهام بالباطل،والقذف وانتهاك الحياة الخاصة،والنزاهة والاستقلال،وحق الرد والتصويب،واحترام السرية المهنية،بالإضافة إلى أوجه الاختلاف في صياغة هذه المفاهيم،يمكن أن تجد فوارق أخرى،منها(مثلاً)إدخال أحكام خاصة تتعلق بالاحتياجات الثقافية والاجتماعية أو العرقية لبعض البلدان.ومع ذلك،فإن هناك كثيراً من قواعد السلوك الموضوعية على الصعيد المحلي لا تظم مبادئ أو قواعد التنظيم،واجبات ومسؤوليات الصحفيين تجاه المجتمع الدولي والبلدان الأجنبية،أو لا تولي مثل هذه المبادئ اهتماماً كافياً،ويمكن أن يعزى ذلك جزئياً إلى حقيقة أن قواعد السلوك تفهم بصفة عامة باعتبارها نهجاً أخلاقياً فردياً يعني تنظيم العلاقات بين الأفراد(الذين يبثون المعلومات،والذين يتلقونها)ولا يراعي على نحو كاف حقيقة أن المسؤوليات الناجمة عن ذلك تعتبر ظواهر اجتماعية تؤثر على المجتمع سواء كان وطنياً أو دولياً.
وتعتبر الأخلاقيات المهنية هامة للغاية،باعتبارها توجيهات ذاتية لقرارات الفرد أو الصحفي في مختلف المواقف والقضايا التي يواجهها في عمله المهني،فالصحفي ذو الضمير الحي،يجب أن يتفحص بدقة كل الحقائق،وأن يمتنع عند الضرورة عن نشر أي معلومات مشكوك في صدقها أو صحتها،لا سيما إذا كانت تعني حقائق شخصية يمكن أن تمس سمعة الشخص المعني في حال نشرها.ومن هنا،فإن نطاق الأخلاقيات المهنية هو أوسع من نصوص المدونات القانونية،غير أنه لدى محاولة تحقيق توازن عادل بين الحرية والمسؤولية،لا تتوقف الجوانب الأخلاقية لهذه الثنائية على القرارات،تتوقف أيضا على ممارسات وسائل الإعلام وعلى البيئة الاجتماعية العامة(*).وفيما يتعلق بقواعد السلوك،فإنه قد يلاحظ أيضاً أن حاجة الإعلاميين إلى مستوى عال من الأخلاقيات لا تقارن بحاجة أرباب الأعمال الذين يصدرون قرارات كثيراً ما ينفر منها المخبر الصحفي،ومن الأمثلة على ذلك،صحافة دفتر الشيكات،وتتمثل في الأسلوب الذي يقضي بدفع مبلغ لشخص معين،سبق أن شارك في أحداث مثيرة،ليخص صحيفة معينة دون غيرها بقصته أو بالمعلومات،والحيلولة دون استجوابه من قبل صحف أخرى قد تكون أكثر نزوعاً للانتقاد (وأحياناً يتصف هذا الشخص بالإجرام)،وقد هاجمت اتحادات الصحفيين هذا النوع من السلوك،واتفقت على أن أعضائها يجب أن لا يتعاونوا في هذا الأمر بكتابة هذه الروايات بأسلوبهم أو بأية طرق أخرى.كما أن هناك أمر أشد خطورة في هذا الإطار وهو أن أجهزة المخابرات كثير ما تستغل مهنة الصحافة حيث تدفع أموالاً للصحفيين لتزويدها بالمعلومات، وتتسلل إلى هذه المهنة من خلال ضمان وظائف دائمة لعملائها(أو مهام محددة كمحررين مستقلين)كستار أو غطاء أمني لأنشطتهم الحقيقية.ولا شك أن هذه الممارسة سيئة للغاية،ويمكن أن تقوض الثقة في المهنة،وأشارت الاتحادات الصحفيين إلى هذا السلوك مراراً وتكراراً،واعتبرت أن قيام الأعضاء (الصحفيين)بأداء خدمات أو قبول مكافآت في أي جهة أخرى غير جهة العمل المعروفة هو تصرف غير أخلاقي،وأحياناً قد ينخدع رؤساء التحرير وأصحاب الصحف في بعض الحالات،ولكنهم في حالات أخرى يوافقون طوعاً على الترتيبات السرية التي تقترحها أجهزة المخابرات،وحين تسيطر الدولة على الصحف أو يمكن أن ترهبها،بينما تسيطر في الوقت ذاته على أجهزة المخابرات،فإن قواعد السلوك الشخصي نادراً ما تكون خط دفاع كاف،كما لا تستطيع هذه القواعد أن تمنع أجهزة المخابرات من السيطرة المستترة على مطبوعات معينة،وهذه الممارسة أيضاً لها أمثلة كثيرة في الحياة العملية.
أهــداف قواعـــد السلوك المهني:
من الصعوبة بمكان،،صياغة أية تعميمات أو تحديد قواسم مشتركة في هذا المجال، ولكن مع ذلك تؤكد الاستنتاجات التي توصلت إليها الاجتماعات الاستشارية الدولية السابقة،أن قواعد السلوك المهني تهدف بالأساس إلى تحقيق الأهداف التالية:
1ـ تأمين الحماية للمستهلك(القراء،المستمعين� �المشاهدين ،أو الجمهور عامة).
2ـ حماية وتشجيع الصحفيين والمذيعين العاملين وغيرهم ممن يعملون مباشرة في جمع الأنباء والآراء وكتابتها واعدادها وعرضها.
3ـ توجيه وإرشاد رؤساء التحرير وغيرهم ممن يتحملون مسؤولية قانونية عما ينشر أو يذاع.
4ـ تحديد مسؤوليات الملاك وحملة الأسهم والحكومات ممن يكونون في وضع السيطرة على أي نشاط من أنشطة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
5ـ معالجة مشاكل المعلنين وغيرهم ممن يشترون خدمات وسائل الإعلام والاتصال.
ولا يغيب عن الذهن أن اعتماد قواعد للسلوك المهني على المستوى القومي والعالمي هو أمر مرغوب فيه شرط أن تعد المهنة ذاتها مثل هذه القواعد و تعتمدها،وينبغي أن يؤخذ\"الإعلان الخاص بوسائل إعلام الجماهير\"في الاعتبار لدى إعداد أية قواعد للسلوك المهني والذي تنص المادة الثامنة منه على ما يلي:\"…ينبغي للمنظمات المهنية وللأفراد الذين يشتركون في توفير التدريب المهني للصحفيين وغيرهم من العاملين في مجال وسائل إعلام الجماهير والذين يساعدونهم على الاضطلاع بها بروح المسؤولية،إبلاء أهمية خاصة للمبادئ الواردة في هذا الإعلان،وفي قواعد السلوك المهني التي يضعونها والتي يحرصون على تطبيقها\".
إن وجود قواعد دولية للسلوك المهني يشكل عند أنصارها عاملاً أساسياً في إقامة نظام عالمي جديد للإعلام والاتصال،وقد بذلت محاولات عديدة من قبل منظمات أهلية ودولية حكومية لوضع قواعد سلوك مهني إقليمية أو دولية،وكان من أقدمها\"قواعد الأخلاق الصحفية\"والتي اعتمدها أول مؤتمر لصحافة عموم أمريكا الذي عقد في واشنطن في عام1926،ثم بعد ذلك في مؤتمر دول أمريكا للصحافة الذي عقد في نيويورك في أكتوبر1950،وأعيد فيه تأكيد هذه القواعد والتي اعتمدت ميثاقاً لرابطة الصحافة بدول أمريكا.وفي عامي1950 و1952 ،أعدت اللجنة الفرعية لحرية الإعلام والصحافة في الأمم المتحدة مشروع قواعد دولية للسلوك المهني للعاملين بالإعلام، وفي عام1954،قررت الجمعية العامة أن لا تتخذ أي خطوات فيما يتعلق بالمشروع،الذي كان قد عرض على المؤسسات الإعلامية والرابطات المهنية،لتمكينها من اتخاذ ما تراه مناسباً من قرارات.
أما المنظمة الدولية للصحفيين،فقد اهتمت في عدة مناسبات بالأخلاقيات المهنية، ففي اجتماع عقد باليونسكو في نوفمبر1973،اقترحت المنظمة الدولية للصحفيين مشروعاً يتعلق بقواعد السلوك المهني،وعلى الرغم من هذه المبادرات، فإن كثيراً من الصحفيين والجهات الحكومية المعنية بالاتصال،يعتقدون بأنه في عالم تسود فيه مفاهيم متباينة للغاية عن دور الصحفيين،فمن المحتمل نظراً لاختلاف القيم أن يستحيل وضع قواعد سلوك دولية.
مجالس الصحافة ووسائل الإعلام:
أنشئ أول مجلس للصحافة ووسائل الإعلام في السويد عام1916،وبقيت هذه المؤسسة فريدة لفترة طويلة ولم يبدأ تعميمها إلا في بداية الستينات من القرن العشرين،ويوجد في العالم في الوقت الراهن أكثر من خمسين مجلساً للصحافة ووسائل الإعلام،وتعتبر مجالس الصحافة هي في الأساس من وحي أفكار وسائل الإعلام الأوروبية على الرغم من تزايد الاهتمام بها في بلدان العالم الثالث.
وقد أنشئت مجالس الصحافة ووسائل الإعلام بطرق مختلفة،فكثيراً ما جاءت المبادرة بإنشائها من وسائل الإعلام أو المهنيين أنفسهم حتى وإن لم يبدو دائماً متحمسين لهذه الفكرة،وفي بعض الأحيان جاء إنشاؤها نتيجة لدفع أو ضغط مباشر أو غير مباشر من قبل الحكومة والهيئة التشريعية،فعلى سبيل المثال، أنشئت هذه المجالس في الهند بموجب مرسوم برلماني مع موافقة الحكومة على الأعضاء أو بموجب قانون مع تعيين أعضاء غير حكوميين كما جرى في إيطاليا، كما أنشئت هيئات طوعيه بواسطة الناشرين والصحفيين كما في السويد والنمسا أو بواسطة أصحاب الصحف والصحفيين كما جرى في ألمانيا الاتحادية أو أنشأتها إحدى المؤسسات بدعم من مؤسسات أو شركات وسائل الإعلام ومن أفراد كما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية(المجلس القومي للصحافة)أو أنشأها أصحاب الصحف والمحررون والصحفيون كما في بريطانيا.
وتنقسم مجالس الصحافة إلى ثلاث فئات رئيسية هي:
1- مجالس تضم ممثلين للحكومة أو يكون جميع أعضائها من ممثلي الحكومة ويرأسها الوزير المعني.
2- مجالس يشترك في إنشاءها ناشرو الصحف وأصحاب الصحف والصحفيون الذين يؤلفون في معظم الأحوال مجموعة متجانسة.
3- مجالس يمثل فيها الجمهور ورجال الصحافة بنسب متفاوتة وعليه فإن تكوين هذه المجالس يتباين تبايناً كبيراً،فمثلاً،يمثل الناشرين والصحفيين والجمهور بنسب مختلفة وهو أمر منصوص عليه في أستراليا وبريطانيا،في حين لا يوجد تمثيل للجمهور في النمسا،ويضم مجلس الصحافة الهندي أعضاء من المهنة ومن خارجها وكذلك أعضاء من البرلمان.
.ويرى البعض أن مجلس الصحافة،ينبغي أن يضم ممثلين للجمهور بالإضافة إلى ممثلي أصحاب وسائل الإعلام والصحفيين،وذلك فضلاً عن تحرره من السيطرة الحكومية.ويبدي أصحاب وسائل الإعلام اعتراضاً على عضوية ممثلي الجمهور حيث يعتبرونها تدخلاً في شؤونهم باعتبارهم المسئولين عن إدارة تلك المؤسسات، كما يسعى الصحفيون للاطمئنان،إلى أن غير المهنيين يمثلون الرأي العام حقاً، وليسوا مجرد صفوة محافظة،وإلى أنهم يتوفر لديهم بعض التفهم لمشكلات المهنة، ولكن لا يجوز أن يكون هذا القلق سبباً وجيهاً لنبذ فكرة عضوية ممثلي الجمهور، التي يمكن أن تكون أداة لتحقيق الديمقراطية في وسائل الاتصال والإعلام ولا شك أن أصحاب وسائل الإعلام قد يعزفون عن التعاون خوفاً من الحد من امتيازاتهم، كما قد يجد الصحفيون غضاضة في أن يحكم ممثلو الجمهور على عملهم بينما هم غير مؤهلين لذلك.ويرجع أسباب هذا القلق إلى وظائف المجلس ومجال عمله وصلاحياته بالنسبة لوسائل الإعلام المعنية وأهدافه الحقيقية أو المزعومة وتفسيره للقواعد الأخلاقية ومفهومه العام عن دور رجل الإعلام(الصحفي) في المجتمع وحرية الإعلام والمسؤوليات الواقعة على عاتق الصحفيين ووسائل الإعلام.وتوجد إلى جانب مجالس الصحف والعمل الذي تقوم به،قنوات مفتوحة للأفراد الذين يشعرون بأنهم عوملوا بإجحاف من قبل الصحافة ويقنع البعض بكتابة رسائل إلى رئاسة التحرير تنشر مختارات منها صحف مختلفة،أو إصدار بيانات كثيراً ما تنشر في شكل إعلانات مدفوعة،مثل هذه الوسائل تتيح الوصول إلى جمهور كبير،ومع أن كافة هذه الأجهزة الطوعية لا تكفل موضوعية كاملة،فإنها أفضل بكثير من تدخل السلطة الذي يحد من حرية النشر.وفيما يتعلق بنظام\"رسائل المحرر\"فإن الصحف لا تستطيع أن تنشر كل ما تتلقاه منها،ومن ثم فالأمر الجدير بالاعتبار هو الأساس الذي يتم بمقتضاه اختيار الرسائل أو الخطابات،مع التذكير بأن هذا يجب أن يتم بدون ضغط من السلطات الرسمية أو المصالح الخارجية،لكن ذلك لا يستبعد إمكانية التحيز،وللرأي العام مصلحة في أن يعرف ما إذا كان أساس الاختيار عادلاً.
ومن جهة أخرى، فإن قوانين القذف والتشهير، هي عامل آخر يؤثر في معايير الصحافة،ذلك أن خسارة صحيفة أو محطة إذاعية أو تلفزيون لقضية قذف وتشهير من المحتمل أن تذاع أنبائها على نطاق واسع،بل أن تسوية لها خارج المحاكم قد تقتضي نشر تصويب أو اعتذار،والواقع أن قوانين القذف والتشهير المفرطة في حدتها،قد تصبح قيداً على حرية الصحافة،لكن قوانين القذف المعتدلة تشكل حماية للحقيقة.وتبرز تساؤلات أخرى عند بحث دور وأهمية مجالس الصحافة ووسائل الإعلام،إذ قد ينشأ بصفة خاصة إحساس بأن مجالس الصحافة تتعرض لخطر سيطرة\"أقطاب الصحافة\"عندما يقبلون الانضمام إليها،وتحولها إلى مجرد أداة دفاعية.كما أنها عرضة في بعض الأماكن لأن تصبح أجهزة بأيدي الحكومة ويرى البعض أن الصحف والصحفيين ووسائل الإعلام الجيدين ليسوا في حاجة إلى مجالس للصحافة،في حين أن الأشخاص الأقل اهتماماً بالمعايير يظلون دائماً بمنأى عن تأثيرها،أو أن هذه المجالس نظراً لتشكيلها المعتاد ومواردها الضئيلة لا تستطيع أن تؤثر على الحكومات أو على كبرى المصالح المكتسبة،كما يرى البعض، أن نتيجة لإقامة مجالس الصحافة أصبحت فكرة المسؤولية الاجتماعية محدودة وأنه ينبغي وضع مزيد من الثقة في الآثار التراكمية للقرارات الفردية لا في التجارب المؤسسة التي تعتبر في الواقع مجرد غطاء للتدخل الرسمي.
وليست الصحافة وحدها مشمولة بمثل هذه الهيئات،فقد أقيمت بموجب نصوص تنظيمية مجالس لبعض وسائل الإعلام،بما فيها مجالس الشكاوي من الإذاعة والتلفزيون،وكلفت بمهمة البث أو البحث في شكاوي الجمهور فيما يتعلق بتحريف الوقائع في الإذاعة والتلفزيون،والعرض المشوه،وعدم الإنصاف،وانتهاك الحياة الخاصة دون مبرر.
وهناك أشكال مختلفة من مجالس الصحافة ومجالس وسائل الإعلام لا يعتبر دورها ووظائفها في كل مكان بنفس الطريقة،لكن يوجد قاسم مشترك واحد بينها على الأقل،فحيث أقيمت مجالس الصحافة أو الإذاعة بمبادرة من وسائل الإعلام نفسها،كان رائدها أن تتشكل محكمة شرف للتأديب الذاتي،وقد قامت فكرة الرقابة الذاتية هذه على أساس مبدأ ديمقراطي مؤداه أن قواعد السلوك التي ترسيها الغالبية داخل المهنة لا بد وأن يحترمها جميع أعضائها.
حــق الــرد.. وحـق التصويب:
هناك فرق بين هذين الحقين،ففي مسائل الرأي،على الرغم من أن النقاش المفتوح،هو أمر مرغوب من الناحية المبدئية،ليس من العملي مطالبة وسائل الإعلام بأن تتيح مجال الرد لكل شخص لا يوافق على ما جاء في مقال منشور،إذ يجب أن توضع في الاعتبار،أهمية القضية ودرجة ارتباطها بالصالح العام والمساحة المتوافرة،وعلى النقيض من ذلك،ينبغي دائماً تصويب البيانات غير الدقيقة أو غير الصادقة،كما يوجد تباين كبير في تطبيق ونطاق هذين الحقين(حق الرد-حق التصويب)ففي بلدان مثل بريطانيا والسويد،تتضمن قواعد السلوك المهني مواد تنظم ممارستهما،وأحياناً تشرف مجالس الصحافة على تطبيقها في حالات معينة،في حين تعارض بلدان أخرى إدراج هذه الحقوق في التشريعات،وتعتمد على وسائل الإعلام في توفير الإنصاف طواعية،وفي بعض البلدان يتاح حق الرأي للجميع،بينما يقتصر حق التصويب على السلطات الرسمية.
ويوجد في جميع البلدان حق الرد بالنسبة للصحافة فقط،وينزع الاتجاه نحو دعم حق الرد في الإذاعة والتلفزيون كذلك،،حيث أن الخبرة أثبتت أن لا أساس للمخاوف من أن تطبيق هذين الحقين في الإذاعة سيكون غير عقلاني أو موضوعي.وفي هذا الاتجاه الذي تجمعت فيه على المستوى القومي كثير من الخبرات المقنعة،تتعلق إحدى المشكلات الأساسية،فيما إذا كان ينبغي أن يمد نطاق حق الرد والتصويب إلى المستوى الدولي.ويعتقد البعض أنه إذا تم توسيع نطاق مثل هذا الحق على هذا النحو ومنحه للحكومات،فإن ذلك قد يغريها باستخدامه بهدف دحض انتقادات لها ما يبررها،وعلى هذا الأساس فإن إقرار حق الرد على المستوى الدولي ليس أمراً مقبولاً لدى الكثيرين،حيث أن هناك إحساسا بأن إقرار مثل هذا الحق يشكل تهديداً لاستقلال مجالس التحرير،وإلى الحد الذي يتطلب فيه الأمر سن تشريع يتعلق بالحقيقة والموضوعية،فإن إقراره لن يحقق أي هدف ولا ينبغي تشجيعه، وإن تنوع النظم التي تأخذ بها في هذا الإطار بلدان لها تقاليد وثقافات وقيم متشابهة،له في حد ذاته دليل على أنه لن يكون ملائماً أو واقعياً،اقتراح اعتماد تنظيمات دولية موحدة لهذا الغرض.ويشير البعض إلى أنه يوجد اتفاقية دولية في هذا الصدد وهي الاتفاقية الخاصة بالحق الدولي في التصويب التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام1952.ولأن كان حق التصويب خاضعاً لتنظيم،فإن ذلك يتم بطريقة غير مرضية،الأمر الذي ترتب عليه أنه لا تتوافر للدول والكيانات المعنية وسائل فعالة لتصحيح ما ينشر عنها من معلومات مشوهة،حيث أنه في البلدان غير المستقرة،فإن الأنباء الزائفة أو المشوهة قد تثير القلاقل،وقد تولد الصراعات الاجتماعية،وتحبط الاستثمارات أو تؤدي إلى وضعها في غير موضعها،وتدمر ثقة البلدان الأخرى بالبلد المعني،ولا شك أن الأنباء المثيرة الزائفة أو المحرفة يمكن أن تلحق أضراراً بالغة بالبلدان المختلفة وبشتى القوى السياسية والاجتماعية.(* كاتب ،باحث في الدراسات الأكاديمية)