الحــرب النفسيــة تستهــدف العـقل والسلـوك البشري

الحــرب النفسيــة.. تستهــدف العـقل والسلـوك البشري..!

(الكاتب/ دكتور زاهر زكار*)

تعتبر الحرب النفسية من أخطر أنواع الحروب الموجهة ضد الإنسان،فهي تستهدف في الإنسان عقله وتفكيره وقلبه،لكي تحطم روحه المعنوية،وتقضي على إرادة المواجهة لديه وتقوده نحو الهزيمة والاستسلام.والحرب النفسية لا تستهدف فقط التأثير على السلوك الاجتماعي للفرد او الجماعة،والعوامل المؤثرة في شخصيته فحسب،بل أنها تستهدف كسب الرأي العام العالمي أيضا،وذلك وفقا لقاعدة سيكولوجية مكملة للعمل العسكري والاقتصادي والسياسي،عبر استخدام أساليب دعائية نفسية ترمي الى التأثير على كل سلوك الدول،وإحداث تغييرات في مواقفها وأيديولوجيتها.كما تعتبر الحرب النفسية من أخطر الحروب التي تواجه الحركات الثورية والإصلاحية في كل زمان ومكان،فهي تحاول أن تصيب الأفكار والتعاليم الناهضة،وتحول بينها وبين الوصول إلى العقول،والرسوخ في القلب.وهي تعمل على بذر بذور الفرقة والانقسام بين أبناء الشعب أو المجتمع الواحد،وتضع العقبات أمام مسيرة التقدم والتطور،وتعمل في الظلام،وتطعن من الخلف،كما تلجأ(الحرب النفسية)إلى تشويش الأفكار،وخلق الأقاويل والإشاعات المغرضة،ونشر الإرهاب،واتباع وسائل الترغيب والترهيب،مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من حرب المواجهة العسكرية في ميادين القتال.
لقد جاءت فكرة هذه الدراسة\"الهادفة\"كمحاولة لتسليط الضوء على طبيعة الحرب النفسية وأخطارها،وأهدافها،وميادين ها ووسائلها وادواتها الرئيسية التي تعتمد عليها،والتي تنحصر بصفة أساسية في عملية غسيل الدماغ،والدعاية والإشاعة،وتأثيرها على الإنسان والمجتمع العربي،والتعرف على كيفية مقاومتها والحد من تأثيرها على المجتمع.وغايتنا في ذلك تقديم مساهمة فكرية متواضعة للقارئ العربي،ليكون على بينة ودراية لطبيعة هذه الحرب الخبيثة،وتلافي انعكاساتها السلبية التي تمس القلب والعقل.
مفهوم الحرب النفسية:
يمكن تعريف الحرب النفسية ومفهومها بأنها\"وضع الأمور والشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية والعقائدية التي خطط لها،وموضع التنفيذ الفعلي بهدف التأثير على الآراء والمواقف ووجهات النظر والسلوكيات في هدف معين..\" ولكن بالرغم من ذلك،فإن من الصعوبة بمكان تفهم بدقة ماهية الحرب النفسية ومدلولاتها التي اتسعت في عصرنا الحاضر،وخاصة بعد التطور الهائل في جميع فروع المعرفة الإنسانية،وبالرغم من هذه الصعوبة التي تواجهنا لدى تعريف الحرب النفسية،من جراء المجموعة الكبيرة من المصطلحات التي شاعت عن الصراع الأيديولوجي الذي يسود العالم اليوم،فقد وجدنا أن هناك ما يمكن تسميته\"معركة الكلمة\"و\"معركة المعتقد\".وتستخدم الحرب النفسية الدعاية ضد\"الخصم\"بالإضافة إلى استخدام وسائل أخرى لها طابع النشاط الحربي أو الاقتصادي أو السياسي على النحو الذي يكون مكملاً لنشاط الدعاية،وإذا أخذنا بذلك،نجد أن الحرب النفسية هي لوناً من النشاط الدعائي الذي استجد بعد الحرب الكونية الثانية.
أدوات الحرب النفسية:
تستخدم الحرب النفسية للتأثير على شخصية الإنسان أدوات ووسائل كثيرة أهمها: غسيل الدماغ، والدعاية ن والإشاعة.ويقصد بعملية غسيل الدماغ(أي الحرب الدماغية)كل محاولة للسيطرة على العقل البشري،وتوجيهه لغايات مرسومة،بعد أن يجرد من ذخيرته ومعلوماته ومبادئه السابقة.كما تعني هذه العملية أية محاولة لتوجيه الفكر أو العمل الإنساني ضد رغبة الفرد الحر أو ضد إرادته أو عقله،و يعتبر غسيل الدماغ\"أسلوب من أساليب التعامل النفسي يدور حول الشخصية الفردية،بمعنى نقل الشخصية المتكاملة إلى حد التمزق العنيف بحيث يصير من الممكن التلاعب بتلك الشخصية حتى تصبح أداة طيعة في أيدي المهيج أو خبير الفتن والقلاقل..\".ويمكن تعريف أسلوب\"غسيل الدماغ\"بأنه\"إعادة تشكيل الفكر(thought reform )وهو عملية تغيير الاتجاهات النفسية،بحيث يتم هذا التغيير بطريقة التفجير،وإنه عملية إعادة تعليم،وهو عملية تحويل الإيمان أو العقيدة كفر بها..ثم الإيمان بنقيضها\".كما أن أسلوب غسيل الدماغ هو\"عملية إعادة البناء الفكري للإنسان من خلال تغيير شخصيته عن طريق أساليب فسيولوجية ونفسية\".أما علاقة الحرب النفسية بعملية غسيل الدماغ،فإن غسيل الدماغ ما هو إلا وسيلة أو أداة للحرب النفسية وليست الحرب النفسية ذاتها،إذ ان غرض الأخيرة هو إعادة تشكيل الفكر عند الإنسان المطلوب استخدامه لغايات سياسية أو غيرها،وهو لا يوافق عليها قبل خضوعه لهذه العملية.
ولا يخفى ان،الترهيب والتحقير المنظم الذي يتعرض له الإنسان يسلبه شخصيته،وأن التجويع ومواجهة الأخطار يمكن أن يجعل الإنسان عبداً لمضطهد يه..وعندما ينتهي التعذيب،فإن البقايا البالية من شخصيته يمكن أن تكون في النهاية رجلاً شبيهاً بجلاد يه..
وتختلف الأساليب المتبعة في عملية غسيل الدماغ للفرد باختلاف الفرد نفسه وشخصيته، وباختلاف الظروف وأهمية القضية،كما تختلف تبعاً لكفاءة الأشخاص الموكل إليهم هذا العمل.ولكن على الرغم من وجود بعض الفروق بين البلدان فيما يخص عملية غسل الدماغ،فإن هذه العملية تتم عن طريق استخدام إجراءات ووسائل كثيرة أهمها:
1-عزل الفرد(المعني)اجتماعياً:ويم� �ل ذلك في عزل او قطع هذا الانسان عن الحياة العامة من خلال الزج به في زنزانة انفرادية بعيداً عن كل معارفه،وعن كل مصادرالمعلومات(الإذاعة،ال� �فلزيون،الصحافة،الكتب..الخ) وصور الحياة الأخرى،حتى يشعر أنه اصبح وحيداً في هذا العالم،مما يجعله ينقاد لمحاكميه أو مستجوبيه،مسلوب الإرادة،وأكثر من هذا يتم التوقف عن مناداته باسمه..وتبدأ بمناداته برقم معين.
2-الضغط الجسدي:مثل حرمان الإنسان من النوم والطعام والشراب،إلى تصفيده بالأغلال والسلاسل، واستغلال مؤثرات الجو والجوع والتعب والألم والأساليب الأخرى،واستخدام العقاقير المخدرة التي تضعف قدرته على التحكم بإرادته التامة،وأنه عرضة للإعلام..وتشكيكه في أصدقائه والجماعات التي ينتمي إليها، بحيث يكون عقله قابلاً لتقبل أي توجيه من المستجوب،ويصبح أكثر قابلية لتقبل الإيحاء،وأكثر استعداداً لتنفيذ تعليمات الذين يطلبون منه أن يسلك سلوكاً معيناً.
3-التهديد وأعمال العنف:ويتمثل ذلك في ربط السجين بشدة إلى أسفل،بحيث لا يستطيع الحراك،ثم يوضع حجر ثقيل فوقه،ويترك هكذا لمدة طويلة،أو أن يوحى إليه عن طريق شخص آخر غير المحقق أن الذي لم يتعاون مع المحققين يتم إعدامه..أو أن يوضع عدد من الأسرى في زنزانة واحدة،وعندما يعود أحد الزملاء مخضباً بدمائه كقطعة من اللحم،أو أن تعاد ملابسه في لفافة صغيرة،يكون هذا كافياً للآخرين،كصورة من التهديد الغير مباشر..أو أن يوضع الفرد في غرفة على شكل إناء كبير ثم يوثق بداخل الإناء بحيث لا يستطيع الحراك،يم يصب الماء ببطيء حتى يصل مستوى الماء إلى طرف أنفه..ثم تكرر هذه التجربة لفترات طويلة قد تصل إلى شهر أو أكثر.
4-السيطرة الكاملة على كيان الفرد:ويعني ذلك التحكم الكامل في كيان الفرد ووجوده،والتحكم في كل تصرفاته حتى قضاء الحوائج الخاصة،تحكماً يغطي جميع ساعات يقظته ونومه،والهدف من وراء ذلك،وضع السجين تحت مضايقة سيكولوجية مستمرة لإفهامه أن سجانيه هم وحدهم القادرون على كل شيء.
5-الضياع والشك:وفي هذه المرحلة يترك الفرد(السجين)فترة طويلة من الوقت دون توجيه أو تهمة محددة إليه،ثم تأكيد أنه يعلم تمام العلم طبيعة الجرائم التي ارتكبها،ثم يطلب إليه الاعتراف السريع،فهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه،لأنه يجهل الاتهامات ضده..ولا يستطيع أن يرجئ طلبات سجانيه.
6-التعذيب:يتعرض الشخص لشتى أنواع التعذيب العقلي والبدني مثل:الإذلال والضغط،التحقير الشخصي ،الإنهاك الجسدي،حيث يبدأ الفرد المعني بالضعف بسبب ،تخطيط الطعام له بهدف ضمان الفقد السريع للوزن والقوة والتحمل إلى درجة أن المجهود الذهني يصبح عسيراً،ويزيد تقطع النوم من سرعة الإنهاك.
7-الاعتذار والإكرام للفرد:ويأتي ذلك بعد الشدة واللين والهوادة،وإجراء المقابلات الشخصية ومحاولات الإقناع.
8-مرحلة الاعتراف النهائي:وفيها يحدث تغيير في مفهوم الذات لدى السجين،ويتم محو الأفكار المراد محوها،ثم تقدم الأفكار الجديدة ويحمل الفرد،ويشجع على تعلم معايير سلوكية جديدة وأدوار اجتماعية جديدة،ويتم تحويل الفرد إلى شخص آخر جديد وتشتمل طبيعة العمليات السيكولوجية المستخدمة عملية غسيل الدماغ على مايلي:
أ-التقمص:حيث يتقمص الفرد عادة شخصية ابرز الأشخاص الذين يتولون استجوابه.
ب-هبوط المقدرة الفكرية:ويتم ذلك نتيجة الإجهاد الجسدي والنفسي.
ج-عدم إمكانية التلاؤم كنتيجة للعزل الطويل:فقليل من الناس هم الذين يستطيعون تحمل العزل الطويل دون المعاناة من نتائج فكرية وعاطفية خطيرة وسيئة،كما يسهم الارتباك اللاحق للعزل الطويل في عملية تليين السجين وتطويعه.
د-الإيحـــاء:ويلعب الإيحاء دوراً أساسيا في معاونة الأسير على تلوين اعترافاته وخصوصاً أنه لم يعد قادراً على التمييز بين أفعاله هو والأفعال التي أوحيت إليه عن طريق مستجوبيه.
هـ-التكـرار:يكرر على السجين مرة بعد أخرى بأنه مذنب،بالإضافة إلى إخضاعه لعمليات تكرارية للمبادئ الماركسية فإن الأسير عادة يميل إلى درجة كبيرة من التقبل.
و-الشعور بالذنب
ي-تدمير الذات:حيث أن عملية الإذلال والتحقير التي يخضع لها السجين تؤدي به إلى التقليل من شأن نفسه،وتبدو هذه العملية أكثر تحطيماً للنفس،كلما كان للشخص أهمية أو جاه أو سلطة من قبل،وهو يقارن بين ضعفه وعجزه وسطوة وجبروت مستجوبيه،إن تحطيم الذات الذي ينتج عن ذلك،يؤثر بشكل خطير جداً على درجة مقاومة الفرد لعملية غسيل الدماغ.
ز-تناوب امتزاج الخوف والأمل:يحرص السجانون برغم القسوة والوحشية التي يعاملون بها السجين أن يظل الأخير يراوده الشعور بالأمل في حياة أفضل اذ هو أذعن لهم.
(* كاتب/ باحث متخصص في الدراسات الأكاديمية)