العنف الأسري المظاهر والأسباب والنتائج وطرق المواجهة

دراسة في 350 صفحة من القطع الكبير أنجزها مركز رؤية للدراسات الاجتماعية ومقره مدينة الرس بمنطقة القصيم ، وهو مركز غير ربحي ، يقدم حلولاً علمية ، لتنمية المجتمع من خلال بحوث منهجية متعددة الجوانب تتميز بتأصيل شرعي .

تناولت الدراسة العنف الأسري في المجتمع السعودي بهدف معرفة أنماطه الشائعة، ودرجة انتشار كل نمط ، وأسباب العنف ، وما ينجم عنه من آثار سلبية ، وطرح بعض الحلول التي قد تخفف من وطأته . وقد غطت الدراسة معظم مناطق المملكة بحيث تألف المبحوثون من عدة فئات لكل منها خصائص متميزة لخدمة أهداف الدراسة منها 1900 مفردة من المترددين والمترددات على مراكز الرعاية الصحية الأولية تم جمع البيانات منهم عن طريق الاستبيان ، و 50 مفردة من الخبراء والخبيرات عن طريق المقابلة ، و 90 مفردة من ضحايا العنف من الجنسين من مختلف الفئات العمرية ليصبح مجموع مفردات الدراسة 2040 مفردة .

أوضحت نتائج الدراسة أن معظم أنماط العنف الأسري الشائعة والمعروفة كالعنف اللفظي والبدني والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والصحي والجنسي والحرمان والإهمال تنتشر في المجتمع السعودي ، إلا أن بعض تلك الأنماط تعد أكثر شيوعاً في المجتمع السعودي مقارنة بالمجتمعات الأخرى . لوحظ بهذا الصدد أن العنف اللفظي يأتي بالمركز الأول كأحد أنواع العنف الأسري ، ويأتي العنف الاقتصادي بالمرتبة الثانية ، وفي المركز الثالث العنف النفسي يليه العنف الاجتماعي ويأتي في المركز الخامس الإهمال والحرمان . أما العنف البدني ( الجسمي ) فإنه يأتي في المركز السادس يليه العنف الجنسي ثم العنف الصحي في المركز الثامن والأخير .

وقدمت الدراسة صوراً ونماذجَ لكل نوع من أنواع العنف السابقة . وبينت الدراسة أن أكثر الأفراد ممارسة للعنف الأسري كانوا الأزواج وأنهم يمارسون العنف ضد زوجاتهم وذلك من واقع بيانات الدراسة مع وجود آخرين يمارسون العنف كالزوجات ضد الأزواج والأبناء ضد آبائهم وأمهاتهم . وفيما يتعلق بأسباب العنف الأسري فقد بينت الدراسة أنها عوامل دينية ، واجتماعية ، واقتصادية ، ونفسية ووجدانية وأخيراً عوامل جنسية ، وأن هذه العوامل تتباين أهميتها وترتيبها حسب مناطق المملكة وعلى أساس ريفي وحضري فالعامل الاجتماعي كأحد أسباب العنف الأسري يكون شديد الحضور في المجتمعات الحضرية مقارنة بالمجتمعات الريفية مع التذكير أن العامل الاقتصادي يعد قاسماً مشتركاً في جميع المناطق . أما الآثار السلبية للعنف الأسري فقد كانت متباينة لعل أهمها : طلب الزوجة الطلاق ، والتسبب في أمراض نفسية ، وتأخر الطلاب دراسياً ، وتعاطي المخدرات ، والانحراف الأخلاقي والسلوكي ، وتمرد الأبناء على والديهم ، وتغيب الزوج عن المنزل ، وحدوث عاهات وإعاقات دائمة وأحياناً القتل بدافع الانتقام . وقد كان هناك شبه اتفاق بين المبحوثين في مختلف المناطق حول ترتيب الآثار السابقة .

وأشارت نتائج الدراسة بشكل عام إلى انتشار العنف الأسري في المجتمع السعودي ، وخاصة العنف اللفظي والعنف الاقتصادي ، وأن الإجراءات القائمة للتعامل معه لا تزال قاصرة ما يعني ضرورة بذل مزيد من الجهد للتخفيف من حدة المشكلة والتعامل معها بكل شفافية .

وخرجت الدراسة بجملة من التوصيات تتوجه إلى عدة قطاعات حكومية منها وزارة العدل، والداخلية، والشؤون الاجتماعية، والتعليم العالي، والتربية والتعليم، والإعلام . وتهدف التوصيات إلى معالجة ثلاث قضايا رئيسية تتمثل في وقاية المجتمع والجماعات والأسرة والأفراد من ظاهرة العنف المتفاقم بوضوح ، وتحديد أساليب التعامل معه ، ومعالجة آثاره بعد حدوثه . فيما يخص وزارة العدل أوصت الدراسة أن تتولى الوزارة مراجعة التشريعات والنظم الحالية التي تحكم شؤون الأسرة لتوفير الحماية لأفرادها وتسهيل لجوئهم إلى جهات القضاء عند تعرضهم للعنف . وطالبت الدراسة بالعمل على إصدار تشريعات تنص على عقوبات مشددة توقع على من يمارسون العنف على أفراد أسرهم وذلك لردع كل من تسول له نفسه ممارسة هذا العنف. كما طالبت بإنشاء محاكم متخصصة للأسرة لسرعة البت في قضايا العنف الأسري على أن تلحق بها مكاتب متخصصة لتسوية المنازعات الأسرية المرتبطة بممارسات العنف بمنأى عن أجهزة الشرطة مالم يكن ذلك العنف قد ترتب عليه فعل جنائي يستدعي معاقبة مرتكبيه على أن تضم هذه المكاتب فرقاً من الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين وعلماء الشريعة الذين يساعدون القضاة في التوصل إلى قرار بشأن الصلح بين المتنازعين أو التفريق بينهما. وأوصت الدراسة بضرورة إلحاق مكتب نسائي في كل محكمة يضم أخصائيات اجتماعيات ونفسيات للتعامل مع قضايا المرأة وفرزها.

وجاءت التوصيات لوزارة التعليم العالي بتكوين لجنة وطنية عليا تضم خبراء من أساتذة الخدمة الاجتماعية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلماء الشريعة لدراسة ظاهرة العنف الأسري على المستوى الوطني ووضع الخطط والسياسات اللازمة للوقاية منه. وطالبت الدراسة بإدخال مقررات وبرامج تدريبية لطلاب أقسام الدراسات الاجتماعية وعلم النفس للتعامل مع ضحايا هذه الظاهرة وتوجيه أفراد الأسرة إلى تجنبها. وشددت الدراسة على أهمية تمويل وتشجيع البحوث التي تتناول ظاهرة العنف الأسري وتبحث في أصول وثقافة العنف المتجذرة لدى بعض أفراد المجتمع وصولاً إلى تحقيق نوع من التراكم المعرفي عن تلك الظاهرة وعن أساليب التعامل معها.

وتوجهت الدراسة بتوصيات لوزارة الداخلية أهمها أن تقوم الوزارة بتوفير الحماية لضحايا العنف واستقبالهم في أقسام الشرطة عند طلب المساعدة ومعاملتهم المعاملة الطيبة ، وضرورة أن تضم أقسام الشرطة عدداً من الأخصائيين الاجتماعيين من الذكور والإناث لاستقبال حالات العنف الأسري والتعامل معها بأسلوب مهني متخصص بعيداً عن الأساليب الأمنية التقليدية . وأوصت الدراسة بأهمية تدريب كوادر من أفراد الشرطة وإعدادهم للتعامل مع حالات العنف الأسري بأسلوب اجتماعي ونفسي بعيداً عن الإجراءات الشرطية العادية ، وضرورة أن يكون هناك تنسيق بين مراكز الشرطة ووزارة الشؤون الاجتماعية وإحالة القضايا إلى الوزارة سريعاً ودون إبطاء . وفي نطاق اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية أوصت الدراسة بأن تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية دعم المؤسسات الاجتماعية لتفعيل نظام حماية الأسرة وتوفير الأخصائيين والأخصائيات اللازمين لذلك ، وإنشاء خط هاتفي ساخن مجاني يتكون من أرقام سهلة الحفظ لكي يتيسر على المعنفين من الأطفال الاتصال بالمختصين طلباً للمساعدة عند الحاجة إليها ، واتخاذ ترتيبات لعقد دورات للمقبلين على الزواج لتعريف كل من الرجال والنساء بحقوقهم وواجباتهم وبالأدوار الاجتماعية التي سيقومون بها وبطبيعة علاقاتهم مع غيرهم في محيط الأسرة . كما أوصت بإنشاء دار مستقلة لإيواء كبار السن والنساء وأطفالهن من ضحايا العنف ريثما يتم البت في المنازعات بينهم وبين من مارسوا العنف عليهم في محيط الأسرة حيث توضح نتائج البحث أن الزوجات اللواتي يتعرضن للضرب والإيذاء الجسدي قد ينتهي الأمر بطردهن وأطفالهن فلا يجدن المأوى ويواجهن أخطار أشد من تلك التي يواجهنها في بيوتهن.

وطالبت الدراسة في توصياتها لوزارة التعليم العالي بتكوين لجنة وطنية عليا تضم خبراء من أساتذة الخدمة الاجتماعية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلماء الشريعة لدراسة ظاهرة العنف الأسري على المستوى الوطني ووضع الخطط والسياسات اللازمة للوقاية منه ، وإدخال مقررات وبرامج تدريبية لطلاب أقسام الدراسات الاجتماعية وعلم النفس للتعامل مع ضحايا هذه الظاهرة وتوجيه أفراد الأسرة إلى تجنبها ، وتمويل وتشجيع البحوث التي تتناول ظاهرة العنف الأسري وتبحث في أصول وثقافة العنف المتجذرة لدى بعض أفراد المجتمع وصولاً إلى تحقيق نوع من التراكم المعرفي عن تلك الظاهرة وعن أساليب التعامل معها.

ومن جهة وزارة التربية والتعليم أوصت الدراسة بضرورة إدخال المقررات التعليمية التي تشرح معنى العنف وأسبابه والأساليب الاجتماعية للتعامل معه وتستحدث الأنشطة غير الصفية التي تدرب الشباب على مواجهة أساليب العنف بالمنطق والعقل. وتوجيه الأخصائيين والمرشدين الاجتماعيين في مدارس وزارة التربية والتعليم وفي المدارس الخاصة بالحرص على التعامل مع حالات العنف الأسري وتشجيع الطلاب على إخبارهم بأي عنف يتعرضون له. ودعت الدراسة إلى التنسيق بين وزارة التربية والتعليم ووزارة الشؤون الاجتماعية عندما يتطلب الأمر حماية الضحايا . وطالبت الدراسة أن تقوم وزارة الإعلام والمؤسسات الدينية بحملات توعوية ترمي إلى تبصير أفراد الأسرة بعواقب ممارسة العنف على بعضهم بعضاً وإلى إزالة سوء فهم العامة للتشريع الإسلامي وبخاصة في المسائل المتعلقة بحق الزوج في ضرب زوجته وتأديبها وبحقه في القوامة عليها وعلى أولاده واستبداده بهم . فقد كشفت نتائج الدراسة عن استبداد كثير من الأزواج في ممارستهم أشكالاً من العنف اللفظي مثل تهديد الزوجة بالطلاق أو الزواج عليها وأشكالاً أخرى من العنف النفسي بهجرها وإذلالها. ودعت الدراسة إلى التصدي لثقافة العنف التي تنتشر بين بعض الذكور في المجتمع وتتجلى في سلوكهم الاجتماعي في محيط الأسرة وحثهم على المعاملة الطيبة للأولاد وللنساء حيث يتبين من نتائج الدراسة انتشار العنف اللفظي بين أفراد المجتمع واستخدام الأفراد للألفاظ البذيئة في تعاملاتهم . وشددت الدراسة على ضرورة أن يساهم الدعاة وخطباء الجوامع في التوعية بأضرار العنف الأسري ونتائجه، وأن تتوجه بعض جهودهم التوعوية في هذا الجانب من خلال تقوية الوازع الديني عند الأفراد ، والتوعية بضرر (العضل) أو منع الفتاة من الزواج وتبيان خطر ذلك مما يعد سبباً لارتفاع نسبة العنوسة. وأكدت الدراسة على ضرورة قيام الدعاة وخطباء الجوامع بإيضاح حقوق المرأة من منظور شرعي، وعدم ترك الأمر لجهات أخرى تتناوله من منظور حقوقي تتعارض بعض بنوده مع الشريعة الإسلامية.