دراسة نقدية حول علم القراءات وتحريرها

بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد :
فلعل من الإنصاف تقسيم تاريخ علم القراءات إلى ست طبقات:
الطبقة الأولى : الآخذون عن الصحابة بأداء المصاحف العثمانية.
الطبقة الثانية : القراء ورواتهم
الطبقة الثالثة : مدرسة ابن مجاهد : المصنفون من طرق الرواة
الطبقة الرابعة : مدرسة ابن الجزري
الطبقة الخامسة : ما بعد ابن الجزري إلى عصرنا الحاضر .
أما الصحابة الكرام العدول وهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه فلن نفرق بين الأداء الذي قرأوا به منذ نشأة المصاحف العثمانية وأقرأوه تابعيهم وبين الأداء الذي تلقوه من النبي  في العرضتين الأخيرتين ، ولأن منهم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومنهم الذين رضي الله عنهم إذ بايعوا النبي  تحت الشجرة ولأن آخر ما نبتغي من الخير أن نصبح من التابعين لهم بإحسان أي من الذين جاءوا من بعدهم ويقولون كما في قوله  ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم  الحشر 10 .
ولنبدأ بدراسة الطبقات المتأخرة بتناول الطبقة الخامسة قبل الرابعة تعدادا تنازليا لعله أقرب إلى البيان والشرح .

الطبقة الخامسة : ما بعد ابن الجزري إلى عصرنا الحاضر

تبدأ أولى مراحل التخصص في علم القراءات بعد حفظ القرآن وقراءته عرضا على الشيخ بدراسة رسم المصاحف العثمانية ليعلم ما اجتمعت عليه واختلفت فيه من الحذف والإثبات وزيادة حرف فأكثر وترك تلك الزيادة ، فإذا علمه تجاوزه الطالب إلى دراسة وحفظ متن من متون القراءات كالشاطبية والطيبة ليضمن به ضبط ما لكل قارئ وراو في كل حرف من أحرف الخلاف المعلومة .
ولن تتأتى دراية رسم المصاحف وأحرف الخلاف لمن لم يتعلم من قبل من لسان العرب وقواعد النحو والصرف ما يؤهله للاستفادة والاستيعاب .
هذه المراحل الثلاث : مرحلة عرض القرآن ومرحلة دراسة رسم المصاحف ومرحلة حفظ ودراية متن من المتون في علم التجويد والقراءات هي أولى خطوات التخصص في علم القراءات .
وتأتي دراية واستحضار أحرف الخلاف وما لكل قارئ وراو فيها خطوة ثانية .
وتأتي دراية ما لطرق الرواة من الأوجه في أحرف الخلاف التي اختلف فيها عن الرواة خطوة ثالثة لن يقع الوصف بالتخصص في علم القراءات قبل استيعابها .
وكان استيعاب أوجه الخلاف عن الرواة ونسبتها إلى طرقهم هو تحرير طرق القراءات المتعارف عليه إلى يومنا هذا .
ولقد نبه ابن الجزري في النشر إلى مواطن متعددة تضمنها كل من حرز الأماني والتيسير ليست من طرق الكتابين المقروءة أي خرج فيها الداني عن طرق كتابه التيسير المقروءة وخرج فيها الشاطبي عن طرق كتابه حرز الأماني المقروءة أي هي من الفوائد لزيادة العلم .
مواطن حققها المحقق ابن الجزري ، يؤدي تتبعها من النشر ومن التيسير والحرز أو غيرهما إلى أن ابن الجزري قد اعتمد لطرق الكتاب على الأداء المتصل إلى الراوي والقارئ الذي قرأ به المصنف كالداني والشاطبي مثلا ، لا على التحديث بأحرف الخلاف .
تلك المنهجية حمل لواءها المحقق ابن الجزري في نشره وفي كتابه منجد المقرئين ، ولم تتضمن طيبة النشر من أحرف الخلاف أو من الأداء ما تخلف أو شذ عنها من طرق النشر الكثيرة إلا أحرفا يسيرة خرج فيها ابن الجزري عن طرق كتابه الطيبة بينتها ما استطعت في كتابي \"غاية البشر في تحرير طرق طيبة النشر والتحبير والحرز والتيسير\".
وكان الضابط الأول هو الأداء الذي تلقى عن شيوخه إلى الرواة المثبتة أسانيده بالقراءة عرضا إليهم في النشر (1/99) إلى (1/190)
وكان ذلك الأداء هو طرق النشر والطيبة المقروءة دون سائر الأداء وأحرف الخلاف الذي تضمنته أمهات النشر المبينة في (1/ 58) إلى (1/98)
وأهل التخصص في هذا العصر صنفان :
1. صنف كالفروعيين لا يعلمون من الطيبة أو الشاطبية أو الدرة إلا أماني أي حفظوها وقرأوا بما فيها من غير تتبع لتحرير طرقها .
2. وصنف ثان تمسكوا بمنهج ابن الجزري في التحقيق والتحرير ولم يقصروا عن مدرسته وهم اليوم أقل ، وأقل منهم من يفقه عنهم ما هم عليه ، ولكن ـ المخففة ـ المثبطون واللاغون في جهودهم هم السواد الأعظم وأصحاب العمائم والمشبعون زورا بما لم يعلموا من التخصص في علم القراءات .
ولقد تعلمت من تحرير طرق القراءات ابتداء لأجل تنقية الطيبة مما خرج فيه ابن الجزري عن طرقه ، ولأجل تنقية كل من الحرز والتيسير مما خرجا فيه عن طرقهما .
ولكن بعد عشرين سنة من الدراسة الميدانية في تحرير طرق القراءات تبينت والله أعلم بالصواب وبالقصد أن علم القراءات اليوم أحوج إلى تحرير القراءات نفسها قبل تحرير طرق القراءات كما يأتي في هذا البحث بحثه لعل أئمة القراءات المعاصرين يتعاملون معه نقضا أو تقريرا بالأدلة بعيدا عن التعصب والتقليد الأعمى وإلا فبالنقد والتمحيص في المرحلة الأولى .
إن تحرير القراءات السبع والعشر وغيرها ليؤدي إلى الهدفين الساميين التاليين:
1. تساقط القياس وطرحه
2. استعادة الأداء الذي قرأ به التابعون الذين تلقوا القرآن من الصحابة الذين رافقوا أداء المصاحف العثمانية
ومن عجائب معجزة حفظ القرآن أن الأداء الذي قرأ به الصحابة بعد ظهور المصاحف العثمانية وأقرأوه تابعيهم هو مما تضمنته القراءات العشر المعلومة اليوم وزادت عليه من القياس واللهجات ما شاء الله .

الطبقة الرابعة : مدرسة ابن الجزري

لقد أجمع القراء فمن دونهم من المفسرين والمحدثين والفقهاء على قبول كل من حرز الأماني والدرة والطيبة ولم يتقبل من الأداء خارجها إلا قليل ظل يتلاشى يوما بعد يوما حتى كاد يتلاشى تماما كما هو شأن القراءات الأربع الزائدة على العشر.
وهكذا كتب الخلود وأطبقت الشهرة لكتاب التيسير للداني إذ هو أصل منظومة حرز الأماني ووجه التهاني ، ولكتاب التحبير إذ هو أصل الدرة في القراءات الثلاث المتممة ، ولكتاب النشر في القراءات العشر إذ هو أصل طيبة النشر .
ولقد حوى كتاب النشر جميع ما في الحرز والتيسير والتحبير وزاد عليها كثيرا من الأداء في أحرف الخلاف عن القراء السبعة والثلاثة بعدها .
وليذعنن من درس وتدارس كتابي النشر والطيبة باستحقاق ابن الجزري لقب المحقق الذي ألبسه إياه تلامذته فمن جاء بعدهم إلى يومنا هذا .
ولقد طرح ابن الجزري جانبا تبعا للمصنفين من طرق الرواة قبله عشرات القراء ممن هم مثل نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وغيرهم من القراء العشرة بل ممن هم أكبر منهم رتبة وأكثر علما وأعلى سندا ومنهم كبار التابعين في المدينة النبوية كسعيد بن المسيب ت 94هـ وابن هرمز الأعرج ت 109هـ ، وفي مكة كطاووس بن كيسان ت 106هـ ومجاهد بن جبر ت 103هـ ، وفي الشام كالمغيرة بن شعبة ت 91هـ ، وفي البصرة كأبي العالية الرواحي ت حوالي 90هـ ، وفي الكوفة كأبي عبد الرحمان السلمي الذي ولد في حياة النبي  ولأبيه صحبة وعلقمة بن قيس ت 62هـ ومسروق بن الأجدع ت 63هـ وعبيد بن عمرو ت 72هـ وغيرهم .
ولا علاقة بين انقراض قراءاتهم ورواياتهم وبين الطعن فيها ولا التشكيك ، وإنما بسبب أمر آخر أكبر وأخطر بسببه أخرجت هذا البحث وبينته في طبقة ابن مجاهد .
وكذلك طرح ابن الجزري بتأليف النشر والطيبة عشرات الروايات ووهبها للانقراض والتلاشي .
ولنأخذ لها نموذج قارئ واحد من القراء العشرة هو ابن عامر الشامي إذ قد انقرضت وتلاشت عنه الروايات التالية :
• رواية عبد الرحمان بن عامر
• رواية ربيعة بن يزيد
• رواية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر
• رواية سعيد بن عبد العزيز
• رواية خلاد بن يزيد بن صبيح المري
• رواية يزيد بن أبي مالك
وانقرضت وتلاشت الروايات التالية عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر :
• رواية الوليد بن عتبة
• رواية عبد الحميد بن بكار
• رواية أبي مسهر الغساني
ولم أشأ الاستقصاء وإنما الاستدلال .
وتضمن النشر منهجا جديدا فريدا أحدث انقلابا حيي به علم القراءات فأورق وأزهر ، ولعل منهجه في التحقيق بدأ يثمر بعد ستة قرون .
ولن يستنبط منهج ابن الجزري في التحقيق والتحرير إلا من استطاع ملاحظة الفرق بين النشر وطيبته أي تتبع مئات الروايات في كتاب النشر الملغية من الطيبة .
ولقد اجتهد صاحب النشر أول ما اجتهد في أن كثرة القراء والرواة واختلافهم وقلة الضبط واتساع الخرق وخشية التباس الحق بالباطل هو مبرر تأصيل الأركان الثلاثة (موافقة لسان العرب ورسم أحد المصاحف العثمانية وصحة السند) واعتبارها ضابطا لقبول القراءة وجواز القراءة والإقراء بها .
ولكن ابن الجزري لم يستعمل هذا الضابط ولم يعمل بهذا التأصيل أي لم يقس به شيئا من مروياته عن أحرف الخلاف .
وإنما اعتمد ابن الجزري على أصول كتابه النشر أي أمهاته التالية :
1. إرادة الطالب لسبط الخياط البغدادي ت 541 هـ
2. الإرشاد للقلانسي الواسطي ت 521هـ
3. الإرشاد لعبد المنعم بن غلبون نزيل مصر ت 389هـ
4. الإشارة لأبي نصر العراقي شيخ الهذلي
5. الإعلان لأبي القاسم الصفراوي الإسكندري ت 636هـ
6. الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش الغرناطي ت 540هـ
7. الإيجاز لسبط الخياط
8. البستان لشيخ ابن الجزري ابن الجندي المصري ت 769هـ
9. التبصرة لمكي بن أبي طالب الأندلسي ت 437هـ
10. تبصرة المبتدي لسبط الخياط
11. التجريد لابن الفحام الإسكندري ت 510هـ
12. التذكار لابن شيطا البغدادي ت 455هـ
13. التذكرة لطاهر بن غلبون الحلبي نزيل مصر ت 399هـ
14. التكملة المفيدة لحافظ القصيدة لأبي الحسن الكتاني القيجاطي ت 723هـ
15. التلخيص لأبي معشر الطبري شيخ أهل مكة ت 478هـ
16. تلخيص العبارات لابن بليمة القيرواني ت 514هـ
17. التيسير للداني الأندلسي ت 444هـ
18. جامع البيان للداني
19. الجامع لأبي الحسين نصر الفارسي ت 461هـ
20. الجامع لأبي الحسن بن فارس الخياط البغدادي ت 450هـ
21. جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي المصري الدمشقي ت 643هـ
22. جمع الأصول لأبي الحسن الديواني الواسطي ت 743هـ
23. الروضة لأبي إسماعيل المعدل تلميذ ابن نفيس
24. الروضة لأبي عمر الطلمنكي الأندلسي ت 429هـ
25. الروضة لأبي علي البغدادي نزيل مصر ت 438هـ
26. روضة القرير في الخلف بين الإرشاد والتيسير للديواني الواسطي
27. السبعة لابن مجاهد البغدادي ت 324هـ
28. حرز الأماني ووجه التهاني للشاطبي الأندلسي نزيل مصر ت 590هـ
29. شروح الشاطبية : للسخاوي وأبي شامة والفاسي والجعبري وابن جبارة
والمنتجب الهمذاني
30. الشرعة لابن البارزي قاضي حماة ت 738هـ
31. الشفعة لشعلة الموصلي ت 656هـ
32. عقد اللآلي لأبي حيان الأندلسي ت 745هـ
33. العنوان لأبي الطاهر إسماعيل الأندلسي المصري ت 455هـ
34. الغاية لابن مهران الأصبهاني ت 381هـ
35. غاية الاختصار لأبي العلاء الهمداني ت 569هـ
36. القصيدة الحصرية لأبي الحسن الحصري المغربي ت 468هـ
37. الكافي لابن شريح الأندلسي ت 476هـ
38. الكامل للهذلي المغربي نزيل نيسابور ت 465هـ
39. الكفاية لسبط الخياط
40. الكفاية لأبي محمد الواسطي ت 740هـ
41. الكفاية الكبرى للقلانسي الواسطي
42. الكنز لأبي محمد الواسطي
43. المبهج لسبط الخياط
44. المستنير لابن سوار البغدادي ت 496هـ
45. المصباح لأبي الكرم البغدادي ت 550هـ
46. مفردة يعقوب للداني
47. مفردة يعقوب لابن الفحام
48. مفردة يعقوب عبد الباري الصعيدي ت بعد 650هـ
49. المفيد لأبي نصر البغدادي ت 442هـ
50. المفيد لأبي عبد الله اليمني الحضرمي ت 560هـ
51. المقاصد لأبي القاسم الخزرجي القرطبي ت 446هـ
52. المنتهى لأبي الفضل الخزاعي ت 408هـ
53. المهذب لأبي منصور الخياط جد سبط الخياط ت 499هـ
54. الموضح والمفتاح لابن خيرون العطار البغدادي ت 539هـ
55. الهادي لابن سفيان القيرواني ت 415هـ
56. الهداية للمهدوي المغربي ت بعد 430هـ
57. الوجيز لابن هرمز الأهوازي ت 446هـ
قلت : ولقد لخصت أمهات النشر ورتبتها ترتيبا أبجديا لتيسير الاستفادة منها وليسهل على الطلبة دراية الطرق المشرقية والمغربية .
قال ابن الجزري بعد ذكر أمهات كتابه النشر (1/98) ما نصه \"فهذا ما حضرني من الكتب التي رويت منها هذه القراءات من الروايات والطرق بالنص والأداء وها أنا أذكر الأسانيد التي أدت القراءة لأصحاب هذه الكتب من الطرق المذكورة وأذكر ما وقع من الأسانيد بالطرق المذكورة بطريق الأداء فقط حسبما صح عندي من أخبار الأئمة قراءة قراءة ورواية رواية وطريقا طريقا \" اهـ بلفظه.
ويعني أن ابن الجزري لم يقم بتوظيف الأركان الثلاثة وإنما نقل من النصوص من الأمهات المذكورة ما قرأ به على شيوخه بأسانيدهم إلى أصول النشر المبينة أعلاه .
ويعني أن ابن الجزري لم يأخذ من الأداء على شيوخه بأسانيدهم ما تفردوا به مما لم يجد له نصا في أمهات كتب القراءات .
ولقد أحسن ابن الجزري في تحرير النشر وطيبته من أمهات كتب القراءات التي اعتمدها أصولا أي طرقا إذ أسقط منها ما لم يجتمع فيه النص والأداء .
ويتضح منهج ابن الجزري في التحقيق وإحياء علم القراءات رغم ملاحظة اعتماده على الأداء والنص في كتب القراءات ابتداء بالسبعة لابن مجاهد ت 324هـ وانتهاء بكتاب البستان في القراءات الثلاث عشر لشيخه ابن الجندي ت 769هـ .
وللباحثين المعاصرين أن يتساءلوا عن سبب اعتماده على الكتب المتأخرة ومنها المعاصرة له ومنها :
• البستان لشيخ ابن الجزري ابن الجندي المصري ت 769هـ
• عقد اللآلي لأبي حيان الأندلسي ت 745هـ
• جمع الأصول لأبي الحسن الديواني الواسطي ت 743هـ
• الكفاية لأبي محمد الواسطي ت 740هـ
• الشرعة لابن البارزي قاضي حماة ت 738هـ
• التكملة المفيدة لحافظ القصيدة لأبي الحسن الكتاني القيجاطي ت 723هـ
• الشفعة لشعلة الموصلي ت 656هـ
• مفردة يعقوب عبد الباري الصعيدي ت بعد 650هـ
• جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي المصري الدمشقي ت 643هـ
• الإعلان لأبي القاسم الصفراوي الإسكندري ت 636هـ
• شرح الشاطبية للجعبري ت 732هـ
• شرح الشاطبية لابن جبارة ت 728هـ
• شرح الشاطبية للسخاوي ت 643هـ
• شرح الشاطبية لأبي شامة ت 665هـ
• شرح الشاطبية للمنتجب الهمذاني ت 643هـ
• شرح الشاطبية للفاسي ت 656هـ
وكان حريا بابن الجزري تأليف النشر من الأداء الذي تلقاه من شيوخه عن شيوخهم إلى الطبقات والمصنفين من أئمة القراءات قبل ابن مجاهد ، لأن جميع من جاءوا بعد ابن مجاهد ومنهم ابن الجزري نفسه ساروا على نهجه ولم يتجاوزوا مدرسته ومنهجه في جمع قراءات القراء السبعة .
ولو تتبع ابن الجزري إسناد كل حرف من أحرف الخلاف عن القراء السبعة والثلاثة والأربعة الزائدة وغيرهم وعن رواتهم إلى التابعين والصحابة لكان الجرح قد التأم يومئذ بما أصابه من الدواء الشافي الذي لا يبقي ولا يذر من القياس واللهجات التي تنوء بها الأمة وتحجز الأعاجم بلهجات عربية انقرض أهلها الذين عاصروا تنزل القرآن بجيل التابعين عن التفرغ للاستفادة من القرآن بتدبره لاستنباط ما فيه من الهداية بدراية مدلول الكتاب والإيمان .

الطبقة الثالثة : مدرسة ابن مجاهد : المصنفون من طرق الرواة

وبسبب إيماني بضرورة تحرير البحث العلمي المجرد وحاجة الأمة إليه فلا بد من إعلان المآخذ على كتب طرق المصنفين ابتداء بابن مجاهد وانتهاء بابن الجزري ، مدرسة واحدة تمسكت بمنهج فرض القراءات السبع والعشر وغيرها بدل قراءات التابعين والصحابة .
منهج فرض على أصحابه القبول بجمع القراءات الذي فتح على الأمة بابا عريضا من الافتراض وضرب الحساب فلسفة أو قياسا على القياس مثل قولهم بتحرير الأوجه كحالات  ءالآن  المستفهم بها الخمس للأزرق وأن له في الحالة الأولى سبعة أوجه وفي الثانية تسعة أوجه وفي الثالثة والخامسة ثلاثة عشر وجها وفي الرابعة سبعة وعشرون وجها وهذا القياس يتوفر في مئات الكلمات من القرآن في كل رواية والعجيب أن هذه الأوجه وتحصيلها من الضرب يكثر في باب المد والإمالة وكل ما فيه الوجهان لأحد الرواة في كلمات القرآن حتى بلغ به بعضهم أربعة آلاف وجه .
منهج فرض على الأمة القبول باللهجات والقياس لتجذير المغايرة بين الروايات والقراءات حتى أصبحت بتعددها كأنها كلها منزلة من عند الله وهو قول في منتهى السقوط والافتراء لأن القرءان غير القراءات إذ القرآن متواتر جملة وتفصيلا كلمة كلمة حرفا حرفا كما أثبتّ في بحثي \"إثبات تواتر القرآن دون الحاجة إلى اللهجات والقياس في القراءات\" وأما القراءات فليست كذلك إذ تضمنت الضعيف والشاذ والوهم والوضع الذي منه القياس .
وبسبب أمانتهم العلمية فإن المصنفين من طرق الرواة ابتداء بابن مجاهد إلى ابن الجزري لم يرفعوا إلى النبي  ولا إلى احد من الصحابة والتابعين ـ على سبيل المثال ـ مذهب حمزة وهشام في الوقف على الهمز المتطرف أو المتوسط وإنما هو قياس على لهجات عربية انقرض أهلها منذ جيل التابعين إذ لم يعد في جزيرة العرب قبيلة متقوقعة لا تعرف غير لهجتها بل نفر الرجال إلى الجهاد واختلط العرب بالعجم مما يعني اختلاط العرب بعضهم ببعض .
قال في النشر ( 1/17ـ18 ) \"أما إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمس الحاجة مما يقوّي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسا على الوجه الاصطلاحي إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء ونقل  كتابيه إني  وإدغام  ماليه هلك  قياسا عليه وكذلك قياس  قال رجلان  و  وقال رجل  على  قال رب  في الإدغام كما ذكره الداني وغيره ونحو ذلك مما لا يخالف نصا ولا يرد إجماعا ولا أصلا مع أنه قليل جدا كما ستراه مبينا بعد إن شاء الله تعالى وإلى ذلك أشار مكي ابن أبي طالب رحمه الله في آخر كتابه التبصرة حيث قال فجميع ما ذكرناه في هذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود ، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعا وهو غير موجود في الكتب وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب ولكن قسته على ما قرأت به إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرواية في النقل والنص وهو الأقل اهـ بلفظه وهو كذلك في التبصرة .
وما أشبهه بمنهج الداني رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه جامع البيان (1/101) إذ قال ما نصه \"ولا أعدو في شيء مما أرسمه في كتابي هذا مما قرأته لفظا ، أو أخذته أداء ، أو سمعته قراءة ، أو رويته عرضا أو سألت عنه إماما ، أو ذاكرت به متصدرا ، أو أجيز لي أو كتب به إليّ أو أذن لي في روايته أو بلغني عن شيخ متقدم ومقرئ متصدر بإسناد عرفته ، وطريق ميزته أو بحثت عنه عند عدم النص والرواية فيه ، فأبحث بنظيره وأجريت له حكم شبيهه\"اهـ بلفظه محل الغرض منه قلت : يا ليت شعري ما الذي دفع مكيا والداني إلى ترك الرواية والنص عن الجماعة في حرف من أحرف الخلاف لأجل قراءته لراو من الرواة بأداء غير منزل قياسا على نظائره لأجل المحافظة على أداء متميز لذلك الراوي عن الأداء المتواتر عن الجماعة إذ لم يقع القياس إلا في تفردات الرواة عن الجماعة .
وأعجب العجب أن هذا القياس قد تم اعتماده منذ القرن الثالث للهجرة بسبب التمسك باللهجات العربية والمحافظة على أداء متميز لهذه الرواية أو تلك كالذي قاله ابن الجزري حينما أعلن أن مبرر القياس المقيد هو غموض وجه الأداء ويعني به يقينا أداء تفرد به راو أو قارئ عن سائر القراء وإلا فإن رواية الجماعة وأداءها أقرب إلى الاعتبار والتمسك به من راو تفرد عنهم بقاعدة من القواعد حافظت على لهجة عربية ألا ترى ابن الجزري رحمه الله مثل بإدغام  قال رجلان  و  قال رجل  قياسا على إدغام  قال رب  المنصوص أي في كتب القراءات المروي أي عن أبي عمرو فلماذا لم يعتمد المصنفون لأبي عمرو الإظهار فيهما ؟ موافقة لسائر القراء العشرة وغيرهم وهو الرواية والنص عن الجميع ومنهم أبو عمرو نفسه ، ومتى كانت المحافظة على هذه اللهجة أو القاعدة مما تدعو إليه الضرورة وتمسّ إليه الحاجة وأي ضرورة تؤدي إلى قراءة أحرف من القرآن بصيغة هي من إنشاء البشر رغم توفر الأداء المضبوط الذي نزل به جبريل على قلب رسول الله خاتم النبيين  ، هل من ضرورة في نقل  كتابيه إني  لورش محافظة على قاعدة عليها مدار روايته وهي نقل حركة الهمز المحقق إلى الساكن قبلها ؟ إن الأمانة العلمية لتلزم بقراءة هذا الحرف لورش بالسكت والقطع موافقة لجميع القراء والرواة الذين رووها أداء كذلك .
ومن القياس الذي تضمنته كتب أئمة القراءات قول ابن الجزري في النشر (2/122) وشذ مكي فأجاز الروم والإشمام في ميم الجمع لمن وصلها قياسا على هاء الضمير وانتصر لذلك وقواه وهو قياس غير صحيح اهـ وهو في التبصرة لمكي ص171، ومنه : أكثر ما حواه باب المد من الإشباع لجميع القراء ومن الإشباع والتوسط للأزرق خاصة فيه ومنه كثير من الإدغام الكبير لأبي عمرو ، ومنه اختيار ابن مجاهد في بداية القرن الرابع إمالة  البارئ  الحشر24 لدوري الكسائي قياسا على إمالته حرفي البقرة  بارئكم  فهذا الاختيار مبك حقا لأنه قراءة حرف من كتاب الله بأداء لم ينزل به جبريل من عند الله على النبي الأمي  إذ قرأ جميع القراء والرواة حرف الحشر بالفتح الخالص وإنما ألحقه ابن مجاهد بأحرف اختص الدوري عن الكسائي وتفرد بإمالتها قال في النشر (2/39) وقال الداني في جامعه لم يذكر أحد عن  البارئ  نصا وإنما ألحقه بالحرفين اللذين في البقرة ابن مجاهد قياسا عليهما سمعت أبا الفتح يقول ذلك اهـ
وعبارة الداني في جامع البيان (1/469) كالتالي \"ولم يذكر أحد عنه  البارئ  نصا وإنما ألحقه بالحرفين اللذين في البقرة ابن مجاهد قياسا عليهما ، سمعت أبا الفتح يقول ذلك\" اهـ بلفظه .
ومنه البحث في أصل ألف  تترا  الفلاح 44 وألف  كلتا  الكهف 33 لمعرفة صحة إمالتهما لغة لإقحامها في القراءات.
ومنه ما حواه بابا الوقف على الهمز وعلى هاء التأنيث ومنه الوقف بالروم والإشمام بدل السكون ومنه ترقيق الراء في  وزر أخرى   وزرك   ذكرك   حذركم   الإشراق  للأزرق ومنه أكثر ما جاء في هذا الباب كما قال مكي في التبصرة \"أكثر هذا الباب إنما هو قياس على الأصول وبعضه أخذ سماعا\" اهـ ومنه الوقف بهاء السكت على  العالمين   والموفون   والذين  وشبهه ليعقوب وهو في مئات الكلمات ومنه الإخفاء أو الاختلاس في  فنعما هي  في البقرة وكذا حرف النساء لقالون وأبي عمرو وشعبة .
قلت : إنني مع تتبع مواضع هذا القياس الذي أبرأ منه لم أجده إلا فيما توفر الأداء بغيره لدى جماعة القراء والرواة .
إن القياس الذي وصفه مكي وابن الجزري بالقلة ليتوفر في مئات الكلمات من القرآن بسبب تعميم القواعد على النظائر .
إن القياس هو نتيجة حتمية لما أحدثه ابن مجاهد فمن جاء بعده من المصنفين طرق الرواة من استبدال أداء التابعين والصحابة بالقراءات السبع والعشر وغيرها ومن تتبع كل قاعدة في لسان العرب أو لهجة عربية وردت في بعض كلمات القرءان رواية فيقرأون بها سائر نظائرها ـ كما ستأتي أمثلته ـ لضمان فصل كل رواية وقراءة عن الأخرى وتتبع ما لها في أداء كل كلمة وكل حرف من القرآن حتى أصبحت المحافظة على رواية البزي أو هشام مثلا غاية لا يصح تواتر القرءان ولا حفظه دونها .
وكانت نشوة ازدهار قواعد النحو والصرف هي التي أملت تعدد الروايات ، ذلك التعدد الذي وجد في القياس تربة خصبة نشأ عليها .
وما كان للقراءات ورواياتها أن تتعدد وللطرق عن الروايات أن تبلغ المئات لولا ما أدرج في القراءات من اللهجات والقياس لضمان تعدد الروايات والفصل بينها بقاعدة لغوية وردت أداء في بعض حروف القرآن فقاسها المصنفون من الطرق ابتداء بابن مجاهد فمن بعده على سائر نظائرها .
ولا يعتبر العدول إلى صحيح الروايات بدل رواية عسر أو شق أو خفي أداؤها من القياس بل هو الرواية والنص والأداء الواجب اتباعه .
ووقع المصنفون من طرق الرواة في ثلاث متناقضات :
أولاها أنهم منعوا أو عابوا خلط الروايات الصحيحة الثابتة في القراءة وهو تركيب الطرق وعدم التحرير ويجيزون في نفس الوقت القراءة بالقياس الذي هو قراءة القرآن بأداء غير منزل .
وأما ثاني المتناقضات فهي قضية ابن مقسم المقرئ النحوي في القرن الرابع الذي أجمع القراء والفقهاء على منعه من القراءة بما يوافق اللغة والرسم دون التقيد بالأداء والنقل وحوكم فتاب ورجع عن رأيه وقال ابن الجزري تعليقا على قضيته في النشر(1/18) ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه اهـ ، لكن الذي حاوله ابن مقسم هو نفسه ما يسمونه بالقياس المقيد سواء بسواء إذ هو موافق اللغة والرسم فاقد شرط الأداء والنقل لا ينقصه من وجه التشبيه اعتماد القراء على قاعدة أو لهجة عربية اعتمدها أحد الرواة في بعض الأحرف دون سائر نظائره فقاس القراء والمصنفون سائر النظائر على بعض الأحرف المروية وأعجب العجب أن ابن الجزري نفسه قد قال في كتابه منجد المقرئين(ص 17) وأما ما وافق المعنى والرسم أو أحدهما من غير نقل فلا تسمى شاذة بل مكذوبة يكفر متعمدها اهـ وقال في النشر (1/293) إن القراءة ليست بالقياس دون الأثر وقال أيضا (2/263) وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل اهـ ، وقال الشاطبي \"وما لقياس في القراءة مدخل\" اهـ ولقد قرر مكي وابن الجزري وغيرهما من المصنفين أن ما صحّ نقله عن الآحاد وصحّ وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف أنه يقبل ولا يقرأ به ، ولا يخفى أن هذا القسم أقوى من القياس الذي يجب رده وعدم قبوله وحرمة القراءة به لأنه أضعف مما صحّ نقله عن الآحاد .
وأما ثالث المتناقضات فهي قضية ابن شنبوذ المتوفى سنة 328 هجرية الذي كان يرى جواز القراءة بما صحّ سنده وإن خالف الرسم فعدّ معاصروه ـ ومنهم ابن مجاهد المتوفى 324 هجرية الذي اشترك مع الوزير في محاكمته ـ ذلك من الشذوذ وأعجب من ذلك أن ابن مجاهد في سبعته قد اعتمد القياس .
إن ثبوت الشذوذ والضعف والوهم في القراءات وتضمنها القياس الذي هو قراءة القرآن بأداء غير منزل حقائق مرة باعتراف المصنفين من طرق الرواة ابتداء بابن مجاهد وانتهاء بابن الجزري :
قال ابن الجزري في النشر (1/9) \"ثم إن القراء بعد هؤلاء المذكورين كثروا وتفرقوا في البلاد وانتشروا وخلفهم أمم بعد أمم وعرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور بالرواية والدراية ومنهم المقصّر على وصف من هذه الأوصاف وكثر بينهم لذلك الاختلاف وقلّ الضبط واتسع الخرق وكاد الباطل يلتبس بالحق\"اهـ بلفظه محل الغرض منه
وقال (1/35) \"وكان بدمشق الأستاذ أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي مؤلف الوجيز والإيجاز والإيضاح والاتضاح وجامع المشهور والشاذ\"اهـ بلفظه محل الغرض منه .
ولم تنجب الأمة بعد صاحب النشر غير المقلدين المتوقفين المقيدين بقيدين اثنين من الأوهام :
1. أن قرنوا بين المراجعة وبين الطعن في الأئمة المتقدمين .
2. خوفهم من الخروج على المألوف الذي عرفه العوام منذ عشرات القرون.
ولقد ظن المصنفون من طرق الرواة وعلى رأسهم الداني وابن الجزري أن الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن هي لهجات العرب المأذون بقراءة القرآن بها للرعيل الأول الذي لا يستطيع العدول عن لسانه الذي تربى عليه وهو تصور يحتاج على نقاش ومراجعة وكما هو موضوع البحث اللاحق بعنوان \"دراسة نقدية حول الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن\" .

الطبقة الثانية : القراء ورواتهم

قال ابن الجزري في النشر (1/8ـ9) بعد ذكر رعيل التابعين ما نصه \" ثم تجرد قوم للقراءة والأخذ واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية حتى صاروا بذلك أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم ، أجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم بالقبول ولم يختلف عليهم فيها اثنان ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم\" اهـ بلفظه محل الغرض منه
قلت : وكان هذا أخطر قرار اتخذه المصنفون من طرق الرواة ابتداء بابن مجاهد وانتهاء بابن الجزري رحمهم الله تعالى ، قرار الاكتفاء بنسبة القراءات إلى هؤلاء الذين اختار منهم ابن مجاهد من تلقاء نفسه القراء السبعة وتبعه عامة المصنفين من طرق الرواة وساروا على نهجه .
سلوك تم بموجبه وأد الأداء بالقرآن كله الذي قرأ به كل من أبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن مسعود غيرهم من الصحابة والتابعين المتلقين منهم.
وأبرأ إلى الله من الطعن في القراء السبعة والعشرة وغيرهم ومن الطعن في المصنفين من طرقهم إذ لم يدلسوا ولم يخلطوا الأداء بالقياس وإنما أعلنوا الأداء والرواية وأعلنوا القياس اجتهادا منهم رحمهم الله .
وإنما قصدت تحرير البحث العلمي المجرد في هذه المسألة الخطيرة الجديرة بالدراسة والترقيع لاستعادة أداء التابعين الذين تلقوا من الصحابة الكرام القرآن عذبا وسلسلا غير مشوب بالقياس واللهجات .

الطبقة الأولى : الآخذون عن الصحابة بأداء المصاحف العثمانية

وفي النشر (1/7) أن المصاحف العثمانية ثمانية : مصحفان في المدينة ومصحف كل من البصرة والكوفة والشام ومكة واليمن والبحرين .
قال ابن الجزري في النشر (1/8) \"وقرأ كل أهل مصر بما في مصحفهم وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في رسول الله  ثم قاموا بذلك مقام الصحابة الذين تلقوه عن النبي  .
فممن كان بالمدينة : ابن المسيب ، وعروة ، وسالم ، وعمر بن عبد العزيز ، وسليمان وعطاء ابنا يسار ، ومعاذ بن الحارث المعروف بمعاذ القارئ ، وعبد الرحمان بن هرمز الأعرج ، وابن شهاب الزهري ، وابن جندب ، وزيد بن أسلم.
وبمكة : عبيد بن عمير ، وعطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن أبي مليكة .
وبالكوفة : علقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، وعمرو بن شرحبيل ، والحارث بن قيس ، والربيع بن خثيم ، وعمرو بن ميمون ، وأبو عبد الرحمان السلمي ، وزر بن حبيش ، وعبيد بن نضلة ، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ، والشعبي.
وبالبصرة : عامر بن عبد قيس ، وأبو العالية ، وأبو رجاء ، ونصر بن عاصم ، ويحيى بن يعمر ، ومعاذ ، وجابر بن زيد ، والحسن ، وابن سيرين ، وقتادة .
وبالشام : المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان بن عفان في القراءة ، وخليد بن سعد صاحب أبي الدرداء \" اهـ بلفظه وقد جمع بين التابعين وتابعيهم .
قلت : ولكأنما ضاع أداء مصحفين من المصاحف العثمانية : مصحف البحرين ومصحف اليمن ولم يكن من القراء المحفوظة قراءاتهم قراء بأداء مصحف اليمن أو بأداء مصحف البحرين .
قلت : ولنسجل اعترافات مذهلة بالتباس الأداء الذي قرأ به كل واحد من التابعين الذين سمعوا القرآن من الصحابة الكرام العدول الذين رافقوا المصاحف العثمانية وأقراوا به تابعيهم وإلا فكيف نستخرج من كتب القراءات الحديثة كالنشر وجامع البيان ومن نصوص الأئمة في القرن الثاني والثالث ومن الأمهات في القرن الرابع خمس روايات فقط على سبيل المثال أي رواية لكل مصحف عثماني في مصر من الأمصار .
وما أيسر استعادة الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة الذين أقرأوهم بأداء مصحف المدينة العثماني وقرأ به على سبيل المثال كل من التابعين :
1. سعيد بن المسيب المرقم في غاية النهاية برقم 1353 المتوفى سنة 94 هـ ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن ، وقرأ على ابن عباس وأبي هريرة وقرأ عليه عرضا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري شيخ نافع بن أبي نعيم القارئ كما هي طريق جامع البيان للداني .
2. محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المرقم في غاية النهاية برقم 3470 المتوفى 124هـوردت عنه الرواية في حروف القرآن ، قرأ على أنس بن مالك وعرض عليه نافع بن أبي نعيم القارئ فيما حكاه أحمد بن جبير عن إسحاق المسيبي عن نافع ، قال ابن الجزري في غاية النهاية \"وروى الداني عنه أنه قال كان النبي  وأبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية يقرأون (س 1آ 4)  مالك يوم الدين  وأول من أحدث  ملك  مروان بن الحكم ، قال ابن الجزري \"قراءة الزهري في الإقناع للأهوازي وغيره \" اهـ محل الغرض منه
3. عبد الرحمان بن هرمز الأعرج المرقم في غاية النهاية برقم 1622 المتوفى حوالي 109هـ أخذ القراءة عرضا عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، ومعظم روايته عن أبي هريرة ، روى عنه القراءة عرضا نافع بن أبي نعيم
4. زيد بن أسلم المرقم في غاية النهاية برقم 1304 مولى عمر بن الخطاب المتوفى 136 هـ وردت عنه الرواية في حروف القرآن أخذ عنه القراءة شيبة بن نصاح شيخ نافع القارئ كما هي طريق التيسير للداني
وما أيسر استعادة الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة الذين أقرأوهم بأداء المصحف الذي بعث به عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة وقرأ به على سبيل المثال كل من التابعين :
1. طاووس بن كيسان التابعي الكبير المرقم في غاية النهاية برقم 1479 المتوفى سنة 106 هـ قبل التروية بيوم ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن ، أخذ القراءة عن ابن عباس وعظم روايته عنه .
2. مجاهد بن جبر التابعي المرقم في غاية النهاية برقم 2659 المتوفى حوالي 103 هـ عن نيف وثمانين سنة قرأ على عبد الله بن السائب وقرأ من طريق النشر وبعض أمهاته على عبد الله بن عباس ، وأخذ عنه القراءة عرضا عبد الله بن كثير القارئ من طريق النشر وبعض أمهاته ، وابن محيصن من طريق الكامل للهذلي والمبهج لسبط الخياط ، وحميد بن قيس وزمعة بن صالح من طريق الكامل للهذلي ، وأبو عمرو بن العلاء القارئ من طريق التيسير للداني وقرأ عليه الأعمش .
وما أيسر استعادة الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة الذين أقرأوهم بأداء المصحف الذي بعث به عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الكوفة وقرأ به على سبيل المثال كل من التابعين :
1. علقمة بن قيس المرقم في غاية النهاية برقم 2135 المتوفى سنة 62هـ أخذ القرآن عرضا عن عبد الله بن مسعود من طريق جامع البيان للداني ، وعرض عليه القرآن إبراهيم بن يزيد النخعي وأبو إسحاق السبيعي وعبيد بن نضلة ويحيى بن وثاب كلهم من طريق جامع البيان للداني
2. الأسود بن يزيد النخعي الكوفي المرقم في غاية النهاية برقم 796 المتوفى سنة 75هـ قرأ على عبد الله بن مسعود وقرأ عليه إبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي ويحيى بن وثاب
3. مسروق بن الأجدع المرقم في غاية النهاية برقم 3591 المتوفى سنة 63هـ أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن مسعود ، وروى القراءة عنه عرضا يحيى بن وثاب
4. عبيدة بن عمرو المرقم في غاية النهاية برقم 2073 متوفى سنة 72هـ أخذ القراءة عرضا عن ابن مسعود ، وأخذ عنه القراءة عرضا إبراهيم النخعي وأبو إسحاق
5. عمرو بن ميمون أبو عبد الله الكوفي التابعي الجليل المرقم في غاية النهاية برقم 2463 المتوفى حوالي 75هـ أخذ القراءة عرضا عن ابن مسعود ، وروى القراءة عنه أبو إسحتاق السبيعي وحصين
6. أبو عبد الرحمان السلمي الضرير مقرئ الكوفة المرقم في غاية النهاية برقم 1755 ولد في حياة النبي  ولأبيه صحبة إليه انتهت القراءة تجويدا وضبطا أخذ القراءة عرضا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهم كما هي طرق التيسير للداني والمستنير لابن سوار ، وأخذ القراءة عنه عرضا من طرق النشر وغيره من أمهاته عاصم وعطاء بن السائب وأبو إسحاق السبيعي ويحيى بن وثاب وغيرهم
7. زر بن حبيش المرقم في غاية النهاية برقم 1290 المتوفى 82هـ عرض على عبد الله بن مسعود من طريق التيسير للداني والمستنير لابن سوار وعرض على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب من طريق التيسير للداني ، وعرض عليه عاصم بن أبي النجود وسليمان الأعمش وأبو إسحاق المسيبي ويحيى بن وثاب كلهم من طرق التيسير للداني والمستنير لابن سوار .
8. سعيد بن جبير المرقم في غاية النهاية برقم قتله الحجاج سنة 95 هـ التابعي الجليل عرض على عبد الله بن عباس ، وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء والمنهال بن عمرو ، قال ابن الجزري في غاية النهاية :\"قال إسماعيل بن عبد الملك كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله يعني ابن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت \"اهـ بلفظه
9. عبيدة بن نضلة الخزاعي الكوفي التابعي المرقم في غاية النهاية برقم 2071 المتوفى حوالي 75هـ أخذ القراءئة عرضا عن عبد الله بن مسعود من طريق جامع البيان للداني وعرض أيضا القرآن على علقمة بن قيس ، وروى القراءة عنه عرضا يحيى بن وثاب ومن طريق جامع البيان أخذ القراءة عنه حمران بن أعين .
وما أيسر استعادة الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة الذين أقرأوهم بأداء المصحف الذي بعث به عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى البصرة وقرأ به على سبيل المثال كل من التابعين :
1. أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي المرقم في غاية النهاية برقم 1272 المتوفى بعد التسعين من الهجرة من كبار التابعين أخذ القرآن عرضا عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس وصح أنه عرض على عمر ، وقرأ عليه شعيب بن الحبحاب والحسن بن الربيع بن أنس والأعمش وأبو عمرو على الصحيح
2. أبو رجاء عمران بن تميم البصري التابعي الكبير المرقم في غاية النهاية برقم 2469 المتوفى 105 هـ عن حوالي 130 سنة عرض القرآن على ابن عباس وتلقنه من أبي موسى من طريقي غاية أبي العلاء وروى القراءة عنه عرضا أبو الأشهب العطاردي من طريق غاية أبي العلاء .
3. يحيى بن يعمر المرقم في غاية النهاية برقم 3873 المتوفى سنة 120هـ تابعي جليل عرض القرآن على عبد الله بن عمرو وعلى ابن عباس وعلى أبي الأسود الدؤلي كلهم من طريق غاية أبي العلاء وعرض عليه القرآن أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق
4. قتادة بن دعامة البصري الأعمى المفسر المرقم في غاية النهاية برقم 2611 المتوفى سنة 117هـ قال ابن الجزري :\"أحد الأئمة في حروف القرآن وله اختيار رويناه من كتابه الكامل وغيره \"اهـ بلفظه روى القراءة عن أبي العالية وأنس بن مالك من طريقي الكامل للهذلي وروى عنه الحروف من طريق الكامل للهذلي أيضا أبان بن يزيد العطار .
وما أيسر استعادة الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة الذين أقرأوهم بأداء المصحف الذي بعث به عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الشام وقرأ به على سبيل المثال التابعي المغيرة بن هشام المخزومي المرقم في غاية النهاية برقم 3635 توفي في سنة 91هـ وله تسعون سنة أخذ القراءة عرضا عن عثمان بن عفان من طريق النشر وبعض أمهاته وأخذ القراءة عنه عرضا عبد الله بن عامر .
قلت : أوليس من حق الباحثين المعاصرين أن يتساءلوا عن الأداء الذي قرأ به سعيد بن المسيب أو الزهري أو ابن هرمز أو زيد بن أسلم على الصحابة الكرام ؟
وعن الأداء الذي قرأ به مثلا طاووس بن كيسان ومجاهد بن جبر على الصحابة الكرام ؟
وعن الأداء الذي قرأ به سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمان السلمي وزر بن حبيش على الصحابة الكرام ؟
وعن الأداء الذي قرأ به أبو العالية الرياحي وأبو رجاء عمران بن تميم على الصحابة الكرام ؟
وعن الأداء الذي قرأ به المغيرة بن شعبة المخزومي على الصحابة الكرام ؟
ولماذا استبدل هذا الأداء بأداء المتأخرين عنه ؟
وكيف نقنع أنفسنا أن أداء المتأخرين أقرب إلى الأداء المنزل من أداء الصحابة والتابعين ؟
ولماذا كانت قراءة القرآن بالقياس هو مما أدخله الطرق عن الرواة في القرن الرابع الهجري وخلا منه الأداء الذي تلقاه التابعون من الصحابة وتلقاه الصحابة من النبي  ؟
ومتى يقيض الله للأمة من أئمة القراءات المعاصرين من يسارعون إلى تحرير القراءات نفسها من القياس واللهجات اللذين تغص بهما القراءات السبع والعشر وغيرها وليستعيدوا الأداء المنزل الذي قرأ به الصحابة الكرام وتابعوهم الذين تلقوا منهم مباشرة ، وإنه لأداء منصوص في كتب المصنفين مقروء ضمن طرق الشاطبية والطيبة ولا تكلف استعادته غير طرح الروايات عن القراء السبعة والعشرة لتظهر بدلها روايات التابعين الذين تلقوا أداء المصاحف العثمانية من الصحابة الذين رافقوها وليصلح آخر هذه الأمة بما صلح به آخرها .
والحمد لله رب العالمين .

طالب العلم
الحسن محمد ماديك
متفرغ
متخصص في تحرير طرق القراءات العشر الكبرى
مؤلف كتاب :
ـ غاية البشر في تحرير طرق طيبة النشر
ـ تفسير القرآن \"من تفصيل الكتاب وبيان القرآن\"
ـ حوار مع التراث الإسلامي