حرمة الأغاني المصحوبة بالموسيقى والرد على من أباحها وخالف الأئمة الأربعة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعـده ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد : فهذا تعجب من بعض العلماء المعاصرين الذين قالوا بجواز سماع آلات الطرب ؛ لاستفاضت السنة بخلاف ماذهبوا إليه ،وأدلة السنة جاءت واضحة جلية لكن هؤلاء العلماء قد زلوا ،فلانبالغ في تعظيمهم بأخذ كلّ ما يصدُر عنهم ، أو نعتقد إصابَتَهم الحقَّ في كلّ ما يُفتون فيه أو يُخبِرون به فقد أبى الله أن تكون العصمة إلا لكتابه و لنبيّه r في تبليغه الدين ، وما العلماء إلا مخبرون عن حكم الله ، و ليسوا مشرعين ؛ لذلك أقوالهم تعرض على الكتاب والسنة فنأخذ بقول العالم الذى يوافق الكتاب والسنة ، ونلتمس العذر للعالم الذى يخالف قوله الكتاب والسنة ،ونتأدب فى رد قوله ،ولانقلده فى خلاف الحق ، وقد قال الشافعى رحمه الله : ( أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله r لم يحل له أن يدعها لقول أحد )[1]،وقال ابن تيمية فى الفتاوى : ( اتفق العلماء على أنه إذا عرف الشخص الحق فلا يجوز له تقليد أحد فى خلافه)وقال ابن القيّم رحمه الله : ( العالِم يزِلُّ و لا بُدَّ ، إذ لَيسَ بمعصومٍ ، فلا يجوز قبول كلِّ ما يقوله ، و يُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم ، فهذا الذي ذمَّه كلّ عالِم على وجه الأرض ، و حرَّموه ، و ذمُّوا أهلَه )[2]وقد حكى الزركشي أن القاضي المالكي إسماعيل بن إسحاق الأزدي رحمه الله ، قال : ( دخلت على المعتضد ، فَدَفَع إليَّ كتاباً نظرت فيه ، و قد جمع فيه الرخص من زلل العلماء ، و ما احتج به كل منهم ، فقلت : إن مصنف هذا زنديق . فقال : ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت : الأحاديث على ما رُوِيَت ، و لكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، و من أباح المتعة لم يبح المسكر ، و ما من عالم إلا و له زلّة ، و من جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهـب دينه ، فأمَر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب )[3] ، ومكمن الخطورة في خطأ العالم ، فيما يترتب على الخطأ من عمل أتباعه ومقلديه ، ويحتجون قائلين هذا قول فلان من العلماء
فالكثير من الناس يتركون العمل بظاهر السنة الواضح الجلى لقول عالم من العلماء؛ فأنزلوا قول العالم منزلة الشرع ،وتوهموا أنهم على صواب ، والصواب ما وافق السنة والكتاب ، وليس ماوافق الأهواء فلا نطبع الدين للناس ،ولكن نطبع الناس للدين ، وهذه المسألة التى نحن بصددها مسألة حكم سماع آلات الطرب قد أخطأ فيها علماء أجلاء فمنهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالى والإمام العلم ابن حزم والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالى والدكتور يوسف القرضاوى والشيخ عطية صقر ،والدكتور نصر فريد واصل والدكتور على جمعة وغيرهم ،وجمهور العلماء على تحريم سماع آلات الطرب باستثناء الدف ،ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم ؛ ولقوله عز وجل : ﴿ َوالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[4] ؛ ولقولهr : « الدين النصيحة قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم »[5] عزمت على كتابة بحث يتناول هذه المسألة حتى لا يتوهم متوهم صحة ما قاله المجيزون ،وكان هذا البحث مكوناً من الفصول الآتية : الفصل الأول : ماهية آلات الطرب
الفصل الثانى : أدلة تحريم سماع آلات الطرب
الفصل الثالث : أدلة مبيحى سماع آلات الطرب ومناقشتها
الفصل الرابع : شبهة والرد عليها
هذا ما وفقنى الله لكتابته فى صدد هذا الموضوع فما كان من توفيق فمن الله ، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان فالله ورسوله منه براء ،وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين . المؤلف ربيع بن أحمد

[1]- الإيقاظ للفلانى ص 68

[2]- إعلام الموقعين لابن القيم 2 / 173

[3]- البحر المحيط لمحمد الزركشى 6 / 326

[4]- التوبة من الآية 71

[5] -رواه مسلم رقم 82 باب أن الدين النصيحة
الفصل الأول

ماهية آلات الطرب

آلات الطرب هى المعازف ، والمعازف هى آلات الملاهي التي يعزف بها ، وتحدث أصواتاً مطربة كالطبل والعود وهذا التعريف فى اللغة والاصطلاح أما فى اللغة فقد قال الفيروزآبادى : المعازف : الملاهي، كالعود والطنبور ، الواحد : عزف أو معزف[1] . وقال ابن منظور : المعازف : الملاهي[2] ، وأما فى الاصطلاح فقد قال ابن تيمية : المعازف :هي الملاهى كما ذكر أهل اللغة جمع معزفة،وهى الآلة التي يعزف بها : أى يصوت بها[3] ، وقال ابن كثير : والمعازف هي آلات الطرب ، قاله الإمام أبو نصر إسماعيل ابن حماد الجوهري في صحاحه ، وهو معروف في لغة العرب وعليه شواهد[4] ، وقال الإمام الذهبي : المعازف : اسم لكل آلات الملاهي التي يعزف بها، كالمزمار، والطنبور، والشبابة، والصنوج[5] .
وقال ابن حجر:هى آلات الملاهي، ويدخل فى المعازف الموسيقى ، فهي أصوات وألحان وأنغام مطربة، تصدر عن آلات لهو، مهما كان اسم هذه الآت.
زبدة ما ذكرنا : المعازف هى آلات الموسيقى كالطبل ، والعود، والأوركسترا ، والماريمبا ، و
القانون، والقيثارة ،و الرباب ، والكمنجه ، وغير ذلك .

[1]- القاموس للفيروزآبادى ص753

[2] - لسان العرب لابن منظور9/244

[3]- مجموع الفتاوى 11/576

[4]- جواب لابن كثير ملحق بكتاب على مسألة السماع لابن القيم 472

[5]- سير أعلام النبلاء للذهبى21 / 158

[6]- فتح الباري لابن حجر 10/55
الفصل الثانى
أدلة تحريم سماع آلات الطرب
جاءت أدلة كثيرة من السنة تنضح بتحريم المعازف باستثناء الدف في حالات معينة كالعرس والعيد والجهاد ، وبدلالة اللزوم مادامت المعازف حرمت فقد حرم ما يصدر منها من موسيقى فمن المعلوم أصولياً أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عنه من باب أولى ، ومادامت هناك أحاديث واضحة جلية فى تحريم المعازف والموسيقى ، وهناك علماء قالوا بالجواز فإذن مسألة حكم المعازف والموسيقى من مسائل الخلاف لا من مسائل الاجتهاد ، ومسائل الخلاف هى المسائل التى فيها أدلة لا يمكن فهمها على أكثر من وجه فالفقيه الذى يستدل بها له لا يمكن أن يُستدل بها عليه أو هى مسائل يجتهد فيها الفقيه اجتهاداً فى مقابلة الدليل أى اجتهاد مع النص أما مسائل الاجتهاد فالأدلة ليست واضحة جلية ، والأدلة تحتمل أكثر من وجه فالفقيه الذى يستدل بها له يمكن أن يستدل بها عليه ففقيه يفهم من الدليل كذا وفقيه آخر يفهم شيئاً آخر فيكون هذا من باب الاجتهاد فى النص فمسائل الاجتهاد هى الاجتهاد فى المسائل التى لم يرد فيها نص أو ورد فيها نص غير واضح الدلالة ،ومسائل الاجتهاد لا ينكر فيها عالم على آخر فهذه المسائل الخلاف فيها معتبر, أما مسائل الخلاف فالخلاف فيها غير معتبر؛ فلا يحتج بأن فى المسألة خلاف إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف؛ فينكر فى مسائل الخلاف على المخالف ؛ لأن الله تعبدنا باتباع رسوله لا باتباع كل عالم فقد قال تعالى :﴿ َفآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[1]،و إنما يُعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة سواء أكانتمما يقوى أو يضعف ، و أما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته الدليل فلا ، فلذلكلا يصح أن يعتد بها في الخلاف ، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة رباالفضل و المتعة و أشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على منخالف فيها، وقد قال القرطبى رحمه الله : لا حجة في قول أحد مع السنة[2]، وإليكم بعض النصوص المحرمة للمعازف والموسيقى :

[1]- الأعراف من الآية 158

[2]- تفسير القرطبى 10 / 131

الدليل الأول : قال رسول الله r: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف… »[1] الحديث رواه البخاري وأبوداود وغيرهما ،ويكفى أن هذا الحديث في صحيح البخارى الذي هو أصح كتب أهل السنة في الحديث حتى يعلم أنه صحيح ، وذهب ابن حزم رحمه الله إلى تضعيف الحديث ، وقد رد العلماء المتخصصون في علم الحديث من المتقدمين والمتأخرين عليه ، وبينوا أنه غير مصيب في رأيه هذا بأدلة علمية قوية[2]، ومن العلماء من ضعف هذا الحديث محتجاً بأن فى متنه اضطراب لكن مثل هذا لا يضعف الحديث فالراوى قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ، ويذكرها تارة أخرى. وجه دلالة الحديث على تحريم المعازف والموسيقى : أخبر رسول الله r أن أناساً يأتون ويستحلون الحر وهو الزنا والخمر والمعازف أى يجعلونها حلالاً فدل ذلك على أنها محرمة في الأصل ، و قيل كلمة يستحلون يعتقدون حلها ، ومادام النص فيه وعيدا بمن يعتقد ذلك فهذه المذكورات محرمة ، ومن العلماء من صرف معنى الحديث من المعنى المتبادر للذهن ( الظاهر) إلى معنى آخر فقال التحريم منصب على الجمع بين هذه الأشياء ، وهذا باطل ؛ لأنه قول بخلاف الظاهر بلا دليل ، فالواو تدل على التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسند إليهما من غير أن يدل على أنهما معا بالزمان أو أن أحدهما قبل الآخر ، فأين الدليل على أن عدم الجمع بين هذه المذكورات ليس حراماً ؟ أو أين الدليل على أن فعل كل واحدة من المذكورات دون الجمع بينها ليس حراماً ؟ والأصل فى الكلام عدم الحذف إلا إذا دل الدليل على الحذف ، وقولهم يستحلون الجمع بين المذكورات كلمة الجمع ليست مذكورة فى الحديث فما الدليل على أن كلمة الجمع محذوفة ؟ فالزنا فقط لم يأت دليل بحله ، وشرب الخمر فقط لم يأت دليل بحله ، وسماع المعازف فقط لم يأت دليل بحله بل قد استفاضت الأدلة على حرمة كل واحدة من المذكورات ، و قول بعض هؤلاء رحمهم الله :بأن النهى عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها فيه إهدار لكثير من النصوص كقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾[4] فهل يمكن لأحد أن يقول من فعل واحدة من المذكورات ليس بمتوعد ؟! فعلم من هذا بطلان قول من قال أن التحريم منصب على الجمع بين الزنا والخمر وسماع الموسيقى ، وزبدة ماذكرنا : الفعل يستحلون دل على أن كل من الزنا والخمروالمعازف محرم ، وقد قرن رسول الله r المعازف مع المقطوع حرمته : الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معهما .

[1] - صحيح البخارى رقم5590 ، وسنن أبى داود رقم 4039

[2]- انظر الاستقامة لابن تيمية 1/294 ، وإغاثة اللهفان لابن القيم ص 228،والسلسة الصحيحة للألباني تعليق على الحديث رقم 91 ، وتحريم آلات الطرب للألباني ص 39

[3]- نيل الأوطار للشوكانى 4/423

[4]- البقرة : 27
الدليل الثانى : قالr : « إن الله حرم علي أو حرم الخمر والميسر والكوبة قال ، وكل مسكر حرام » قال سفيان فسألت علي بن بذيمة عن الكوبة قال الطبل[1] . وجه دلالة الحديث على تحريم سماع الموسيقى : الكوبة هي الطبل فالطبل محرم ،والتحريم لا ينصب على الذوات ،وإنما على الأفعال المتعلقة بالذوات ، فتحريم الخمر مثلا تحريم شربها ،وتحريم الأم على الولد تحريم النكاح منها ،وتحريم الميتة تحريم أكلها ،والفعل المتعلق بالطبل هو العزف ،وإحداث الطرب والموسيقى ،ومادام الطبل محرما ،وهو من آلات الطرب فيدخل أيضاً فى التحريم كل آلات الطرب الأخرى ،ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاءت النصوص الشرعية باستثنائه وهو: الدف في حالات معينة فقد رخص للنساء ضرب الدف فى المناسبات فقد قال r : « فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف »[2] وعن بريدة خرج رسول الله r فى بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب بين يديك بالدف ،وأتغنى فقال لها رسول الله r : « إن كنت نذرت فاضربي ،وإلا فلا » فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه فقال رسول الله r : « إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالساً وهي تضرب, فدخل أبو بكر وهي تضرب, ثم دخل علي وهي تضرب, ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف »[3] أما الرجال فلا يجوز لهم الضرب بالدف فى المناسبات ؛ لأنه تشبه بالنساء ، و الأحاديث الصحيحة جاءت بضرب النساء للدف ،وضرب الدف من فعل النساء فلا يصح للرجال ، وبعض العلماء رحمهم الله قال لفظ الكوبة مشترك أى له عدة معان فلا يحمل على معنى من معانيه إلا بدليل نقول نعم لفظ الكوبة له عدة معان فقد قال ابن منظور : الكُوبة الشِّطْرَنْجَةُ والكُوبَةُ الطَّبْل والنَّرْدُ ، وفي الصحاح الطَّبْلُ الصَّغير المُخَصَّرُ قال أَبو عبيد : أَما الكُوبة فإِن محمد بن كثير أَخبرني أَن الكُوبَةَ النَّرْدُ في كلام أَهل اليمن ، وقال غيره الكُوبَةُ الطَّبْلُ[4] ا.هـ لكن لفظ الكوبة جاء فى حديث ابن عباس وابن عمر مفسراً بمعنى الطبل وجزم به الإمام أحمد ، ومادام اللفظ فسر فلا يجوز تأويله بغير ما فسر به ، فلا اجتهاد مع النص ، وزبدة ما ذكرنا : الكوبة من آلات العزف والطرب التي كانت معروفة عند العرب ؛ وجاء في بعض روايات هذا الحديث أنها : الطبل ،والأحاديث يفسر بعضها بعضاً وعليه فيدخل فى التحريم كل ما يعزف به إلا الدف.

[1] - رواه أبو داود فى سننه ، وصححه الألبانى فى صحيح وضعيف سنن أبى داود رقم 3696 ، وانظـر تعليق الألبانى رحمه الله عليه فى السلسلة الصحيحة رقم 1806 و 2425، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على \" المسند \" في الموضعين ( 4 / 158 و 218 )

[2]- حديث فى سنن ابن ماجة ، وقد صححه الألبانى فى صحيح وضعيف سنن ابن ماجة حديث رقم 1538

[3]- جامع الترمذي قال الشيخ الألبانى : صحيح حديث رقم 3690 دار إحياء التراث العربي

[4] - لسان العرب لابن منظور 1/729 الناشر : دار صادر - بيروت

الدليل الثالث :عن نافع قال : سمع ابن عمر مزماراً ، قال : فوضع أصبعيه على أذنيه ، ونأى عن الطريق ، وقال لي : يا نافع هل تسمع شيئاً ؟ قال : فقلت : لا ، قال : فرفع أصبعيه من أذنيه ، وقال : كنت مع النبي rفسمع مثل هذا ، فصنع مثل هذا[1]. وجه دلالة الحديث على تحريم سماع الموسيقى : أن النبى r وضع أصبعيه على أذنيه فهذا دليل على أنهذا الصوت منكر ، ومادام الصوت الخارج من المزمار منكرا فالمزمار نفسه منكر ؛ لأنه الوسيلة المستخدمة فى إحداثه ، وقد توهم بعض العلماء رحمهم الله أن هذا الحديث ليس دليلاً على التحريم ، إذ لو كان كذلك لأمر رسول الله rابن عمر رضي الله عنهما بسد أذنيه ، ولأمر ابن عمر نافعاً كذلك ! فيجاب بأنه لم يكن يستمع ، وإنما كان يسمع ، وهناك فرق بين السامع والمستمع ، والحق أن السماع شيء والاستماع شيء آخر؛ فالسماع يكون بغير قصد، أما الاستماع فيكون بقصد ؛ ومثال ذلك من الواقع : عندما تذهب لبعض الأسواق لغرض التسوق لحاجاتك ؛ فإنك ستجد أن هذا السوق يبث فيه بعض أنواع الموسيقى والأغاني فأنت هنا قد تسمعها بحكم أنها تبث في السوق ، ولا تقصد سماعها ، ولهذا لو سألك سائل عن عبارات هذه الأغنية فإنك ستقول لا أدرى ؟ لأنك كنت مشغولاً بالتسوق والبحث عن حاجاتك ، ولم تذهب لقصد سماعها؛ فأنت هنا تسمى سامعا ، ولا تسمى مستمعا ، و قال شيخ الإسلام : ( أما ما لم يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه نهي ، ولا ذم باتفاق الأئمة ، ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع فالمستمع للقرآن يثاب عليه ، والسامع له من غير قصد ولا إرادة لا يثاب على ذلك، إذ الأعمال بالنيات ، وكذلك ما ينهى عنه من الملاهي ، لو سمعه السامع بدون قصده لم يضره ذلك )[2] ، وقال ابن قدامة : ( والمستمع هو الذي يقصد السماع ، ولم يوجد هذا من ابن عمر رضي الله عنهما ، وإنما وجد منه السماع ، ولأن بالنبي حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه ؛ لأنه عدل عن الطريق ، وسد أذنيه ، فلم يكن ليرجع إلى الطريق ، ولا يرفع أصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه ، فأبيح للحاجة)[3] وزبدة ماذكرنا : سد النبى r لأذنيه من أبين الأدلة على حرمة الاستماع إلى الموسيقى فسد الأذن عن سماع الموسيقى حتى لا يكون ذريعة إلى استماعه دليل على حرمة استماعها .

[1]- رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح وضعيف أبى داود 4116.

[2] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 10/78

[3] - المغنى لابن قدامة 10/173
الدليل الرابع : عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : قال النبي r : « صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة »[1] رواه البزار ورواته ثقات. وجه دلالة الحديث على تحريم سماع الموسيقى : نهى النبى r عن الصوت الذى يصدر من المزمار ،والصوت الذى يصدر من المزمار هو صوت المزمار أى الموسيقى الصادرة من المزمار فدل هذا على تحريم الموسيقى ، وقال ابن القيم : ( إذا نهى عن الصوت الذى يفعل عند نعمة التى يعذر الإنسان عندها ؛إذ هى محل فرح وسرور كما رخص فى غناء النساء فى الأعراس والعياد ونحو ذلك فلئن ينهى عنه فى غير هذه الحال أولى وأحرى )[2] .

[1]- صحيح الترغيب والترهيب للألبانى حديث رقم 3527

[2]- كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء لابن القيم ص 205 مكتبة السنة سنة 1411هـ

الدليل الخامس : أن النبى r نهى عن كسب الزمارة[1] . وجه دلالة الحديث على تحريم الاستماع إلى الموسيقى : إذا نهى النبى r عن كسب من وراء الزمارة ، وهى ما يزمر بها من آلات الطرب فاستعماله فى إحداث الموسيقى حرام ؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ،ويدخل فى التحريم جميع المعازف ؛ لأنها تحدث موسيقى أى تشترك مع الزمارة فى إحداث الموسيقى ، ويستثنى الدف لورود نصوص باستثنائه . وبعد فهذه بعض الأدلة على حرمة الاستماع إلى الموسيقى ، وإليك بعض أقوال العلماء : قال ابن تيمية : المعازف هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة ، جمع معزفة وهي الآلة التي يعزف بها : أي يصوت بها ، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعاً… ولكن تكلموا في الغناء المجرد عن آلات اللهو : هل هو حرام ؟ أو مكروه ؟ أو مباح ؟[2] . قال ابن الصلاح : وأما إباحة هذا السماع وتحليله ، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت ، فاستماع ذلك حرام ، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين . ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع[3]. قال ابن كثير : والمعازف هي آلات الطرب ، قاله الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في صحاحه ، وهو معروف في لغة العرب وعليه شواهد ، ثم قد نقل غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على تحريم اجتماع الدفوف و الشبابات ، ومن الناس من حكى في ذلك خلافاً شاذاً[4] . وقال ابن رجب : سماع آلات الملاهي لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيه ، وإنما يعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ممن لا يعتد به ، ومن حكى شيئاً من ذلك فقد أبطل[5]. قال ابن حجر الهيثمي : الأوتار والمعازف ، كالطنبور ، والعود ، والصنج ذي الأوتار ، والرباب ، والحنك ، والكمنجه ، والسنطير ، والدريج ، وغير ذلك من الآت المشهورة عند أهل اللهو والسفاهة والفسوق ، كلها محرمة بلا خلاف ، ومن حكى فيها خلافاً فقد غلط أو غلب عليه هواه حتى أصمه وأعماه ومنعه من هداه ، وزل به عن سنن تقواه[6] . عن أبي حصين : أن رجلاً كسر طنبور الرجل ، فخاصمه إلى شريح فلم يضمنه شيئاً[7].

[1]- السلسلة الصحيحة للألبانى حديث رقم 3275

[2] - مجموع الفتاوى لابن تيمية11/576

[3] - إغاثة اللهفان لابن القيم1/228

[4] - جواب لابن كثير ملحق بكتاب على مسألة السماع لابن القيم 472

[5] - نزهة الأسماع لابن رجب ص 69

[6] - كف الرعاع عن محرمات السماع لابن حجر الهيثمى ص124

[7] - مصنف ابن أبى شيبة 5/395 دار الفكر
الفصل الثالث أدلة مبيحى سماع آلات الطرب ومناقشتها

الدليل الأول : الأحاديث التى أتت على ضرب النساء للدف فى العرس والعيد وعند قدوم الغائب . مناقشة الدليل : هذا خارج عن محل النزاع فالمعازف لا يستثنى منها إلا ما جاءت النصوص الشرعية باستثنائه ،وهو الدف في حالات معينة كالعرس والعيد.
الدليل الثانى : سماع النبى r الشعر، وكان الصحابة يرتجزون بين يديه ،والشعر فيه طرب. مناقشة الدليل : هذا خارج عن محل النزاع فالشعر حسنه حسن ، وقبيحه قبيح أما الموسيقى فقد وردت الأحاديث بتحريمها ، ولا قياس مع النص كما أن الشعر أيضاً لا يطرب كما تطرب الموسيقى .
الدليل الثالث : خروج النساء ،وهن يضربن بالدف لاستقبال النبي r عند الهجرة . مناقشة الدليل والاستدلال : هذه القصة لا تثبت فهي ضعيفة السند ، إذ سقط من إسنادها ثلاثة رواة أو أكثر ، ولو صحت لكان فيها دليل على جواز ذلك عند قدوم الغائب كما مر معنا ، وقد ضعف القصة الحافظ العراقي والألباني وغيرهما .
الدليل الرابع : عن نافع مولى ابن عمر : أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع ، فوضع أصبعيه في أذنيه ، وعدل راحلته عن الطريق ، وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلت : لا ، فوضع يديه ، وأعاد راحلته إلى الطريق ، وقال : [ رأيت رسول الله r وسمع زمارة راع فصنع مثل هذا ] وقد رواه أحمد وأبوداود . قالوا : فلو كان سماع الزمارة حراماً ، لأمر ابنُ عمر نافعاً أن يسد أذنيه .
مناقشة الاستدلال : سدَ النبي r لأذنيه وسدَ ابن عمر لأذنيه من أوضح الأدلة على أن ذلك الصوت من المنكر ،و المحرم هو الاستماع لا السماع وفرق بين الأمرين ، فالاستماع : هو قصد السماع ، أما السماع فيطلق على مجرد ملاقاة الأصوات للسمع دون قصد ، وهذا مثل من كان مجتازاً بطريق فمر على من يقول كفراً أو كذباً أوغيبة ، فسمع ذلك منه دون استماع ، لم يأثم بمجرد السماع باتفاق المسلمين ، ولو جلس واستمع إلى ذلك ، ولم ينكره لا بقلبه ، ولا بلسانه ولا بيده ، كان آثماً باتفاق المسلمين ، فلو أن ابن عمر ونافعاً لم يسدا أذنيهما فلا شيء عليهما ؛ لأنهما لم يقصدا الاستماع ، ولا تلازم بين القول بتحريم آلات المعازف وبين وضع الأصابع في الأذنين عند سماعها ، فالقائلون بتحريم آلات المعازف لا يوجبون على أحد أن يضع أصبعيه في أذنيه عند سماعه لآت المعازف دون قصد .
الدليل الخامس :قال القاضي أبوبكر بن العربي في كتابه \"الأحكام\": لم يصح في التحريم شيء ، وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة ، وقال ابن حزم : كل ما روي فيها باطل موضوع.
وإذا سقطت أدلة التحريم بقي الغناء على الإباحة الأصلية، فكيف وقد جاءت نصوص ثابتة تفيد حل الغناء. نكتفي منها بما ورد في الصحيحين أن أبا بكر دخل على النبي في بيت عائشة وعندها جاريتان تغنيان فانتهرهما أبو بكر وقال : أمزمور الشيطان في بيت رسول الله r ؟ فقال النبي عليه السلام : ( دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) ولم يرد ما ينهى عن الغناء في غير العيد ، وإنما المعنى أن العيد من المواطن التي يستحب فيها إظهار السرور بالغناء وغيره من اللهو البريء .هذا كلام الشيخ القرضاوى فى كتابه الحلال والحرام . مناقشة الدليل : القول بأن أحاديث الغناء لم يصح فيها شىء إن قصد كلمات الغناء فنعم ، وإن قصد كلمات الغناء مع الموسيقى أو الموسيقى فباطل لورود سيل من الأحاديث يتحريم المعازف باستثناء الدف ، وكون ابن حزم أخطأ فضعف حديثا فى البخارى أصح كتاب بعد كتاب الله فليس معنى هذا أن الحديث الذى رواه البخارى ضعيف ، والحجج التى استدل بها على تضعيفه حجج واهية رد عليه العلماء من القدامى والمتأخرين كابن تيمية وابن القيم والألبانى ، وإليك بعض الأئمة الذين صححوا الحديث على رأسهم أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخارى وابن حبان والإسماعيلى و ابن الصلاح و النووى و ابن تيمية و ابن القيم و ابن كثير و الحافظ ابن حجر و الحافظ العراقى والحافظ السخاوى و الأمير الصنعانى ثم إن حديث البخارى ليس هو الحديث الوحيد فى تحريم الموسيقى فعلم بهذا فساد قول ابن حزم رحمه الله أما حديث الجاريتين فهو دليل لنا لا علينا فقد سمى أبو بكر الغناء مزمور الشيطان ،ولم ينكر عليه النبى r بل قال إنه استثنى من الحكم لوجود مناسبة ،وهى العيد ثم الدف خارج عن محل النزاع ،وفى الحديث : « فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف »[1] ،وقولهم : وإذا سقطت أدلة التحريم بقي الغناء على الإباحة الأصلية هذا فى شأن الغناء الذى هو الكلمات فحسنها حسن وقبيحها قبيح أما الكلمات المصحوبة بالموسيقى أو الموسيقى فقد وردت أحاديث صحيحة صريحة فى تحريمها .
الدليل السادس : روى عن النبى r أنه قال : « ما أذن الله عز وجل لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن »[2] . مناقشة الدليل والاستدلال :هذا الحديث ضعيف ففى إسناده ميسرة مولى فضالة ، وهو مجهول العين ، وفيه كذلك الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية ، وقد عنعن ومع التسليم جدلاً بصحة الحديث فليس فيه إلا جواز تشبيه المحمود بالمذموم ، ولا يلزم من ذلك تساوى المحمود بالمذموم بل يكفى اشتراكهما فى صفة ما فلو قال شخص وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر كان الكلام صحيحاً ، وإنما وقع التشبيه بالإصغاء فى الحالتين[3]. الدليل السابع : سماع السلف أبيات الشعر بالألحان . مناقشة الدليل : هذا باطل فالثابت عن السلف إنكار ذلك . الدليل الثامن : لا فرق بين الصوت الخارج من المزامير والأوتار وصوت الطيور فإذا كان سماع صوت الطيور جائزا فكذلك سماع صوت المزامير والأوتار فصوت المزامير يشبه صوت الطيور . مناقشة الدليل : جاءت النصوص بتحريم سماع المعازف لا بتحريم سماع أصوات الطيور ،ولا قياس مع النص فهذا مخالف لما هو مقرر فى الأصول . وبعد فكل ما استدل به مبيحى سماع الموسيقى إما صحيح خارج عن محل النزاع كضرب النساء والجوارى الدف فى المناسبات ، وكاستدلالهم بسماع النبى r للشعر ، وإما أحاديث ضعيفة كسماع السلف أبيات شعر بألحان والأحاديث الضعيفة لايحتج بها فى الأحكام اتفاقاً ،وإما قياس مع النص كاستدلالهم بجواز سماع صوت الطيور على جواز سماع المعازف .

[1]- حديث فى سنن ابن ماجة ، وقد صححه الألباني فى صحيح وضعيف سنن ابن ماجة حديث رقم 1538

[2]- سنن ابن ماجة ضعفه الألبانى فى صحيح وضعيف سنن ابن ماجة رقم 1340

[3]- انظر تلبيس إبليس ص 269

الفصل الرابع شبهة والرد عليها
أيها الأخوة والأخوات اعلموا أن البعض يمكن أن يقول يكفى أن يقلد أحد العلماء في مسائل الشريعة وابن حزم من العلماء ، فلو قلده في مسألة المعازف فلا لوم عليه . ،ونرد على هؤلاء بما يلى : إن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا إذا وقع النزاع في مسألة شرعية أن نردها إلى الكتاب والسنة ، فقد قال سبحانه : ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾[1] وإذا وضح الحق فلا يجوز تقليد أحد فى خلافه فالإمام الذى أفتى بخلاف الدليل إما أن يكون بلغه هذا الدليل وخالفه ،فهو ملوم ،وإن لم يبلغه فهو معذور أما العامي الذى بلغه الدليل فليس بمعذور

[1]- النساء:59

الخاتمة : قد وردت أحاديث من السنة واضحة جلية فى حرمة المعازف ،وبعض العلماء رحمهم الله اجتهدوا فى إباحة المعازف رغم أن النصوص واضحة؛فهم بذلك مخطئون ، ولا يجوز تقليدهم فيما أخطئوا فيه ،وقول الرسولr هو الحق الذى يجب اتباعه هدانا الله إلى الحق والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.وكتب ربيع أحمد سيد طب عين شمس الفرقة السادسة الأحد24/12/2006 م