مناقشة القول بحجية الخلفاء الراشدين

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعـده ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد : فقد قال r : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل محدثة بدعة . وكل بدعة ضلالة »[1] و قال r : « اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ »[2] . وقال r : « فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا »[3]فقد أمر النبي r باتباع سنة الخلفاء الراشدين ،وهذا أمر مطلق غير مقيّد كما هو الحال في وجوب اتباع سنته، ومن هذه الأحاديث ذهب فريق من العلماء إلى القول بحجية قول الخلفاء الراشدين
،وقد ظهر الاختلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في بعض الأحكام فقد ساوى أبو بكر في توزيع الأموال الخراجية وقد فاوت فيها عمر رضي الله عنه ، وكان أبو بكر يرى طلاق الثلاث واحدا ، وعمر كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا ، وقد منع عمر المتعتين ، ولم يمنع عنهما أبو بكر فيلزم من تفسير الحديث على هذا المعنى أن يكون الناس مأمورين بالعمل بالمختلفين ،وذلك لا يليق بحال النبيr ،و و لذلك كان هذا القول فيه نظر ،فليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقتهr، ويكون معنى الحديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي أي أن الخلفاء الراشدين أهل للاقتداء بهم
ففي قوله r : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) دليل على أن سنة النبي r هي هي سنة الخلفاء ،وليست سنة النبي r مختلفة عن سنة الخلفاء فهناك تشابه لفظي في قوله r : ( سنتي ) وقوله r : ( سنة الخلفاء ) ،وعرفت السُنة بالإضافة في قوله r : ( سنتي ) وقوله r : ( سنة الخلفاء ) ،ومن المعروف في اللغة أن الاسمين المكررينعندما يكونا معرفتين.. دل على أن الأول هو نفس الثاني ـ غالبا ـ ليدل علىالمعهود.[4] مثال ذلك قوله تعالى في سورة الفاتحة قوله تعالى : ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ فالصراط في المَوضع الأول معرفة بأل.. والصراط بالثاني معرفة بالإضافة والمراد بالاسم الأول الاسم الثاني.. فصراط الذين أنعمالله عليهم هو نفس الصراط المستقيم. وأيضا قوله تعالى : ﴿ َوقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ..... ﴾[5]فكلمة زينتهن كررت مرتين فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي : أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو ، وفي قوله r : ( تمسكوا بها وعضوا عليها ) عود الضمير على سنة النبي r ،وسنة الخلفاء بلفظ المفرد لا بالتثنية مما يدل على أنهما سنة واحدة ،وهو من باب الجمع بين شيئين اثنين ثم ذكر أحدهما في الكناية دون الآخر والمراد به كلامهما معا فالعرب تقول : رأيت عمراً وزيداً وسلمت عليه ، أي عليهما ، وقال تعالى : ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾[6] وتقدير الكلام : ولا ينفقونهما في سبيل الله ،وقال تعالى : ﴿ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾[7] والمراد يرضوهما وقال تعالى : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً ﴾[8] وتقديره : انفضوا إليهما فاكتفى بالضمير الواحد لاتفاق المعنى ؛ كما أن تلازمهما جُعِلا كشيء واحد فعاد إليهما الضمير المفرد ،وفي الحديث الذي نحن بصدده جمع النبي r سنته وسنة الخلفاء بضمير واحد مما يوحي بلا شك أنهما من نفس الجنس ،وأنهما في حكم واحد ، و الفقهاء هذا قول فلان وقول فلان ،وهما نفس القول وليسا متغايرين ،والفقهاء يقولون هذا مذهب فلان ومذهب فلان وهما نفس المذهب وأنت تقول قال والدي وقالت والدتي كذا وهما نفس القول
وأيضا اتباع سنة الخلفاء له ثلاثة تفسيرات : التفسير الأول : أن يكون اتباع سنتهم منفصلا ومغايرا لاتباع سنة النبي r ففي هذه الحال إما أن تنسب إليهم العصمة ، لأن من تساوى أمر اتباعه بأمر اتباع النبي r مع اختلاف سنتهما ، يجب أن يكون كالنبي r معصوما ، فالسنة وحي بلا ريب والوحي معصوم ، والأمر باتباع سنة النبي r هو نفس الأمر باتباع سنة الخلفاء ، إذا تجب عصمتهم . وعند عدم العصمة يكون الأمر باتباع سنة الخلفاء التي يمكن أن يعتريها الخطأ أمرا باتباع الخطأ ، وهذا لا يصح . ولكن لا تثبت عصمتهم ولا يؤيدها الحال فقد أخطأ الخلفاء في بعض المسائل فعمر رضي الله عنه الخليفة الراشد وخلفه عثمان رضي الله عنه الخليفة الراشد أيضا يمنعان الناس من التمتع بالحج ،ويعترض على ذلك عمران بن حصين وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهما ،وقد جاء التمتع في كتاب الله ،وأمر ربه رسول الله r أصحابة ....وعمر رضي الله عنه يخفى عليه حديث الاستئذان ثلاثا ،ويطلب من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه البينة[9] ،وهذه بعض ما جانب فيه أحد الخلفاء الصواب فإذا لا يصح القول بأن النبي r قد أمر باتباعهم مع مغايرة سنتهم لسنته ، وذلك لعدم عصمتهم . والتفسير الثاني أن لا تنسب إلى الصحابة العصمة ، فيكون النبي rقد أمر باتباعهم في سنتهم المغايرة لسنته رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والشك والريب .وهذا لا يصح ،والتفسير الثالث: أن يكون اتباع سنة الخلفاء الراشدين هو اتباع لسنة النبي r تكون عبارة \" وسنة الخلفاء \" تدل على شدة حرص هؤلاء الصحابة على الالتزام بالسنة أكثر من غيرهم . ولم يظهر من الخلفاء الراشدين دعاء الناس إلى أقاويلهم ، ولو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله r يدعو الناس إلى العمل بقوله، وكما كانت الصحابة تدعو الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه ، إذ الدعاء إلى الحجة واجب ، ولأن قول الواحد منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة، و لو كان اجتهاد الخلفاء الراشدين حجة فَيَلْزَمْ من هذا تَحْرِيمُ الِاجْتِهَادِ عَلَى باقي الصحابة إذْ أفتى الخلفاء في المسألة ،و ومن المعلوم أن باقي الصحابة كَانُوا يُخَالِفُونَ الخلفاء في بعض أقوالهم وَكَانُوا يُصَرِّحُونَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا ظَهَرَ لَهُمْ ، وَأيضا إِيجَابُ اتِّبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ من الخلفاء مُحَالٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَسَائِلَ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ إمَّا أَمْرُ الْخَلْقِ بِالِانْقِيَادِ وَبَذْلِ الطَّاعَةِ لَهُمْ ، وهذا واضح في قوله r : « فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا »[10]وقد رأينا أن بعض الصحابة يخالف الخلفاء الراشدين برأيه فكان ذلك اتفاق منهم على أن قول الخلفاء ليس بحجة ، وإن قيل هَذَا الْخِطَابَ للعوام ، وَهُوَ تَخْيِيرٌ لَهُمْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ إذْ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ صَحَابِيًّا آخَرَ ، يقال كَمَا خَرَجَ الصَّحَابَةُ بِدَلِيلٍ فَكَذَلِكَ خَرَجَ الْعُلَمَاءُ بِدَلِيلٍ
،و نخلص من هذا الكلام بأنه ليس للخلفاءسنة تتبع إلا ما كان عليه النبي r، وقد كانت سنة الخلفاء الراشدين هي نفس سنتهr ، فإنهم أشد الناس حرصًاعليها، وعملاً بها في كل شيء، و كانوا يتوقون مخالفته r في أصغر الأمورفضلاً عن أكبرها ، وكانوا إذا أعوزهم الدليل في كتاب الله وسنة رسوله r عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص، والبحث والتشاوروالتدبير وعليه فلا يكون قولهم حجة هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وكتب ربيع أحمد سيد طب عين شمس الثلاثاء 13 رمضان 1428 هـ 25 سبتمبر2007 م
هوامش :
[1]- سنن أبي داود 2/610 رقم 4607 قال الألباني : صحيح (الناشر : دار الفكر تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد )

[2] - سنن الترمذي 5/609 رقم 3662 ،و 5/610 رقم 3663 قال الألباني : صحيح ( الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون ) وسنن ابن ماجة 1/37 رقم 97 قال الألباني : صحيح ( الناشر : دار الفكر – بيروت تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ) ومسند أحمد 5/399 رقم 23434 قال شعيب الأرناؤوط : حسن

[3]- رواه مسلم في صحيحه 1/472 رقم 681 ومسند أحمد 5/ 298 رقم 22599

[4]- انظر الإتقان للسيوطي 1/560 تحت عنوان قاعدة أخرى تتعلق بالتعريف والتنكير

[5]- سورة النور من الآية 31

[6] - سورة التوبة من الآية 34

[7] - سورة التوبة من الآية 62

[8] - سورة الجمعة من الآية 11

[9]- مفاتيح للفقه في الدين للشيخ مصطفى العدوي ص 83 – 86 دار أهل الحديث الطبعة الأولى 1414هـ - 1994م

[10]- رواه مسلم في صحيحه 1/472 رقم 681 ومسند أحمد 5/ 298 رقم 22599