حضارة الأجناس البشرية المنقرضة

حضارة الأجناس البشرية المنقرضة
الباحث/ عباس سبتي
مارس 1997م
ملخص:
يختلف مفهوم التاريخ من عالم إلى آخر ومن عصر إلى عصر ، ولو أن الأكثر اتفق على ان التاريخ عبارة عن صناعة الإنسان لأحداث مر بها أو تفاعل معها ، أو دونها ولو ان التدوين لم يبدأ مع عصر الكتابة أو عصر التاريخ ، وإنما بدأ مع الإنسان الأول الذي سجل ملاحظاته وأفكاره سواء على شكل رسوم وخطوط او صور أو رموز كتابية
ولعل الإنسان الحديث هو الذي حفظ تاريخه وتاريخ من سبقه من خلال التشريعات التي نزلت من السماء وحديث تطور في \\\" التاريخ \\\" جاء بعد أن اهتم الإنسان بفلسفة التاريخ التي رسمها المصلحون لأقوامهم للاستفادة من سنن التاريخ ، وأكد الباحثون والكتاب على هذه السنن كما فعل ذلك ابن خلدون في كتابه \\\" العبر \\\" وجاء المفكرون الغربيون بعده بنظريات علمية تفسر هذه الفلسفة
جرت محاولات من جانب الأنثروبولوجيين لاكتشاف انواع الأجناس البشرية المنقرضة وتاريخها وحضارتها فهناك إنسان \\\" جاوة \\\" وإنسان \\\" بكين\\\" وإنسان \\\" النياندرتال \\\" والإنسان العاقل ، كانت الأجناس البشرية السابقة تؤمن بالعقيدة او الدين حيث مرت العقيدة بعدة مراحل :
مرحلة الفطرة التي جعلت الإنسان الأول يعتقد وجود قوة غيبية يلتجأ إليها في أوقات الشدة والخطر ، ومرحلة العقل بعد تطوره خاصة في عصر إنسان \\\" بكين \\\" والاتصال بالأجناس التي سبقته بهدف زيادة النسل ، ومرحلة النبوة منذ (100) ألف سنة من خلال الأدلة كفن الموتى وترك الحلى وغيرها مع الميت مما يدل على إيمانه بالبعث
يتناول البحث عصر الأجناس البشرية المنقرضة من خلال العلاقة بين الخالق والمخلوق وتتمثل العلاقة بعمارة الأرض وإقامة المدنيات
المقدمة :
الإنسان صانع تاريخه وصانع مستقبله ، من هذه الجملة أحاول أن اعطي مقدمة لهذا البحث الذي يتناول التاريخ كمفهوم إسلامي بعد ظهور تفاسير غربية حاولت أن تعطي للأجيال مفهوما بعيدا عن واقعهم وعن عقيدتهم وذلك في غياب المفهوم الإسلامي للتاريخ غيابا تاما او شبه تام ، المفهوم الإسلامي للتاريخ عبارة عن امنية لدى بعض المؤرخين وأساتذة الجامعات وقد تكون هذه الأمنية على شكل \\\" محاضرة \\\" او تكون بتأليف \\\" كتاب\\\" يخصص فصلا منه لطرح المفهوم الإسلامي للتاريخ ، وقد يرجع هذا الغياب أيضا ما يتعلمه الأبناء في الجامعات من خلال المنهج الدراسي الذي يكون في الغالب عبارة عن منهج غربي لا يعطي للإسلام وضعا طبيعيا في العلوم الإنسانية وبالتالي أصبحت الأمة المسلمة عالة على الغرب تلتمس منه درب المستقبل لأنها امة فقدت شخصيتها العلمية وأصالتها التاريخية ، بينما كانت هذه الأمة قد كونت نفسها وتاريخها ومستقبلها من خلال فترات مرت مر السحاب وأخذت تقلد الأمة بعد ذلك كي تحيى من جديد فقلدت الغرب وأخذت منه العلوم المادية والإنسانية في الجانب النظري خاصة القرن التاسع عشر الميلادي وأصبحت لا تنتمي إلى الإسلام إلا اسما ولا تنتمي إلى الغرب إلا شكلا وفي نفس الوقت تريد أن تأخذ منه المادة والجوهر معا لخلق المستقبل والمصير
كيف أصبحت هذه الأمة مع كثرة عدد أفرادها ومواردها لا تشكل ثقلا في الميزان الدولي ؟ ذلك بسبب تبعيتها للغير فلا هي تستطيع اللحاق بالغرب بسبب تأخرها العلمي والتكنولوجي ولا هي تستطيع أن تقدم شيئا مهما للإنسانية ، فهل آن الأوان أن نرجع إلى تاريخنا كأمة لا لتعيش الذكريات الماضية كلما ألمت بنا الازمات ، بل لنأخذ تاريخ الماضي معلما نضيء درب المستقبل ونصنع تاريخنا لنكون امة \\\" شاهدة \\\" ورائدة مثلما كان الأجداد
صناعة التاريخ ( المستقبل) لا تعني أن نقدم شيئا جديدا ينتفع به الآخرون فقط وإنما المستقبل عبارة عن قطعة من الزمان متصلة بالقطع الأخرى أي أن البشرية تسير في خط واحد تنظر إلى الأمام وتخزن أصداء الماضي في ذاكرتها لتستفيد منها في الحاضر والمستقبل
الكويت 20/3/1997م

الفصل الأول :
مفهوم التاريخ – تدوينه – فلسفته – تقسيماته
مفهوم التاريخ :
التاريخ علم من العلوم الإنسانية لازم الإنسان في أقدم عصوره ، صحيح لم يعرف الإنسان هذا العلم إلا حديثا إلا أنه صنع هذا العلم وولد معه سواء شاء أو أبى ، والأجناس البشرية جنس قائم بذاته يختلف عن بقية الأجناس الحيوانية ، فالحيوان لم يحفظ تاريخه ولا يعرف ماضيه بل سجل الإنسان ملاحظاته عن الحيوان فعرفنا تاريخ الحيوان من خلال تاريخ الإنسان
مع التسليم بوحدة تاريخ البشر إلا أن الآراء تعددت في مفهوم التاريخ ومرد ذلك قد يرجع إلى اختلاف الأزمنة والأمكنة وبالتالي إلى اختلاف آراء الناس ، فمرة يطلق على التاريخ كمفهوم أنه عبارة عن سرد الحوادث سردا قصصيا لأن الإنسان عرف بحبه الحكايات والقصص خاصة القديمة منها لمعرفة ماضيه ولتسلية حاضره ، ومرة المفهوم عبارة عن حادثة مهمة في حياة الناس فتأخذ كأساس لتسجيل بداية تاريخ الأمة أو تميز حوادث مهمة تحياها الأمة جيلا بعد جيل
عند المؤرخ ( هيرودت) مفهوم التاريخ عبارة عن بحث وتحقيق ومعرفة ما يحصل عليها الباحث بالبحث والتحري ، ومرة يكون المفهوم عبارة عن إجابة لسؤال هو : ما جدوى درس التاريخ القديم ؟ وقد تكون الإجابة تطور قصة الإنسان منذ أقدم عصوره وفهم حاضره وما وصل إليه والتاريخ عبارة عن ذاكرة للجنس البشري
في العهد الإسلامي أبان حضارة الإسلام وازدهارها أخذ التاريخ دوره كعلم بين العلوم واهتم به العلماء من جيل إلى جيل فاختلف في مفهوم التاريخ من زمن إلى آخر ومن عالم إلى آخر ، فعند المسعودي التاريخ عبارة عن علم يستمتع به العالم والجاهل ( مروج الذهب ) وعند المقريزي التاريخ فيه تتهذب النفس وتروض الأخلاق ( الخطط ) وعند الجبرتي التاريخ عبارة عن العظة والاعتبار وبه يقيس العاقل نفسه على من مضى من أمثاله في هذه الدار ( عجائب الآثار في تراجم الأخبار )
في العصر الحديث اختلف مفهوم التاريخ من مؤرخ إلى آخر لكن عند معظم المؤرخين التاريخ عبارة عن حركة اجتماعية ناتجة عن فعل الناس أكثر من فعل الساسة ، وعند ( الداروينية ) عبارة عن الصراع من أجل البقاء ( تطور الأجناس ) وعند المؤرخ عبدالحميد الصديقي هو حركة الإنسان لطلب السعادة ( تفسير التاريخ )
من هذه الآراء يمكن القول أن التاريخ عبارة عن تفاعل مكان ( ساحة ) + زمان + إنسان ، بمعنى أن وجود الإنسان على الأرض وإخضاعه لمواردها يعني أنه سجل اعماله وبالتالي حصلنا على تاريخ مدون ، ويمكن القول أيضا أن التاريخ عبارة عن تفاعل الإنسان مع بيئته ( الطبيعية ) باستخراج قوانينها كالتسخير كما في المفهوم القرآني (1) وعلاقة الإنسان بربه وبالكون ومعرفة سنن وقوانين الطبيعة التي أودعها الخالق كي يستفيد منها المخلوق
تدوين التاريخ:
إذا بدأ التاريخ مع الإنسان فما معنى القول أن هناك عصورا قبل التاريخ وعصورا بعده ؟ أو القول ان الإنسان عندما عرف الكتابة ؟ إن معرفة الكتابة شيء والتاريخ شيء آخر ، ويمكن القول أن عصر الكتابة جزء من تاريخ الإنسان ، يقول د. عبدالحميد زايد في كتابه ( مصر الخالدة) : الكتابة ليست الوسيلة الوحيدة لمعرفة التاريخ ، وإنما التاريخ يشتمل على الأمور السياسية والآثار الحضارية والثقافية (2)
ذكر المؤرخون أن الإنسان عرف الكتابة حوالى ثلاثة آلاف سنة ق.م وبالتالي عرف تاريخه المدون بدقة ( 3) هذا القول لا يمثل حقيقة لعدة أسباب منها أن حضارة (دور العبيد ) التي كانت سائدة في العراق منذ خمسة آلاف سنة ق.م احتوت سجلاتها على أسماء المدن ، ومنها في العصر الحجري القديم والحديث عبر الإنسان عن أفكاره ونقش صوراً في الكهوف مما يدل على تدوينه لتاريخه ومعرفة أنواع الحيوانات المعاصرة له ، ومنها ان المصريين القدماء قد عرفوا علم الفلك في سنة (4226) سنة ق.م وأن أقدم بيان بالسنين بدأ في عام (3400) ق.م على حجر (بالرمو) ، وبدأ ( دور الوركاء ) و( جندة نصر ) وهما من الحضارات القديمة في بلاد الرافدين منذ (3500ق.م ) كذلك تعليم أبي البشر الأسماء في قوله تعالى :\\\" وعلم آدم الأسماء كلها \\\" (4) ويقال أن أول من خط بالقلم هو النبي إدريس في حدود (4300ق.م (5)
إذن هذه الأدلة التاريخية شواهد عدم ضبط عصر الكتابة في وقت معين ، وإذا أردنا الصواب نقول أن معرفة الإنسان الكتابة بدأت مع خلق بداية البشر وليس في حدود (300) ق . م
على أي حال تدوين الإنسان تاريخه يتم على أساس ما تركه الإنسان من آثار مادية او نقوش ورموز توحي أنه عرف الكتابة وأنه ضبط تاريخه ومتى وجد على الأرض ، وإن تاريخ النبوات هو الزمن الفاصل بين إنسان سيطر على بيئته ودون تاريخه وحفظه وبين إنسان صمد أمام الكوارث الطبيعية ليعيش ويثبت وجوده بالكاد ولعل حضارة ( دور العبيد ) توحي لنا كدليل تاريخي على أنه أقدم أثر لمعرفة إنسان هذه الحضارة الكتابة ، إن الخط المسماري الذي ظهر في حضارة السومريين يرجع إلى (3500) ق .م وهناك خط شبيه له أو مقارب له في حضارة حضرموت ، ولا استبعد أن هناك أصلا واحدا لهذين الخطين وبما أن عصر بعد الطوفان كان في حدود تلك السنة فأن الخط المسماري كان موجودا أيام نوح وذريته على الأقل قبل الطوفان ، وأن قوم عاد الذين خلفوا قوم نوح كما يشير القرآن الكريم عرفوا هذا لخط في حدود (3000) ق.م
انتشر تدوين اللغة السومرية في حدود (3000) ق.م وما بعدها وما تركه الإنسان على ألواح الطين ، ولكن انقرضت هذه اللغة وطى الزمان عليها الزمان حتى لم يعرف شيء عن السومريين حتى القرن الثامن عشر الميلادي عندما حاول الباحثون كشف رموز هذه اللغة (6) مثلما حلوا رموز اللغة المصرية القديمة بعد العثور على حجر رشيد ، واستدل المؤرخون على وجود حضارة عريقة في وادي النيل (7) كان دور الكهنة في مصر القديمة بارزاً في عملية تطوير الكتابة ، حيث أن هؤلاء كانوا على درجة من الثقافة والعلم بحكم مركزهم وما يتطلبه العمل الكنهوتي من تسجيل واردات دور العبادة ومصروفاتها وعلاقة رجال الساسة بالكهنة التي رصدت في السجلات الرسمية (8)
وكان دور المؤرخين القدامى واضحا في تدوين التاريخ وحفظه للأجيال ، فهذا ( هيكانة الملتي ، Hecatee De Mitt ) من القرن السادس قبل الميلادي ، زار مصر وتحدث عن فيضان وحيوانات مصر وكيف أن الكهنة أمدوه بمعلومات تاريخية ، و(هيرودت Herodote 480-425ق.م ) أول من استعمل كلمة ( Historia ) للتاريخ وله كتاب يعد من أقدم مصدر تاريخي ، و(زنيفون 430-355 ق.م ) و ( مانيتون 323-245ق.م ) و( استرابوا 64 ق.م -19م ) و( ديودور الصقلي ) و ( بلوتارخ الروماني ) و ( جوزيف اليهودي ) وغيرهم من الرحالة والسياح الذين ساهما في وضع قواعد التاريخ القديم (9)
هذا ولا ننسى دور المؤرخين المسلمين الذين كان لهم دور في تدوين تاريخ الخليقة وتاريخ عصور الدويلات الإسلامية ، فهناك من كتب السيرة النبوية مثل ( ابن اسحاق ) الذي اعتمد على مادته التاريخية على ( الزهري) المؤرخ المشهور وعلى الإسرائيليات والقصص الشعبية ، و( ابن هشام ) كتب في السيرة النبوية ، و( عروة بن الزبير ت94هـ ) أول من تناول غزوات النبي (ص) و( أبان بن عثمان ت95هـ) و ( شرحبيل بن سعد ت 133هـ ) ثم جاء بعدهم ( الواقدي وابن كثير وابن سعد ) وظهرت طائفة من الإخباريين مثل أبي مخلف الكوفي ت 175هـ الذي كتب بداية التاريخ البشري حتى نهاية عصر الأمويين ، وعانة بن الحكم ت147هـ وسيف بن عمر ت180هـ ونصر بن مزاحم 212هـ والمدائني 135-225هـ وهو أشهرهم الذي كتب من عهد الرسول (ص) حتى إلى فترة عصر العباسيين ، وظهرت طائفة من المؤرخين المسلمين في القرن الثالث الهجري كتبوا ما يسمى ( التاريخ العالمي ) أي من الخليقة وحتى العصور الإسلامية مثل البلاذري ت279هـ وكتابه فتوح البلدان واليعقوبي ت284هـ وكتابه البلدان أو ما يسمى بتاريخ اليعقوبي وهو يعبر عن فكرة التاريخ العالمي وابن قتيبة ت270هـ وكتابه المعارف وهو أول من رجع إلى كتاب العهد القديم ( التوراة ) لبدء الخليقة وتاريخ الأنبياء واليدنوري 282هـ وكتابه الأخبار الطوال والطبري ت310هـ وكتابه تاريخ الرسل والملوك (10)
في العصور الوسطى عندما كانت الكنيسة مسيطرة على حياة أوربا العامة اتجه تدوين التاريخ نحو خدمة الكنيسة وترسيخ العقيدة المسيحية ومحاربة اعداء الكنيسة ، فظهرت طائفة من أنصار الكنيسة روجت نظرية العناية الإلهية والتي تقول :\\\" التاريخ مسرحية ألفها الله ويمثلها الإنسان \\\" وأشهرهم هو سان أوغستين الذي عاصر فترة انتشار المسيحية في أوريا أواخر الأمبراطورية الرومانية (11) ولكن شهدت أوربا عصرا نقيضا لعصر الكنيسة الوسيط وذلك في بداية القرن الخامس عشر الميلادي على الرغم من ان هناك كتابات حديثة قد ظهرت في القرن الثاني عشر وهي تمثل خصائص عصر النهضة الأوربية الذي بلغ أوج نشاطه في القرنين السابع عشر والثامن عشر عند ظهور عصر التنوير وضعت القواعد والمناهج لدراسة العلوم الطبيعية الإنسانية (12)
بعد تطور علم التاريخ كعلم من العلوم الإنسانية تغير مفهوم التاريخ فلم يعد يقتصر على دراسة الماضي بل شمل الحاضر والمستقبل ، وظهرت فلسفة التاريخ بعد دراسة الحضارات البشرية و أول من استخدم هذا المصطلح هو (فولتير ) (13) ولكن الحقيقة تقال ان ابن خلدون هو اول من نبه إلى دراسة تتابع وتطور الحضارات في كتابه ( العبر ) وهو أول من صاغ هذا المصطلح ومصطلح العمران وعلم الاجتماع (14) وظهر هيجل الفيلسوف الألماني صاحب كتاب ( محاضرات في قلسفة التاريخ ) الذي تناول التاريخ العام أي تاريخ الإنسان والتطور الحضاري ويقصد بذلك دراسة فلسفة التاريخ من خلال فكر الإنسان الذي يميزه عن الحيوان
في القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين الميلادي ظهرت كتابات تنم عن التشاؤم للحضارة الإنسانية وبالذات الحضارة الغربية المعاصرة بسبب طغيان المادة على حساب الأخلاق والروح وبسبب ثورات مؤثرة اجتاحت المجتمع الإنساني أنذاك ، فهذا ( شبنجر 1880-1936م) في كتابه ( انحلال الغرب ) يصور المراحل التي تمر بها الحضارة ، وأن نهاية كل حضارة فناء بعد أن شهد ويلات الحرب العالمية الأولى في أوريا ، وهذا كتاب ( دراسة التاريخ A Study of History ) لارنولد توينبي Arnold Tonbee الذي قرأ كتاب ( انحلال الغرب ) وتأثر بويلات الحرب العالمية الأولى والثانية وما سوف يؤدي ذلك إلى فناء الحضارة الغربية ، وأن الحرب النووية المقبلة سوف تقضي على هذه الحضارة ، والحل في نظره العودة إلى روح الدين والأخلاقيات ( 15)
كتابات العصر الحديث عن التاريخ وفلسفته تأذن بنهاية الحضارة الغربية ، وتحاول هذه الكتابات معالجة الأوضاع المتردية وإنقاذ الحضارة من السقوط وذلك بتغيير النفوس وطرح القواعد الأخلاقية وهذا من وظيفة المؤرخ
وأخيراً لا بد من الحديث عن مصادر التاريخ وكيف يكون المؤرخ مادته العلمية عندما يدون حقبة من حقب التاريخ ، يكون الحديث أو الكتابة عن الأقوام البدائية والأجناس المنقرضة والشبه المنقرضة ناقصاً وذلك لعدم توفر مادة مكتوبة ، ولذلك يعتمد المؤرخ على ما تركته هذه الأجناس من آثار مادية ( أدوات حجرية – أدوات زينة – ملابس -عظام إنسانية وحيوانية – رسوم ) والاعتماد على هذه الآثار المادية لا يكفي لذا على المؤرخ أن يفترض افتراضات علمية لسد النقص والثغرات مما يؤدي إلى عدم إعطاء الصورة الصحيحة والكاملة عن فترة وتاريخ العصور البائدة ، لكن بعد الكشف عن الآثار المكتوبة حوالى (5000) ق.م التي افترضناها في الصفحات السابقة حصل المؤرخ على مادته التاريخية
يمر المؤرخ بمراحل قبل ان يخرج مادته التاريخية وهي:
1- مرحلة جمع المصادر والوثائق والآثار المادية
2- مرحلة النقد : مدى صحة المصادر والوثائق ومدى مطابقتها إلى الحقيقة والواقع
3- مرحلة التأليف بين الحقائق وتركيبها وجمعها والاجتهاد وذلك نتيجة وجود تغرات يجب ملؤها
4- مرحلة التدوين والتأليف وذلك بالطرق:
أ‌- الحوليات أي سنة بعد سنة
ب‌- يبدأ ببدء الخليقة كما في الكتب الدينية
ت‌- عرض الحوادث على شكل قصة
ويستعين المؤرخ بالمصادر التي تساعده على كتابة مادته التاريخية وهي :
1- الآثار المادية مثل الحجارة – الخشب- المعن – أدوات الزينة ...ألخ
2- الآثار الكتابية او المكتوبة وهي السجلات والوثائق المدونة على ألواح الطين و الحجر وورق البردى والجلد والعظم
3- الكتب الدينية : التوراة والإنجيل والقرآن الكريم
4- كتابات المؤرخين القدامى مثل هيرودوت وغيره
5- كتب الرحالة والسياح
6- معرفة اللغات المنقرضة مثل الهيروغليفية والسومرية (16)
فلسفة التاريخ:
ظهرت فلسفة التاريخ كفرع من فروع دراسة علم التاريخ حديثاً على الرغم من أن هذا العلم له جذور إسلامية ، لم يعد التاريخ سجلاً لحوادث الماضي وذكر أعمال الساسة القادة العسكريين فقط وإنما دراسة التاريخ تتم على ضوء المعطيات الإنسانية ، من خلال ما يسمى بالحركة الاجتماعية حيث لا يغيب عن بال المؤرخين بمعنى ألا يقتصر حديثهم عن ذكر سير الملوك والعلاقات الدولية بل أيضا دراسة حركة الشعب ودراسة سير النوابغ وما تركوه من آثار روحية و مادية في المجتمع
تعنى فلسفة التاريخ دراسة الحضارات وتقويمها والاستفادة م تجاربها ، وقد اطلق مفهوم \\\" فلسفة التاريخ \\\" فولتير الفرنسي في القرن الثامن عشر الميلادي إلا أن ابن خلدون يعتبر أول من تناول دراسة الحضارات دراسة وافية وأسس علم الاجتماع فهو يعتبر من واضعي فلسفة التاريخ على الرغم من ان هذه الفلسفة ظهرت كعلم قائم في العصر الحديث ، وبالذات في عصر التنوير في أوربا ، وبما أنا ذكرنا ابن خلدون فلا بأس بالإشارة إلى نظريته في مفهوم الحضارة وتعاقبها ، فهو أول من نبه إلى دراسة الحضارات دراسة كلية واستخراج قواعد ( عبر ) أو سنن تاريخية كما في المفهوم الإسلامي
قسم ابن خلدون الحضارات إلى ثلاثة اطوار :
1- طور البداوة : عبارة عن حياة سكان البادية والصحراء ووجود الأعراف والعادات ورابطة الدم التي تربط أفراد القبيلة الواحدة وشيخ القبيلة الذي يمثل رأس الهرم القبلي
2- طور الحضر : بداية وجود الدولة بعد الاستقرار أو الغلبة أو الفتح ووجود عامل الدين هو الأقوى من رابطة الدم
3- طور التدهور : يبدأ بعد الإسراف والترف اللذين يعمان طائفة معينة من الناس وينتشر الظلم الاجتماعي ويطمع الجياع بمهاجمة الدولة ( ثورة الفقراء )
لقاد ساهم علماء عصر التنوير في تطوير مفهوم فلسفة التاريخ ، حيث ظهرت نظريات في هذه الفلسفة مثل نظرية العناية الإلهية ونظرية التقدم وفعل الإنسان التي تقول بتقدم ودورالعقل الإنساني ويركز أصحاب هذه النظرية على تاريخ الفكر ( العلماء ) وليس على تاريخ الساسة والقادة العسكريين ، واستمرت هذه النظرية طوال القرن اتاسع عشر الميلادي ( 17)
يعتبر فولتير أحد انصار هذه النظرية ونادى بالاهتمام بالحضارات بدلاً من سير الملوك والقادة وانه يجب توسيع دائرة التاريخ لتشمل العالم كله بدلاً من أوربا ، ويقيم احداث التاريخ الأوربي والاستفادة من عوالم القوة وترك عوالم الضعف وينتقد القصص التي ذكرها كتاب العهد القديم وينتقد الحضارة العبرية ، ويقول عن اليهود انهم ليسوا شعب الله المختار كما ادعوا ، ورفض نظرية العناية الإلهية في تسييرحركة التاريخ مدعياً ان الله ( تعالى ) منح الإنسان العقل حيث يستطيع بواسطته ان يتقدم نحو الأفضل في العلوم وغيرها (18)
يعتبر هيجل ممن أرسى قواعد فلفسة التاريخ بعد عصر التنوير ، وترجع فلسفته إلى ذكر المتناقضات حيث أم كل شيء يحتوي على تناقض داخلي ويظهر الصراع بين المتناقضات إلى ان تتطور الروح المطلقة أي الروح المحركة لهذا العالم من النظام الفلسفي ، وأن للتاريخ ظاهراً وباطناً ظاهره عبارة عن الوقائع التاريخية التي تكون في حالة فوضى دون هدف وباطنه الروح التي تسيير العالم نحو اهداف معقولة ، ويعتبر التاريخ انه لا يدرس الماضي فقط بل يهتم بالحاضر من خلال فلسفته ولا يقيم للمستقبل وزنا (19)
نظرية التحدي والاستجابة ( Challenge and Respose ) ترجع إلى ارنولد توينبي المؤرخ المشهور الذي ألف كتاباً موسعاً في فلسفة التاريخ وهو ( دراسة التاريخ ) ، تناول دراسة (21) حضارة قديمة وحديثة ، ويرد الحضارات إلى عامل الدين ويرفض فكرة عالمية الحضارة او وحدتها لأن لكل حضارة عاملاً مستقلاً لا تمت بصلة بحضارة أخرى ، ويقول أن عامل البيئة وحده لا يكفي لنشوء الحضارة ولا عامل الجنس ( العرق ) دليل على قيام الحضارة ، وإنما تقوم الحضارة في بيئة صعبة فيظهر التحدي من قبل الإنسان والاستجابة من قبل البيئة ، وأما سبب انهيار الحضارة فليس مرد ذلك إلى رأي شبنجلر ( Spengler ) الذي يقول ان الحضارة تمر بمراحل الطفولة والشباب والشيخوخة والفناء ، ولا إلى رأي ابن خلدون السالف الذكر ، وإنما هو فقدان الأقلية الحاكمة للطاقة المبدعة فيها فتحكم بالقهر وبالتالي ينهار المجتمع من الداخل ويمكن أن تقف طاقات المبدع عند حد معين ويقاوم ظهور مبدع جيد أو يعادي الأقلية المبدعة ، فيظهر الصراع بينهما فيؤدي إلى التوسع الحربي لتهدئة الأوضاع وبالتالي إلى الانتحار والفناء ( 20) نكتفي إلى هنا بهاتين النظريتين
التفسير الإسلامي للتاريخ :
هل القرآن كتاب تاريخ ؟
إذا أجبنا عن هذا السؤال ب (نعم ) فقد جنينا على القرآن ، وإذا كان الجواب ب (لا) فما معنى وجود كثرة من الآيات التي تذكر تاريخ الأمم السابقة وان هناك سنناً للتاريخ ، يأتي الحل الوسط هو ان القرآن كتاب هداية أي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وأن الآيات التي تطرح سنن التاريخ لا تخرج عن وظيفة القرآن بمعنى ان معرفة سنن التاريخ ودراسة الأمم السابقة تجعلان الأمة المعاصرة لنزول القرآن بل والأمم التي جاءت بعدها تسير في ضوء الهداية الإلهية إذا أرادت هي ذلك ، وهذا يجعل الساحة التاريخية بارزة في القرآن بشكل واضح والقرآن يتناول حركة الانبياء وأقوامهم وهلاك أقوام وولادة أقوام وهو يطرح السنن التاريخية ، وهذه السنن ثابتة تجد الثبات في سنن التاريخ كما في السور : الأحزاب آية 62 ، فاطر آية 43 ، الأنعام آية 23 ، الأسراء آية 77، الكهف آية 55 ، الفتح آية 22 و23 ، آل عمران آيات : 137-141 ( 21) وهذا الثبات في السنن يجعل البشرية تلتفت إلى ما يؤول مصيرها والاستفادة من هذه السنن ونظرتها المستقبلية على ضوء حاضرها ( 21)
الزمان وأبعاده الثلاثة : الماضي – الحاضر- المستقبل يمثل فهمنا لحركة التاريخ وإلا يصبح التاريخ في طيات الكتب ، كذلك العرض القصصي في القرآن يوحي بأجواء تاريخية هادفة والتركيز على النتيجة او العاقبة أكثر من التركيز على الزمان (كوحدة ) أو على الأشخاص ، ولهذا السبب فأن جل المفسرين والمؤرخين الإسلاميين اعتمدوا على التوراة والإنجيل في سد الثغرات الزمانية والمكانية والشخصيات التي لم يجدوها في القرآن ، مع ان القرآن يفند مزاعم العهدين القديم والجديد التي تقول ان الأنبياء كسائر البشر خطاؤن يمارسون الفاحشة مع أقرب الناس إليهم ، وهذا بدوره يعطي للقرآن دوره كسند تاريخي وهو يعرض سير الصفوة المختارة من الناس طالباً تحري الحقيقة ودفع الإفتراءات والأباطيل عن هذه الصفوة
التراث ألتاريخي قصة خلق آدم :
ركز القرآن الكريم على قصة خلق آدم (22) وما تبعته من احداث كي يطرح الانتماء البشري ووحدة الجنس ووحدة الهدف والتاريخ ، ويبين دور الإنسان على الأرض ( الخلافة والاستخلاف وعمارة الأرض ) وإن للإنسان مسئولية عمارة الأرض بما وهبه تعالى من القدرات وما سخر له من قوانين وسنن كل ذلك كأساس لحركة التاريخ (23)
فالإنسان خلق من تراب ومن روح وهذان النقيضان سبب الفعل الإنساني ونتيجته سواء الإيجابي منه أو السلبي ، لكن ليس كما ذهب اصحاب نظرية العناية الإلهية ان الخالق يتحمل هذا الفعل الإنساني وبالتالي جرد ت هذه النظرية مسئولية الإنسان عن فعله ، بل أراد الخالق أن يتغلب الإنسان على نواحي ضعفه من تركيبة ( التراب ) ويستعين بقوة ( الروح ) عن طريق ارتباطه بخالقه وبخط أنبيائه ورسله ، مع ترك للإنسان حرية الإرادة والمسئولية في رسم طريقه حتى يحس بوجوده فيدرك أنه ضعيف ومحتاج إلى من يساعده في هذا الكون الفسيح وهذا ما عبر عنه القرآن بالفطرة ، ويجعله هذا الضعف يدرك أن عليه ان يستعين بخالقه ومنعمه من خلال الرجوع او التوبة إليه ليغفر الخالق له وليستعين المخلوق بخالقه على نوائب الدهر (24)
الاستخلاف في الأرض : قيام الحضارة :
عندما ندرس أي الحضارة لا بد من طرح مقومات هذه الحضارة لتي تقوم عليها لنتعرف على حركة التاريخ من خلال مسيرة الإنسان على كوكب الأرض ، والمقومات هي : الأرض ( الساحة التاريخية ) والإنسان ( الفاعل ) والكون والسنن الإلهية التي أودعها تعالى في الكون لتنظيم الحياة ضمن خططه ومشيئته
قبل أن يخلق تعالى الأجناس البشرية هيأ الأرض التي كانت عبارة عن قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها منذ ملايين من السنين (25) ثم تكونت المحيطات والبحار ثم القارات ، ولما بردت الأرض خلق تعالى وحيدة الخلية ثم الخلايا الأخرى وهكذا إلى اعقد الأحياء من الحيوانات الأسماك والطيور والغابات وغيرها وذلك لتهيئة الأرض لاستقبال الإنسان بعد أن اودع تعالى السنن والقوانين الطبيعية فيها ( 26و27و28 و29 )
خلق تعالى الإنسان ( الجنس البشري الأول ) واستطاع هذا الإنسان أن يستفيد من القوانين والسنن الكونية وأن يتأقلم مع الجو او المناخ فبدأت مسيرته الحضارية الطويلة وظهرت العلاقة بينه وبين الطبيعة من جهة وعلاقته مع خالقه من جهة أخرى ، ولا بد من أن تسير هاتين العلاقتين جنباً إلى جنب وإلا حدث تفريط وإسراف وفساد
برزت العلاقة بين الإنسان والطبيعة ( الكون ) على مدار التاريخ البشري واضحة متمثلة بالحضارة المادية فقد مر الإنسان الأول بعدة مراحل من خلال عيشه وحركته في الأرض : هناك مرحلة جمع الطعام من الطبيعة الغنية بالنباتات ثم انتقل إلى مرحلة إنتاج الطعام بعد أن قلت النباتات في محيط بيئته نتيجة للتغيرات المناخية فزرع الأرض واستأنس الحيوان ليستفيد من لبنه وصوف وجلده واهتدى إلى النار كي يتدفأ ويطهي طعامه وصنع أدواته من الحجارة والعظام والمعادن
وأما العلاقة بين الإنسان وخالقه فقد ظهرت على شكل إرسال الرسل والأنبياء وإنزال الشرائع التي تقوي هذه العلاقة وحتى لا تختل المعادلة او ما يسمى مقومات الحضارة وهي : الأرض + الإنسان + إرادة الله عز وجل
وخضعت الطبيعة ( الكون ) للإنسان لأن الإنسان سيد ورب الأرض من خلال قانون \\\" التسخير\\\" ( راجع الآيات التي تتحدث عن هذا القانون في رقم (1) من الهامش) ، أي أن الطبيعة تخضع للإنسان لأن هناك سنناً وقوانين في الطبيعة يستفيد منها الإنسان في حياته على الأرض ولكي تستمر هذه الحياة من خلال صنع ( الحضارة ) ، لكن لكي يستفيد الإنسان اكثر من هذه السنن الطبيعية ولكي لا يخسر عليه ان يخضع لسيده ولربه وهو الله عز وجل أي يستفيد من عملية ( الاستخلاف ) ولربط بين هاتين العلاقتين أي علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بربه نحصل على المعادلة التالية وهي تمثل حركة التاريخ أو الحضارة :
التسخير + الاستخلاف = العمران
الطبيعة + الإنسان والعقيدة = حركة التاريخ ( الحضارة ) ،
وللإسلام رأي في سقوط الحضارة على ما بينه القرآن الكريم وذلك من خلال وجود خلل في عناصر ومقومات المعادلة السابقة ، فمثلاً أن سيطرة طبقة المترفين أو كما يعبر عنهم القرآن الكريم طبقة \\\" الملأ \\\" على زمام الأمور في المجتمع أو الدولة فأن الحضارة لا محالة ستسقط ( 29) ، وفئة المترفين تنقسم إلى عدة أقسام أو جماعات وشرائح منها الطبقة الحاكمة ثم البطاقة او الملأ وطبقة التجار ، وكل طبقة من هذه الطبقات تستغل نفوذها من اجل الكسب المادي والاجتماعي فتصبح الثروة في يد فئة قليلة في الدولة بينما تعاني بقية الطبقات الحرمان والفقر وبالتالي ينتشر الظلم الاجتماعي في الأمة ، ومن نتيجة هذا الظلم أن تهمل الزراعة والري والتجارة وبقية مناحي الدولة فتضعف الدولة وتسقط أمام الطامعين او الغزاة (30)
وانحراف رجال الدين او الكهنة سبب آخر من أسباب سقوط الحضارة ، وقد يكون هؤلاء العلماء أو الكهنة أو الأحبار مقربين من السلطة السياسية ويستعان بهم على الفتوى وتنفيذ إرادة الحاكم ، وجمع بعض الكهنة والأحبار الأموال وتكديس الذهب والفضة والتنافس في اعتلاء سلك المناصب الكنسية والكهنوتية والعبادية ، ويفرضوا الرسوم والضرائب باسم الدين على الناس مما أدى ذلك إلى عدم ثقة الناس بهؤلاء الكهنة ، ووسعت الهوة والشقة بين البناء الديني ( دور العبادة ) والذي يرمز إلى الخالق وبين الإنسان ، وكان من نتائج هذه الهوة ظهور فئة قادت المعارضة ضد الكنيسة في أوربا أبان العصور الوسطى ومن ثم ظهر عصر جديد في أوربا على انقاض العصور الوسطى وهو عصر النهضة الأوربية
ومن أسباب سقوط الحضارة تقاعس الأمة وسكوتها عن الظلم ، فالأمة تمر بمراحل وهي تواجه الظلم لكنها لا تحس بالظلم كأفراد وجماعات وقد يكون أكثر أفراد هذه الأمة لا يشعرون بالظلم لأنهم يكونون مع الظالمين وهو ما يعبر عنه القرآن ب \\\" الركون \\\" أي الميل إلى الظالمين كما في قوله تعالى :\\\" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار \\\" (31)
وقد تكون \\\" النار \\\" في الآية الكريمة السابقة كناية عن الحرب الأهلية التي تؤدي إلى السقوط الحضاري والله أعلم ، وهناك نار الآخرة وهي ما تركز عليها الآية الشريفة ، وتصل فئة من المجتمع إلى درجة الاستضعاف المذموم كما في الآية :\\\" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض \\\" ( 32) فهذه الفئة تستضعف من قبل الفئة الظالمة وتحل صفة الضعف والاستكانة في الأمة ويسلب دورها أي انها لا تسهم في رفع الظلم ومحاربته بل يصل بها الحال أن يصبح من بعض أفرادها \\\" مجرمين \\\" (33و34)
عرض القرآن الكريم عوامل وأسباب أخرى لا تقل أهمية وخطورة في انهيار الحضارة وقد تكون متداخلة في الأسباب التي مر ذكرها مثل الأسلحة الفتاكة التي صنعها الإنسان لقتل أخيه الإنسان (35) والانحلال الخلقي كما في قصة قوم لوط والانحلال الاقتصادي كما في قوم شعيب (36)
وأخيرا لا يوجد في المفهوم الإسلامي عند استعراض عوامل وأسباب السقوط الحضاري التشاؤم كما نظر أصحاب المدارس الأوربية المادية إلى عوامل سقوط الحضارة ، لكن توجد حتمية تفاؤلية كما قال كما الدين خليل من خلال عودة الأمة إلى بناء ذاتها وتغيير محتواها الداخلي ثم الخارجي ، وقال هذه الحتمية نستخرجها من الآية رقم (140) من سورة آل عمران في قوله تعالى :\\\" وتلك الأيام نداولها بين الناس \\\" (37)
وأحب أن أضيف هنا أن النظرية الإسلامية إن صح التعبير تقول أن الأقوام سوف ينتهي دورهم وأن أجل الأمم من أجل الأفراد فهو أجل محدود ، وأن الإرادة البشرية لها دور في سقوط الحضارة إلى جانب السنة الإلهية ، وأن أفراد الأمة مسئولون عن أعمالهم وأن هذا السقوط يقرب الأمة إلى العالم الآخر ، ويترك هذا السقوط أثراً يجب الاستفادة منه مثل معرفة فلسفة الحياة والكون ، والاستزادة من السنن الكونية ومعرفة موقع الإنسان من الكون والحياة وسيره نحو المطلق الأعلى ( الله ) ومعرفة الذين يسببون هذا السقوط ، وأخيراً لا بد من أن ترث أقوام حضارات أقوام آخرين ( 38)
تقسيم عصور التاريخ :
الإنسان صانع تاريخه إذ يتفاعل مع بيئته ويسجل أفعاله ويؤرخ زمان أحداثه ، وقد شهدت الأرض أجناسا بشرية عدة خلال عمرها المديد وتختلف هذه الأجناس باختلاف البيئات والأزمنة التاريخية ، لذا قسم علماء التاريخ أو المؤرخون عصور التاريخ إلى عدة أقسام كل عصر يميز عن عصر آخر تمييزاً واضحاً تباعاً للفترات المتباينة وتصنيفاً للعصور حتى يسهل للدارس معرفة تاريخ بني جنسه وغيره من الأجناس البشرية
يعتبر هيرودتوت اول من أشار إلى تقسيم عصور التاريخ وسار بعده من المؤرخين ، فقد قسم التاريخ إلى تاريخ اليونان وتاريخ الرومان ، وفي العصور الوسطى قسم المؤرخون الغربيون عصور التاريخ إلى عصور قديمة وعصور حديثة ، ويقصد بالعصور القديمة هي الفترة قبل اعتراف الدولة الرومانية بالديانة النصرانية كدين رسمي للدولة اي قبل سنة 311م ، وتمثل حقبة هذه العصور القديمة الوثنية في أوربا ، وأما العصور الحديثة فهي الفترة التي سادت الديانة النصرانية أرجاء أوربا ( 39)
وأما المسلمون فقد قسموا تاريخهم إلى فترتين ، فترة العصر الجاهلي وهي فترة قبل ظهور الإسلام وفيها سادت عبادة الأصنام والأعراف الجاهلية ، وفترة العصر الإسلامي وتبدأ من بعثة النبي (ص) وانتشار الإسلام شرقاً وغرباً ، قسم المؤرخون المسلمون الفترة الثانية إلى عصور منها عصر قوة الخلافة والدولة وعصر ضعف الدولة وانفصال الدويلات عن مركز الخلافة وظهور أكثر من خلافة في عصر واحد مثل الخلافة العباسية في بغداد والخلافة الفاطمية في القاهرة والخلافة الأموية الثانية في بلاد الأندلس
في عصر التنوير ( القرنين 17-18 م) في أوربا ظهر تقسيم جديد لعصور التاريخ بعد تطور العلوم الإنسانية والمادية ، وهذا التقسيم عبارة عن العصور القديمة وحتى سقوط روما عام (476م) وتمثل تاريخ اليونان والرومان وعلاقتهما بالدول المجاورة ، والعصور الوسطى بعد سقوط روما وحتى سقوط القسطنطينية عام (1453م) على يد المسلمين الأتراك ، وهي فترة سيطرة الكنيسة على الحياة الدينية والاجتماعية السياسية في أوربا وتسمى فترة العصور المظلمة في نظر معظم مؤرخي عصر التنوير ، لأن الكنيسة حاربت العلوم وأصحابها إلا ما يتفق ومبادئ الكنيسة ، والعصور الحديثة تبدأ من عصر النهضة أي من القرن (15م) وإلى فترة الحرب العالمية الأولى ، وبعض المؤرخين قسم فترة العصور الحديثة إلى قسمين فترة ما قبل الثورة الفرنسية وفترة ما بعد الثورة الفرنسية (40)
ظهر تقسيم آخر في أواخر القرن (18م) وبداية القرن (19م) أثر الحملة الفرنسية على مصر وحل رموز حجر رشيد ومعرفة اللغة الهيروغليفية وحل رموز اللغة السومرية في بلاد الرافدين ، وعرف الأوربيون أن التاريخ لا يبدأ من تاريخ اليونان بل يبدأ قبلهم قبل آلاف السنين ، وأن هناك حضارات أرقى من الحضارتين اليونانية والرومانية وهي حضارات الشرق القديم ، لذا قسم التاريخ إلى عصر ما قبل التاريخ أو قبل الكتابة أي قبل ان يدون الإنسان تاريخه وعصر التاريخ أو الكتابة ويبدأ منذ (3000ق.م ) (41)
بعد ظهور علم الانثروبلوجيا أي علم الأجناس البشرية ظهر تقسيم آخر للتاريخ وهو تكملة للتقسيم السابق ، وذلك بعد اكتشاف علماء الآثار جماجم بشرية تعود في القدم إلى المليون سنة ، وهي لأجناس بشرية كانت تعيش على سطح الأرض وانقرضت ولم تترك سوى أدوات حجرية ، فقسم العلماء التاريخ إلى عصور ما قبل عصر الكتابة أو العصور الحجرية وهذه العصور تنقسم إلى العصور الحجرية القديمة والعصور الحجرية الوسيطة والعصور الحجرية الحديثة وعصر البرونز وعصر الحديد
وعصر الكتابة يبدأ من عصر الحضارات الكبرى التي ظهرت في منطقة الشرق الأدنى ويتضمن هذا العصر العصور القديمة ثم العصور الوسطى ثم العصور الحديثة ومنها العصر المعاصر الذي نعيشه ويسمى عصر الذرة والتكنولوجيا
تقسيمات العصور التاريخية السابقة ورثناها من الغرب نتيجة لإعجابنا بالاكتشافات العلمية التي شملت مختلف العلوم ومناحي الحياة في اوربا ، لكن صاحب البصيرة يلاحظ أن هذه التقسيمات قد ركزت على الإنسان في أوربا في الغالب وأغفلت الإنسان خارج اوربا وهو الخطأ الذي وقع به اليهود عندما اعتبروا تاريخهم هو أساس التاريخ الإنساني (42) وعندما ركز المؤرخون الأوربيون على الحضارة اليونانية والرومانية وأهملوا تاريخ الأمم الأخرى وحضارتها وبالذات العصر الأوربي الحديث وذلك لتكريس مفهوم تفوق الرجل الأبيض على بقية الأجناس البشرية (43)
والتقسيم المقترح هو عبارة عن أنه يركز على ربط العلاقة بين الإنسان وخالقه وتعزيز هذه العلاقة بينما بدون هذه العلاقة يكون الإنسان في فوضى وانحراف ، وينقسم هذا التقسيم إلى قسم يعالج الأجناس البشرية المنقرضة وقسم يعالج عصر النبوات الكبرى

الفصل الثاني :
تاريخ الأجناس البشرية المنقرضة
متى بدأت الحياة على الأرض ؟
الحياة محور حركة التاريخ وبالذات الحياة البشرية وبدون الإنسان لا نستطيع ان نطلق مصطلح \\\" التاريخ \\\" حتى وإن جاز اطلاق تعبير تاريخ الحيوان او النبات او السمك و.....فالإنسان صانع تاريخه ومدون حياة الحيوان والنبات ...
الحياة لم تبدأ مع بداية الإنسان إذ أن هناك كائنات حية عاشت ملايين السنين قبل الإنسان ويعد الإنسان آخر درجة من سلم الثديات ، وقد اختلف المؤرخون في تحديد عمر الأرض (1) لكن يمكن إيجاز ذلك ، القول الأول : أن عمر الأرض حوالى (200 ) مليون سنة (2) ، القول الثاني : يعتبر عمر الأرض (500) مليون سنة (3) ، وهناك رأي أو قول ثالث يقول أن الحياة قد بدأت على سطح الأرض في حدود )1000) مليون سنة تقريباً (4) وأنها بدأت في الماء (5-6)
وقسم علماء طبقات الأرض التاريخ الجيولوجي إلى حقب :
1- حقب الحياة القديمة من (500-200) مليون سنة وفيها تطورت الحياة من الكائنات البسيطة إلى المعقدة وفي هذه الفترة ظهرت الأسماك ثم البرمائيات والنباتات التي كونت مناجم الفحم في باطن الأرض ، ويفترض العلماء أن هناك حقبين : قديم وفيه ظهرت الحياة وما قبل قديم لا توجد فيها حياة
2- الحقب المتوسط : (200-70) مليون سنة وظهرت فيها الزواحف العملاقة مثل الديناصورات وغيرها
3- الحقب الحديث (70 مليون - إلى الآن ) وهو حقب الثدييات وفي المليون السنة الأخيرة منه ظهر الإنسان (7)
من خلال ما سبق يتبين أن الأرض أو ما يسمى المسرح والأرضية قد شكلت من أجل الإنسان وأن خالق الكون سخر لهذا الإنسان ما في السموات و الأرض ، فالديناصورات المنقرضة قد تحللت في باطن الأرض وتكونت مادة النفط والغاز التي لها دور في الحياة المعاصرة ، وهذه البحار وما فيها من الأسماك والحيوانات والنباتات البحرية تكونت بعد سلسلة من التطور البيولوجي كي يستفيد منها الإنسان ، فمن جهة البحار تعد وسيلة لاتصال الإنسان بغيره ولما حوله ، ومن جهة يستغل الإنسان هذه البحار في الاستفادة من منتجاتها العضوية في صنع الأودية ومن منتجاتها السمكية في صنع الطعام ، ولا ننسى دور الأمطار والتكوينات العضوية المتحللة من الكائنات المنقرضة في إعداد التربة التي سوف ينتج الإنسان منه طعامه ، والغطاء النباتي الذي ساد سطح الأرض كون غاز الأوكسجين اللازم للحياة ، ويساعد الغطاء النباتي على توفير الطعام للإنسان والحيوان في مرحلة ما قبل الزراعة وهي مرحلة الجمع الالتقاط ( 8)
الأدلة على وجود الأجناس المنقرضة :
ظهر الإنسان قبل مليون سنة تقريباً على سطح الأرض وهو يعد في قمة سلم الكائنات الثدية الحية ، يقول أحد المفسرين في شرح آية ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً .....) الاصطفاء هو انتخاب صورة الشيء ولازم ذلك أن يكون مع آدم قوم غيره فيصطفي من بينهم عليهم وليس إلا البشر الأولى غير المجهز بجهاز التعقل فاصطفى آدم من بينهم فجهز بالعقل ثم نسل وكثر نسله وانقرض الأولي الناقص ( 9) وينقل عباس محمود العقاد رأي الفارابي من كتابه ( آراء أله المدينة الفاضلة ) : إن ترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم اولاً أخساها ثم الأفضل فالأفضل فأخساها المادة الأولى المشتركة الأفضل منها المعنية ثم النبات ثم الحيوان الغير الناطق ثم الناطق وليس بعده أفضل منه ( 10) ويقول د. احمد حسنين القفل : الأكيد ان الإنسان لم يخلق في الحياة بصورته الحالية ولكنه تطور وتدرج من صنوف من البشر قبله (11) ويقول د. حسين مؤنس : ظهور الإنسان العاقل وكان معاصراً لإنسان نياندرتال ولكن انقرض الثاني ( 12) ونقل العقاد في كتابه رأي احد علماء المسلمين حول الأجناس البشرية المنقرضة وهو الشيخ محمد رضا آل العلامة الاصبهاني الذي قال : لست مما ينافي الذين إذ الذي يجب علينا اعتقاده هو ان جميع الموجودات بأراضيها وسمواتها وما فيها من صنوف المخلوقاتمن نباتها وحيواناتها والبشر على صنوفها واختلاف لغاتها صنع إله واحد قادر حكيم قد وسع كل شيء علماً واتقنه صنعاً ( 13)
في الغرب استطاع العلماء من إثبات جود الأجناس البشرية المنقرضة بعد ان شهدت اوربا وبالذات في القرنين (18-19م) تقدماً ملحوظاً في العلوم الإنسانية والطبيعية ، وقبل ذلك وبالذات في فترة العصور الوسطى لم يخض احد إلا القلة القليلة في موضوع الحياة على سطح الأرض او حتى الخوض في شكل الأرض وكرويتها خوفا من سلطة الكنيسة ، بينما نجد العلماء المسلمين من أشار إلى الأجناس البشرية المنقرضة بصورة مختصرة مثل الفارابي كما مر ذكره ، كذلك الكتاب القدماء مثل هيرودوت (14)
ففي عصر التقدم العلمي كما أشرنا في القرنين (18- 19م) ظهرت نظريات علمية تعالج موضوع الجنس البشري منها نظريات النشوء والارتقاء :
1- نظرية لامارك ( Lamarck ) وظهرت في بداية القرن التاسع عشر الميلادي وتنص على دور البيئة في تطور وتشكيل الجسم والأعضاء والصفات الوراثية للإنسان
2- نظرية دارون ( Darwin ) وتسمى نظرية الانتخاب الطبيعي ( The Theory of Natural Selection ) التي ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي أيضا ، وقد تأثر (دارون ) بنظرية لامارك السابقة ، وألف (دارون) كتاباً باسم (أصل ) الإنسان وملخصه أن هذا الإنسان تطور من نوع سابق له من الحيوانات ، لكن نظريته لقيت معارضة شديدة من بعض العلماء المعاصرين له وبالذات من رجال الكنيسة ( 15)
بعد ظهور نظريات النشوء والارتقاء أخذ علماء التشريح في اوربا يحاولون محاولات جادة في الكشف عن الإنسان الأول ( الحفري ، الأحفوري ) ، فقد اكتشفوا جمجمة لإمراة من نوع (نياندرتال ) في عام 1848م لكن لم يهتم بها أحد ، لكن في عام 1856م اكتشف طبيب ألماني عن هيكل بشري في كهف ( نياندرتال ) واعتقد أن هذا الهيكل يرجع لإنسان حديث شاذ ، لكن د. (وليم كنج ، William King ) استطاع أن يخمن وجود إنسان بشري قديم قبل الإنسان الحالي وسماه إنسان نياندرتال نسبة إلى الكهف الذي اكتشف فيه ( 16)
واكتشف ( أوجين دبوا ، Eugene Dabias ) الهولندي جمجمة أصغر من جمجمة الإنسان الحالي في جزيرة جاوة الأندونيسية بعد سلسلة من الأبحاث للكشف عن الإنسان البدائي ، وذلك في عام 1891م وسمي هذا الإنسان بإنسان جاوة ، إلا أن الخلافات قد ظهرت بين العلماء الغربيين في أصل هذا الإنسان ، بعضهم قال أنه من أصل قرد ، وبعض آخر قال أنه إنسان ، وفي عام 1939م استطاع د. ( فون سوالد ، Yon King Swald ) حل مشكلة إنسان جاوة بعد ان اكتشف أجزاء من الفك لهذا الإنسان ، وكتب تقريراً بالقول أن هذا الإنسان ليس قرداً بل هو إنسان بدائي يشبه القرد ( 17)
وتوالت الكشوف الحفرية للبحث عن اجناس بشرية عاشت في فترات تاريخية موغلة في القدم تصل إلى مليون سنة ولا تنتمي هذه الأجناس مباشرة إلى الإنسان الحديث بصلة ، عرف إنسان الصين الذي اكتشف في عام 1922م وإنسان روديسيا الذي اكتشف في عام 1921م ، والإنسان العاقل الذي اكتشف عام 1942م ، ويعتبر علماء الحفريات الإنسان الحديث ينتمي إليه ( 18)
أنوا ع الأجناس البشرية :
نتيجة للكشوف الحفرية واهتمام علماء التشريح بحفريات الإنسان البدائي ظهر علم جديد سمي بعلم الأجناس وهو يدرس الأجناس البشرية المنقرضة التي ظهرت على الأرض في فترات تاريخية موغلة في القدم، وكانت لها حضارات ، لكن اختلف علماء الحفريات في مكان الإنسان الأول ، فمنهم من قال أنه ظهر أولاً في أفريقيا ، ومنهم من قال أنه ظهر في آسيا ، والفريق الأول يستند رأيه على وجود آثار أقدام بشرية مطبوعة على غبار بركاني في كينيا يرجع تاريخه إلى ما بين ثلاثة ملايين و600ألف من السنين ، وسمي بإنسان القرد الذي كان يعيش في الغابات متسلقاً الأشجار ويأكل اللحم ( 19)
وأما الفريق الثاني فانه قال إن آسيا مهد الأجناس البشرية حيث أن الظروف الطبيعية فيها ساعدت على سكن الإنسان عكس الغابات الكثيفة في أفريقيا ، إلى جانب ذلك وجدت مخلفات لأول إنسان بدائي له حضارة وهو إنسان جاوة في أندونيسيا ( 20)
لا بأس من استعراض سريع عن أنواع هذه الأجناس البشرية المنقرضة :
1- إنسان جاوة : يعد اول إنسان قديم وبدائي له حضارة وقد ظهر في آسيا ، ويسير منتصب القامة ويبلغ طوله (5) أقدام و(6) بوصات ويبلغ حجم مخه ما بين 900-1000سم 3 ، وهذا دليل على أنه إنسان صاحب عقل ، وأن حجم مخ أرقى القردة العليا يبلغ 500سم3 ، هذا وقد ترك إنسان جاوة آثاراً تدل على أنه صنع أدواته بنفسه ، وأنه قد عاش في بداية العصور الجليدية أي في أوائل البلستوسين وهو من الزمن الرابع وقدر حوالى مليون سنة (21)
2- إنسان الصين : لم يختلف العلماء في إنسانية هذا الإنسان كما دار الجدل في إنسان جاوة ، حيث استطاع د. ( فيد نريخ) عن كشف (40) شخصاً ينتمون إلى إنسان الصين وبالتالي ساعد هذا الكشف على المزيد من المعلومات عن هذا الإنسان الذي عاش في الكهوف ، و حجم مخه يبلغ ما بين 1100سم3 و1200سم3 ، وكان هذا الإنسان معاصراً لإنسان جاوة ، و كان إنسان الصين يستخدم النار وكان قصير القامة إذ لم يتجاوز طوله عن (5) أقدام ، كذلك كان يصنع أدواته بنفسه مما يدل على وجود عقل لديه ، وكان يصيد الحيوانات بدليل وجود عظام حيوانية في كهفه ( 22) ا
3- إنسان نياندرتال : عثر على بقايا هيكله العظمي في كهف نياندرتال بألمانيا ، وساد هذا الإنسان معظم الكرة الأرضية واكتشفت جمجمته عام 1848م ( 23) ، وظهر هذا الإنسان في العصر الحجري القديم الأوسط حوالى (70) ألف سنة في آسيا ثم هاجر إلى أوربا وعاش في كهوفها فترة طويلة من الزمن نتيجة قسوة وبرودة المناخ ، ثم هاجر إلى أفريقيا عن طريق مضيق جبل طارق ووصل إلى شمال أفريقيا بأعداد كبيرة ( 24) وعاصر إنسان النياندرتال الإنسان العاقل ويقال أنهما تزاوجا وظهر نسل جديد من هذا التزاوج وهو ما يسمى بإنسان الكرم في فلسطين وإنسان روديسيا وإنسان هيدلبرج بألمانيا وإنسان الأوريجانس في فرنسا ، ويقال إن إنسان نياندرتال جد هذا الإنسان الأخير ، وإنسان سوانسكومب وهو من نوع الإنسان العاقل وإنسان كرومانيون وهو من جنس البحر المتوسط ( 25)
4- الإنسان العاقل وهو نوع بشري جديد ظهر بعد الإنسان النياندرتال ، و قد عاصر هذا الإنسان ثم انقرض إنسان النياندرتال ، ليترك السيادة والسيطرة للإنسان العاقل ، وهناك رأي يقول أن اتصالاً واختلاطاً قد تم بينهما عن طريق التزاوج كما مر ذلك ( 26)
اختلف العلماء والمؤرخون في زمن ظهور الإنسان العاقل يقول د. الصفار :\\\" أنه ظهر في (10) آلاف ق.م ونشأ في سهول تركمنستان بآسيا ( 27) ولكن أشهر الآراء تقول انه ظهر منذ (40) ألف سنة تقريباً ( 28)
استطاع هذا الإنسان أن يسود العالم القديم والجديد ، فقد عاش في أواسط آسيا وهي موطنه الأول نتيجة اعتدال المناخ الذي ساعد على نمو النبات ، فسهل له الحصول على طعامه من جهة ووفرة اعداد الحيوان في هذه البيئة مما ساعد على حصوله على اللحم من جهة أخرى ، وبعد ظهور الفترة الجليدية الرابعة ( 40000-18000 ق.م ) أي في العصر الحجري القديم الأعلى ونتيجة لتغير المناخ الذي أثر على الحياة النباتية والحيوانية ، بدأ هذا الإنسان يخرج من موطنه باتجاه الشرق والغرب والجنوب ، ووصل إلى الهند وبعض آخر منه ووصل إلى الصين ، وهناك اتجه شمالاً حتى وصل إلى ألاسكا وعبر إلى العالم الجديد ما بين (20000-10000ق.م) ، وقسم منه اتجه غرباً حتى وصل إلى شرق البحر المتوسط واختلط بإنسان نياندرتال كما مر ذلك ، ونتج عن هذا الاختلاط إما يسمى بإنسان الكرمل ، وقسم منه اتجه نحو الشمال الغربي باتجاه أوربا (29)
أما أنواع هذا الإنسان العاقل فهي كثيرة منها رجل الأوريجانس نسبة إلى كهف أوريجنس الذي عاش فيه ويقع بفرنسا ، وكان أكثر تقدماً من إنسان نياندرتال (30) وإنسان كرومانيون ( الكرم ) الذي جاء بعد الإنسان النياندرتال وسكن في منطقة البحر المتوسط ( 31) وإنسان ( حالي هل ) و( سوانسكومبا) حيث وجدت هياكل عظمية له في انجلترا وألمانيا وفرنسا ( 32) وإنسان ( كومب كابل ) في غرب أوربا ، وأخيراً إنسان ( جريما لدى ) الذي أول ما ظهر في إيطاليا حوالى 20000ق.م وهو من الجنس الأسود ( 33)
يتصف هذا الإنسان العاقل بالعقل أو أنه \\\" عاقل\\\" ، فهل قبله من الأجناس البشرية لم تمتلك العقل ؟ في الحقيقة أن الإنسان الأول يمتلك العقل ولكن يتفاوت هذا العقل ودرجة مستوياته من إنسان بدائي إلى إنسان بدائي آخر وكما عرفنا ان حجم مخ إنسان جاوة يترواح ما بين 900سم3-1000سم3 وإنسان الصين حجم مخه بين 1100سم3-1200سم3 والإنسان النياندرتال حجم مخه 1400سم3 كذلك الإنسان العاقل ، وأخيراً الإنسان الحديث حجم مخه ما بين 1400سم3-1450سم3 ، هذا وان وكلمة \\\" العاقل\\\" مجرد لقب وليس صفة لم تمتلكها الأجناس البشرية قبل الإنسان العاقل ، بدليل أن لها حضارة
حضارة الأجناس البشرية المنقرضة :
يقول المؤرخون أن الحضارة بدأت مع بداية عصر الكتابة في حدود 3000ق.م ، بينما قبل هذا الزمن لم يكن للإنسان حضارة ، وأنه كان يعيش في همجية يأكل ما يحصل عليه من الطبيعة من الطعام ، و كان يسكن الكهوف ويقتل أخاه في حالة الجوع ، لكن وكما قلنا سابقاً بدأت الحضارة مع الإنسان الأول ( البدائي) لأن الحضارة من صنع الإنسان وهي عبارة عن نتاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة ، فالإنسان الذي عاش على سطح الأرض لابد من أنه صنع حضارته بعد أن بذل مجهوداً ونشاطاً في تحسين ظروف حياته ( 34) مثل الإنسان الجامع طعامه سواء النباتي منه أو الحيواني ، بنى حضارته بما تركه من البقايا المتبقية من الأدوات الخاصة به عظام الحيوان ومن الأحجار
عوامل قيام الحضارة :
عملية صنع الحضارة تحتاج إلى قدرة عقلية من الإنسان ، إن حجم مخ الإنسان أكبر من حجم مخ أي حيوان آخر ، وأن هذا الحجم تدرجت مستوياته مع الإنسان المنقرض مع مر العصور إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن في الإنسان الحالي ، وهذا ما يجعلنا نعتقد ان الإنسان الأول ظهر عاقلاً على سطح الأرض بمعنى انه عقل الأشياء أي ربط فيما بينها كي يستفيد منها في حياته
كذلك تحتاج عملية بناء وصنع الحضارة إلى يد الإنسان التي تلعب دوراً هاماً في إيجاد الحضارة فهو يمسك بالأشياء ويشكلها بيده مثل أدواته الشخصية : أسلحة وأواني طبخ وأدوات زراعية
ويحتاج بناء الحضارة إلى وجود خامات التي يمكن من خلالها أن يصنع الإنسان أدواته الحضارية فمن الصخور صنع أدوات زراعية وأدوات طبخ وآلات صيد وأسلحة يدافع عن نفسه عند مواجهة الخطر ، ومن أوراق الشجر بنى بيته على الشجر وعلى الأرض وصنع ملبسه من ورق الشجر وجلد وصوف الحيوان ، ومن النار طبخ طعامه وهكذا
وتحتاج عملية صنع الحضارة إلى السنن والقوانين في الطبيعة التي أودعها خالق الإنسان في البيئة كي يسخرها الإنسان في بناء الحضارة
ظهرت آراء كثيرة في حتمية البيئة ودورها والاستفادة من قوانينها ، هناك من المؤرخين من اعتبر البيئة السهلية والبيئة البحرية هي بيئة الحضارة ، بينما بيئة الصحراء وبيئة الجبل لا تنتج الحضارة ، ومن المؤرخين من يقول أن البيئة الصعبة تولد الحضارة كما في نظرية ( التحدي والاستجابة ) ل ( أرنولد توينبي ) ، بمعنى يظهر التحدي من الإنسان والاستجابة من الطبيعة
على أي حال أن الله عز وجل جعل القوانين في الطبيعة كي يستفيد منها الإنسان الذي خلقه رب العالمين وجعله خليفته في الأرض ولكي يعمر الأرض ، فمرة لا تحتاج هذه السنن او القوانين إلى جهد كبير أو نشاط واسع كما في مرحلة الجمع والالتقاط ومرة تحتاج السنن لاستخراجها إلى نشاط بدني أكبر كما في مرحلة الصيد وهكذا في مرحلة صنع الأدوات من الحجارة أو المعادن تحتاج إلى جهود اكبر لاستغلال القوانين الطبيعية لمنفعة الإنسان
مظاهر حضارة الأجناس البشرية :
1- استمرت مرحلة جمع الطعام حوالى 500ألف سنة من عمر الإنسان الأول قبل أن يعرف صناعة الحجارة وفي هذه المرحلة لم يلق الإنسان من الطبيعة سوى العطاء والخير فهو يجد طعامه في كل مكان إلا في فترات جليدية مع بداية ظهور الإنسان على سطح الأرض
وقسم المؤرخون هذه الفترات التاريخية إلى :
جنز ( Gunz ) من مليون – 500ألف سنة ق.م
مندل ( Mendil ) 430000-370000ق.م
رس ( Riss ) 130000- 100000ق.م
فرم ( Vurm ) 40000- 18000ق.م ( 35)
مع ذلك استطاع إنسان هذه المرحلة ( جامع الطعام ) ان يقاوم الجليد وقسوة الجو وبرودته خاصة في العروض العليا من الكرة الأرضية (50 درجة فما فوق) ، إلا أن الإنسان الذي عاش دون هذه العروض تعرض إلى فترات متقطعة من موجات جليدية وقاومها مع وجود قلة الطعام لكنه سيطر على بيئته
لم يعرف الجيولوجيون سبب العصور الجليدية التي اجتاحت الأرض في هذه الفترة إلا أنهم أرخوا لهذه الفترة مع بداية ظهور الإنسان الأول ، لذلك يمكن القول أن الجليد يساعد على انقراض الكثير من الحيوانات التي تشكل خطراً على حياة الإنسان ، كذلك القضاء على الإنسان القرد قبل الإنسان الأول كعقاب إلهي وإفساح المجال للنوع المختلط الذي يحمل مميزات أفضل كي يعمر الأرض ويقيم حضارته لتستمر المسيرة البشرية ، ويساعد الجليد على برودة الجو وبرودة الأرض مما يساعد على انكماش سطح الأرض وبروز الصخور وتفتتها بحكم عوامل التعرية مما يسهل على الإنسان في البداية اتخاذ بعض الصخور كأدوات تخدمه ومن ثم اهتدى إلى صنع الصخور في الفترات اللاحقة من هذه المرحلة التاريخية من عمر الإنسان لأول
2- صناعة الأدوات الصخرية :
شرع الإنسان الأول في تنوع طعامه ، وذلك نتيجة لتقلبات الجو وسيادة الجليد على كثير من بقاع الأرض واختفاء الغطاء النباتي أو تناقصه في بعض البقاع ، فبدأ الإنسان يأكل لحم الحيوان خاصة الصغير منه في البداية بعد اصطياده عن طريق الرمي او القبض عليه وقتله ، ثم طور الإنسان أدوات صيده بواسطة الأدوات ( الفؤوس ) التي صنعها من عظام الحيوان أو من الصخر ، ويمكن القول أن مهنة الصيد ظهرت مع بداية صنع الإنسان أدواته الحجرية ( 36)
تقسيم العصور الحجرية جاءنا من علماء الغرب حيث أن علماء الغرب أول من اكتشف هذه العصور وبعد التحريات والكشوف ظهر لهم ان هذه العصور قد سادت بقية القارات وليس أوربا فقط ، وأن الأدوات الحجرية ظهرت اولاً خارج أوربا وبالذات ظهرت في آسيا مهد الإنسان الأول ، على أي حال قسم علماء الغرب العصور الحجرية إلى ثلاثة أقسام:
العصر الحجري القديم والعصر الحجري المتوسط والعصر الحجري الحديث ، لكن هناك تقسيماً آخر وهو العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث بينما العصر الحجري المتوسط لا يمثل دوراً هاماً في حضارة الإنسان الأول بحكم قصر مدته ( 37)
اختلف علماء الغرب في تاريخ ظهور الأدوات الحجرية ، هناك رأي يقول أن أقدم الأدوات الحجرية قد ظهر في شمال أفريقيا منذ مليون ونصف مليون سنة ، ولكن هذا غير صحيح لأن الإنسان الأول والمنقرض قد ظهر منذ مليون سنة وأنه لم يعرف صنع أدواته إلا بعد فترة طويلة من ظهوره ، وهناك رأي يقول ان الإنسان عرف صناعة هذه الأدوات حوالى 200000 ق.م ، ورأي ثالث يقول أن الإنسان عرف صناعة أدواته منذ 125000ق.م ، ورأي رابع يقول أنه عرف الأدوات الحجرية منذ 50000ق.م ( 38) ويمكن ان تصدق هذه الآراء على بيئة أوربا فقط لأن الإنسان الأول ظهر في هذه البيئة بعد 500ألف سنة ق.م أي بعد الفترة الجليدية الأولى ذلك أن قبل هذه الفترة لم يساعد الجو على ظهور هذا الإنسان أو لا يستطيع الهجرة إلى أوربا ويترك موطنه الأول في آسيا
هناك عصر قبل العصور الحجرية ويسمى العصر الحجري الأيوليثي ( Eolithic ) حيث وجدت أدوات استخدمها الإنسان لكنها أدوات حصوية أي ليس للإنسان دور في صناعتها ، واكتشفت بعض هذه الأدوات مع إنسان جاوة أي قبل 500ألف سنة ق.م ، بينما إنسان الصين الذي ظهر حوالى 500ألف سنة ق.م يرجح أنه ساهم في صناعة هذه الأدوات ( 39)
وفي هذا الصدد لا بد من ان نستعرض أو نذكر أنواع العصور الحجرية بشكل مفصل لما لهذه العصور من علاقة بالحضارة التي سادت في هذه الفترة
قسم المؤرخون العصور الحجرية إلى :
1- العصر الحجري القديم : يبدأ 500ألف سنة – 10000سنة ق.م ( Paleolithic )
2- العصر الحجري المتوسط : يبدأ 10000-8000سنة ق.م ( Meseolithic )
3- العصر الحجر الحديث : يبدأ 8000- 5000ق.م ( Neolithic )
أولاً: العصر الحجري القديم :
ينقسم هذا العصر إلى ثلاثة أقسام وهي :
1- العصر الحجري القديم الأسفل
2- العصر الحجري القديم الوسط
3- العصر الحجري القديم الأدنى
أ‌- العصر الحجري القديم الأسفل : يبدأ حوالى 500ألف سنة ق. م وتمثله حضارتين وهما الحضارة الشيلية نسبة إلى بلدة ( شل) وتقع على نهر ( المارن ) في أوربا وزمنها في آخر الفترة الجليدية الأولى ( جنر) وينسب إلى هذه الحضارة الإنسان البائد هايدبرك ( Heidelberg ) في أوربا ، والإنسان الأطلسي في شمال أفريقيا وهما معاصران لإنسان الصين الذي ظهر في حدود 500ألف سنة ق.م ، وتعتبر الحضارة الشيلية من أقدم حضارات العصور الحجرية وفيها ظهرت الفؤوس اليدوية من الصوان وتستخدم في قطع الخشب من الغابة او اقتلاع الأشجار والأغصان ، وكان إنسان هذه الحضارة يعيش في الكهوف ( 40)
والحضارة الأشولية وتعتبر أطول ادوار العصر الحجري القديم وتبدأ هذه الحضارة في الفترة الجليدية الثانية ( مندل ) وإلى الفترة الجليدية الثالثة ( رس ) ، استطاع إنسان هذه الفترة أن يهذب أدواته الحجرية وأن يضيف إلى الفؤوس الحجرية مقبض من خشب أو من عظم الحيوان ، على الرغم من أن هذا الإنسان ما زال يجمع قوته ( طعامه ) من الطبيعة إلا أنه أفضل من أسلافه عندما شرع في صنع أدواته من الأحجار والعظام والأخشاب ( 41)
ب‌- العصر الحجري القديم الأوسط: وتمثله الحضارة الموستيرية نسبة إلى كهف ( موستير ) في فرنسا الذي اكتشف فيه آثار حضارية ، وزمن هذا العصر يبدأ في الفترة الجليدية الثالثة (رس) من 130000-100000سنة ق.م ، واستمر إلى الفترة الجليدية الرابعة (فرم) ويبدأ من 40000-18000سنة ق.م ، وطرأ تحول جديد إذ كثرت الأسلحة بدلاً من الفؤوس اليدوية ، وهذا يدل على ان الإنسان في هذا العصر بدأ يعتمد على الصيد الحيواني في أكله بعد ان غطى الجليد معظم الغطاء النباتي سواء في اوربا أو في آسيا خاصة في مناطق العروض العليا ( فوق 40درجة عرض ) ، وبعد انتشار حيوانات الرنة بقرب كهوف الإنسان الأول ( 42)
ت‌- وتنسب هذه الحضارة إلى الإنسان النياندرتال الذي ساد أرجاء الأرض بعد سنة 70ألف ق.م ، وانتقل إلى شمال أفريقيا من أوربا نتيجة البرد الشديد فيها ( 43)
ث‌- العصر الحجري القديم الأعلى : يبدأ هذا العصر في الفترة الجليدية الرابعة ( 40000-18000سنةق.م ، ظهر الإنسان العاقل واختلط أو تزاوج مع الإنسان النياندرتال قبل انقراضه وسمي بالعاقل لأن حجم مخه نفس حجم مخ الإنسان الحالي ، وبداية ظهوره كان في حدود 40000سنة ق.م ، إلا انه في سنة 10000ق.م ساد معظم الكرة الأرضية ، واستطاع ان يطور أدواته خاصة أدوات الصيد إلى نصال وسهام وهي تقوم مقام السكين وتصنع من الحجر او الخشب أو عظام الحيوان ، كذلك ساهم في ظهور فن الرسم و الصور في جدار الكهوف خاصة في أوربا واستعمل النار في طهي طعامه (44) ، في هذا العصر تعددت الحضارات وذلك نتيجة ظهور هذا الإنسان الذي تفوق على أسلافه وعلى الأجناس البشرية التي قبله نتيجة كبر حجم مخه ، ففي أوربا ظهرت الحضارة الأورينياسية والسولترية والمدلينية ، وفي شمال أفريقيا ظهرت الحضارة القفصية والوهرانية وفي آسيا ظهرت الحضارة البردوسنية ( 45)
ثانيا : العصر الحجري المتوسط :
يبدأ بين 10000-8000سنة ق.م على أرجح الأقوال ويقع هذا العصر بين العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث ، وبما أن هذا العصر لم يستغرق سوى ألفين سنة ، فأن بعض المؤرخين لا يهتم به أو لم يجدوا آثاراً مميزة له مثل تلك التي وجدت في العصرين الحجري القديم والعصر الحجري الحديث ، ولكن هناك مميزات جديرة بالذكر لهذا العصر على الرغم من قلتها مما نخمن وجود مميزات تميزه عن بقية العصرين : الحجري القديم والحجري الحديث ، وأهم هذه المميزات :
1- ظهر الأدوات الحجرية الدقيقة ما يجعلنا القول أن إنسان هذا العصر تطور أكثر من إنسان العصر الحجري القديم وأنه بدا يهتم أكثر في صنع هذه أدواته
2- ظهور بداية تدجين الحيوان وقيام الزراعة خاصة في شمال العراق ما بين 8000-7000سنة ق.م ( 46) ولو ان هناك قول يقول أن تدجين الحيوان قد بدأ قبل 10000ق.م في مدينة أريحا (47)
3- معرفة الإنسان بناء الأكواخ والمواقد والرحى وبالذات في شمال العرق وذلك في حدود 10000 أو 9000ق.م لهذا يستدل بعض المؤرخين على استقرار الإنسان في القرى وبناء المنازل ( الأكواخ ) وممارسة الزراعة وتدجين الحيوان أو رعي الحيوان (48)
4- حالة المناخ : عرفنا فيما سبق أن العصر الجليدي الرابع (فرم ) انتهى في حدود 18000ق.م وذلك بسبب تراجع الجليد إلى الشمال أكثر ، وأدى ذلك إلى هطول الأمطار خاصة في العروض الجغرافية ما بين (30-25 درجة ) مما أدى إلى حالة الجفاف في الجداول والأنهار وغور العيون بالآبار ، كذلك قلت مساحة المروج الخضراء وبالتالي أدى ذلك إلى ظهور الصحاري خاصة بعد سنة 8000ق.م ونتيجة لتقلبات الجو هاجر الإنسان إلى جهة الشمال وجهة الجنوب بحثاً عن الطعام (49)
ثالثاً : العصر الحجري احديث :
حدث انقلاب اقتصادي كبير في هذا العصر ، وتتمثل مظاهره ممارسة الإنسان الزراعة وحرفة الرعي وصناعة الفخار والخياطة وبناء المساكن ، وعلى الرغم من أن هناك قولاً يقول أن الإنسان مارس الزراعة في حدود 10000ق.م (50) أن الموطن الأول للزراعة كان في أقصى شمال العراق أو في هضبة الأناضول في تركيا أو في سهول التركمنستان في أواسط آسيا ، بسبب أن هذه الأماكن كانت صالحة للسكنى لاعتدال المناخ ووفرة المياه ووفرة الحياة النباتية والحيوانية (51) ولو أن هناك رأياً أخر يقول أن أريحا في بلاد الشام كانت أول موطن للزراعة ( 52) ، وتعتبر قرية (جرمو) الواقعة شمالي العراق من أولى قرى العصر الحجري الحديث ، بينما كان وادي النيل ودجلة والفرات عبارة عن مستنقعات لا تصلح للسكنى قبل 5000سنة ق .م ( 53) ، انتقلت الزراعة من آسيا إلى شمال أفريقيا في نهاية هذا العصر حيث شهدت مصر الزراعة وبينما عرف شمال أفريقيا الرعي أولاً ثم الزراعة ، وأصبح الإنسان الأول ناتج طعامه بينما كان أسلافه قبله جامعي الطعام ، وبعد ممارسة الزراعة بنى الإنسان الأكواخ والمساكن في القرى ، لذا الزراعة ساعدت الإنسان على الاستقرار ، وكذلك أخذ في ممارسة الرعي وتربية الحيوان أيضا والاستفادة من الحيوان وتخلى عن صيد الحيوان التي تتطلب الانتقال وقطع المسافات والهجرة وعدم الاستقرار ، ولعل التغير المفاجيء للمناخ والمتمثل بقلة الأمطار وظهور الصحاري على حساب الغطاء النباتي ، جعل الحيوان يقترب أكثر من الإنسان طلباً للطعام ، وقد عرف الإنسان في شمالي العراق في هذا العصر أنواعاً من الحيوانات المدجنة مثل الماعز والغنم والبقر والخنزير (54)
تعتبر صناعة الفخار من خصائص هذا العصر ، فقد ظهرت هذه الصناعة عندما استقر الإنسان في القرى ، ويلعب الفخار دوراً في الحياة المدنية ، حيث يستخدم الفخار لحمل السوائل والحبوب وحفظ الأشياء من الأطعمة وغير ذلك ، بل في بعض الحالات يستخدم الفخار كلحد للميت خاصة الكبير منه ، وعرف الإنسان صناعة الفخار في منتصف هذا العصر تقريباً ـ إذ عرف سكان الشرق الأدنى وبالذات في هضبة الأناضول وشمالي العراق الفخار في حدود 6500سنة ق.م ، وقد صنع باليد الفخار البسيط العادي ، ثم ظهر الفخار الملون ثم الفخار المزخرف بخطوط وأشكال هندسية او مزخرف بصور نباتية وحيوانية ( 55)
وأخيراً تميز هذا العصر عن غيره من العصور بظهور المظاهر الحضارية الأخرى مثل بناء المساكن ومعرفة الإنسان الحياة المدنية وما ترتب على ذلك من الاتصال بالناس ، من خلال التجارة بالمقايضة ومعرفة الحياكة والنسيج وصناعة القوارب ومعرفة فن الملاحة وصناعة ادوات الزينة كما في حضارة (سيالك -1 ) في بلاد فارس والتعدين خاصة في أواخر هذا العصر ( 56)
رابعاً : العقيدة عند الأجناس البشرية المنقرضة :
يعتقد بعض ان العقيدة أو الدين خاص بالإنسان الحالي حسب مافهمه من آيات القرآن المتعلقة بخلق آدم وعلى ضوء ذلك يعتقد بعض أن الأجناس البشرية كلها تنتمي إلى آدم من الناحية العرقية ، وهذا صحيح في قول أن آدم يمثل النسخة الحقيقية لكل الأجناس البشرية التي تعيش على الأرض ، وان سكان لأرض لا بد أن يرتبطوا بخالقهم ( 57) وأن النبوة سنة إلهية يتلطف بها رب العالمين على مخلوقاته ، وهناك رأي لأحد الفقهاء يقول إن وجد مخلوق في كوكب آخر غير الأرض ويتصف بالعقل والإدراك يعامل معاملة الإنسان ويتزاوج معه بل تجري عليه جميع الأحكام الشرعية والأحكام الإلهية ( 58)
التراث التاريخي الذي تركته هذه الأجناس المنقرضة يدل على أنها كانت تؤمن بالبعث والمعاد وتؤمن بالجزاء والعقاب الإلهيين ولكن عمق عقيدة هذه الأجناس البشرية المنقرضة ليس في مستوى عمق عقيدة الإنسان الحالي لتفاوت المستوى العقلي بينهما ( 59)
النبوة في عصر الأجناس البشرية المنقرضة تمتاز بالفردية أي أن النبي ليس بالضرورة أن يبشر الناس في عصره بل عليه أن يهتم بمن يرعاهم ، وقد تكون النبوة شبيهة بالنبوة عن طريق الأحلام كما بالنسبة لكثير من أنبياء بني إسرائيل أو عن طريق الإلهام كما بالنسبة لأم موسى والحواريون أنصار عيسى –ع-
مر الإنسان الأول على الأرض بمراحل عدة وهو يتكامل من الناحية الدينية :
1- مرحلة الفطرة : وتبدأ من مليون سنة -500ألف سنة ق.م
لذا كان الإنسان يعتقد بوجود قوة غيبية يستند إليها وقت الشدة إذ أن الأخطار كانت تحيط به من كل جانب ، فهو يعيش الخوف دائماً ، الخوف من ظلمة الليل والخوف من الوحدة والوحشة والخوف من أصوات الرعد وأصوات الحيوانات المفترسة وكلما زاد خوفه كلما التجأ إلى هذه القوة ، وتسمى هذه القوة ( الله ) في مفهوم العقيدة ، هذا وقد بين عز وجل وجود هذه القوة في سورة (يونس ) الآيات 12 و21-23 وتسمى هذه القوة ب ( الجبلة والفطرة ) في الإنسان عندما يتعرض إلى مكروه وشدة فيلتجأ إلى ربه
وليس هناك ادلة ملموسة لوجود العقيدة لدى هذه الأجناس المنقرضة كما يقول الأنثربولوجييين إلا عند الإنسان النياندرتال ( 60) هؤلاء الأنثربولوجيون معذورون لأن عامل العقيدة من الأشياء المعنوية وغير الملموسة إلا إذا عبر عنها بالرسوم وغيرها
يقول صاحب الميزان في تفسير آية :\\\" فطرة الله التي فطر الناس عليها \\\"( الروم /30) : ومعنى الفطرة هي الشهادات الثلاث وهي ان الإنسان مفطور على الاعتراف بالله لا شريك له وبما يجد من الحاجة إلى الأسباب المحتاجة إلى ما وراءها وهو التوحيد وبما يجد من النقص المحوج إلى دين يدين به ليكمله وهو النبوة وبما يجد من الحاجة إلى الدخول في ولاية الله بتنظيم العلم بالدين وهو الولاية والفاتح لها ( 61)
الإنسان الأول يحتاج إلى الشهادة الأولى وهي الاعتراف بالله واللجوء إليه في الشدة ، فهناك الهداية من نوع الفطرة الغريزية في الإنسان ، وتسمى الهداية التكوينية حيث منحها الله تعالى لكل موجود سواء أكان جماداً أم نباتاً أم حيواناً أم إنساناً ، وتهدف هذه الهداية حركة الموجود إلى خالقه ( 62) والإنسان الأول لديه الفطرة وهو أفضل من الموجودات الأخرى ولأنه سيد هذه الموجودات
كان الإنسان الأول في حاجة إلى زوج وشريك حياة (زوجة ) مثل الإنسان الحالي ، ويهدف ذلك إلى وجود قانون التجاذب بين الذكر والأنثى الذي يحافظ على بقاء الجنس البشري أو التكاثر لذا ازدياد النسل البشري شيء فطري في الإنسان الأول وقد لجأ إلى تعدد الزوجات خاصة وأن الرجال يتعرضون إلى الهلاك والموت بسبب مصارعتهم للحيوانات المفترسة أو يحاول اصطياد بعض الحيوانات وبالتالي يقل عدد الرجال في المجتمع البدائي ويكثر عدد النساء وهذه النسوة بحاجة إلى من يدافع عنهن وعن اولادها من الأخطار المحدقة بهم لهذا تنظم المرأة إلى الرجل ، كذلك الإنسان الأول لم يعمر طويلاً بسبب تعرضه إلى الأمراض والأوبئة والحشرات الضارة الفتاكة خاصة في الأدغال والمستنقعات إلى جانب قسوة الجو وشدة البرد والجليد الذي يسود بيئات العروض الجغرافية العليا من الكرة الأرضية ( 63)
ميل الإنسان الأول إلى الإنجاب يعد شيئاً فطرياً وهذا كان هذا الميل قوياً لديه وكان من عقيدته الإكثار من النسل البشري بل والمحافظة على هذا النسل وبالذات أنثى هذا الإنسان ، إلى جانب ذلك يحاول الكبار إبعاد الأخطار المحدقة بالصغار وتوفير الطعام لهم وان مقولة إلصاق صفة \\\" الهمجية \\\" في هذاا لإنسان ليست صحيحة فهو إنسان له عقيدة وفي طياته نوازع الخير والشر
كان الإنسان الأول في مرحلة الفطرة يعرف مفهوم الموت وسبب حدوثه بل تجده يبقى عند الميت فترة من الزمن إلى ان يتعفن جسد الميت فيخرج من المكان ويغيره مكانه ، لهذا اعتقد بعض المؤرخين أن الإنسان الأول كان يأكل لحوم البشر لوجود العظام البشرية التي وجدت في الكهوف على الرغم من ان ببعض المؤرخين يرفض هذا لرأي ( 64)
الإنسان الأول يرى تجربة الموت في غيره ويعرف انه ميت لا محالة وأن وجوده على الأرض محدود وينتهي بعد ان يؤدي دوره ويتمثل هذا الدور في التكاثر وحفظ النوع البشري حتى يخلق تعالى نوعاً جديداً من البشر فيختلط به ويتزوج منه
هناك رأي يقول ان الإنسان البدائي يعتقد ان الموت عبارة عن نتاج عمل عدو او تأثيره الشرير على بني جنسه مثلما تعتقد جماعة ( البوشمن ) في أدغال أفريقيا (65) وهذا الرأي لا يصمد أمام الحقيقة التي تقول ان الإنسان الأول الذي وجد منذ مليون سنة على سطح الأرض لا يمكن مقارنته بإنسان قبيلة ( البوشمن ) ، ومن جهة صحيح ان جماعة (البوشمن ) شان أي جماعة بشرية تكره الموت لأنه يفصل عزيز عن قريبه إلا أن الموت حكم مؤكد على بني البشر
2- مرحلة العقل : 500ألف سنة – 100ألف سنة ق.م :
يمثل إنسان هذه المرحلة إنسان \\\" بكين \\\" ( Peking Man ) أو إنسان الصين الذي يمتاز عن الإنسان قبله بكبر حجم مخه ، هذا الإنسان تفاعل مع الأشياء بعقله أكثر بدلاً مع فطرته ، قطع هذا الإنسان شوطاً في صنع أدواته من الصخور سواء ادوات الصيد أو الأدوات الأخرى ، واهتدى إلى استخدام عظام الحيوان لصنع أدواته ، واستمر في صنع أدواته دون تطوير ملحوظ إلى سنة 100ألف ق.م ليدل على ان عقله لم ينمو بشكل كبير ، أو أن سيادة إنسان بكين في الأرض يدل عدم وجود منافس له ، اهتدى إنسان بكين إلى معرفة العقل وأهميته بالنسبة له في حدود تجعله لا يستغني عن \\\" الفطرة \\\" ويرتبط بخالقه ، وعرف أن العقل نعمة يجب استغلاله للحصول على المنافع ، لذا شرع في صنع أدواته الخاصة واهتدى بعقله أن اللحم طعام كما أن النبات طعام له ليتميز عن الإنسان قبله الذي كان يأكل النبات فقط ( 66) ومن جهة أوحى العقل له أن يأكل لحم الحيوان له خاصية لجسمه ، لكنه بدأ يتغير سلوك هذا الإنسان مع أخيه إذ عامله معاملة قاسية إذا اختلف معه ، لذا بدأ الصراع بينه وبين أخيه يأخذ طابعاً دموياً بسبب كثرة أكل اللحم الذي ساعد على ظهور قسوة في قلب الإنسان
انقسم إنسان بكين إلى قسمين ، قسم يميل إلى جانب العقل ومحاولة فض النزاع والصراع مع بني جنسه وقسم غلب عليه طابع الأنانية وحب الذات والعنف والذي لم يكن موجود في الإنسان قبله ، ولعله بدأ يفضل نفسه على غيره ، لذا اعتقد بعض المؤرخين أن سلوك هذا الإنسان أصبح حيوانياً ( 67)
توجد أدلة على ان هذا الإنسان استخدم سلاحاً ( هراوة ) في اعتداء على أخيه الإنسان وقتله كذلك هناك أدلة ومؤشرات لنشوب حرب جماعية بهدف السيطرة على قطعة أرض ( 68)
لم يعرف إنسان هذه المرحلة مفهوم الشر والخير لعدم وجود أنبياء وصلحاء ، لكن تطغى صفة الشر لدى بعض البشر بسبب الأنانية ولو انه يظن ان عمله مقبول بينما يرى غيره أن أسلوب القتل أو الضرب في فض النزاع غير مقبول لأنه يؤدي إلى هلاك البشر ونقصانه
اهتدى إنسان الصين إلى الاستفادة من النار او اكتشاف النار خاصة في طهي طعامه بعد أن كان يأكل الطعام نياً وغير مطبوخ ، كانت النار موجودة قبل ظهور الإنسان على الأرض نتيجة الصواعق والشهب الساقطة على الغابات وثورة البراكين ، وبعد فترة من عمر البشر استخدمت النار للتدفئة ، ويقال أن الإنسان رأى قطعة لحم قد سقطت من يده في النار فشم منه رائحة مقبولة ولما أكل قطعة اللحم استساغها ويؤرخ بعض المؤرخين على وجود النار واستخدامها لدى إنسان بكين بالكهوف التي عاش فيها حوالى 400ألف سنة ق.م ( 69)
اهتدى هذا الإنسان بعقله أن الطبيعة وهبت له النار ووهبت له الطعام الوفير والكثير من النبات ولحم الحيوان ، مما يعني أنه ارتبط بخالقه وأنه عرف وجود قوة غيبية تساعده وتعينه على تخطي وتذييل ظروف الحياة الصعبة وقسوة المناخ ووعورة البيئة ، وإذا لم يعتني بنفسه ويقي نفسه من الأخطار المحدقة به فأن ذلك يعني هلاكه أو يؤدي إلى شعوره بالألم ، لذا عرف أن النار قد تكون مصدر ألم له إذا أحرقت أحد أعضاء جسمه ، أو تكون مصدر دفيء له و طهي لطعامه ، ولكن قد يصل الأمر بالإنسان الذي لا يتحكم بعقله أن يرمي على أخيه شرارة نار أو يلقي أخاه بالنار ساعة الغضب ونشوب الصراع بينهما
واهتدى الإنسان في هذه المرحلة إلى فائدة الهجرة والتنقل وعدم المكث في مكان معين لمدة طويلة ، صحيح أن في هذه المرحلة سكن الإنسان في الكهوف إلا أنه غادرها إلى كهوفاً أكثر أماناً ، ثم أن ممارسة الصيد تتطلب منه تعقب الحيوان مسافات طويلة تبعده عن مسكنه ( كهفه) لهذا عرف عن هذا الإنسان في تغير مسكنه ، خاصة واتخاذ كهوف كسكن توجد بقربها الحيوانات التي تعيش في المناطق المجاورة لسكنه ، مما يعني الاستفادة من هذه الحيوانات ، إلى جانب ظروف المناخ أو ظروف البيئة القاسية تجعل الإنسان ينتقل من مكان إلى آخر ، واهتدى بعقله أن الهجرة تساعده على الاختلاط بأجناس بشرية أخرى ، إذ هاجر إنسان ( جاوة ) شرقاً باتجاه الصين واختلط بإنسان ( بكين ) ونتج هذا الاختلاط والتزاوج نسل جديد ، لهذا لا نؤيد الرأي القائل أن الإنسان تعلم الهجرة من الحيوانات ( (70)
3- مرحلة النبوة : 100ألف – 10آلاف سنة ق.م :
تحدثنا فيما مضى أن الإنسان يحتاج إلى العون والمساعدة من ربه أثناء مسيرته وأن هذا الإنسان يعاني من النواقص ويحتاج من يرشده ويعينه لذا يحتاج إلى نبي ( 71) ، وبعد نمو عقل الإنسان وتعامله مع الفطرة فان الإنسان شعر بالحاجة إلى من يرشده للتغلب على نوازع الشر فيه وإلى جانب أنه عندما يحارب أخطار البيئة وظروفها ، وقد يؤدي ذلك إلى قتل أخيه ولو أن بعض من البشر في هذه المرحلة يحكم عقله ويعلم أن هذا العدوان أو القتل بحق أخيه غير صحيح لكنه لم يستطع اقناع أخيه فكان البشر يحتاجون إلى من يرشدهم إلى الصواب وترك الخطأ
بعد سيطرة الإنسان على بيئته وتخطى مرحلة الخطر وتامين نفسه ومن معه من الأخطار الخارجية وبعد تأمين طعامه ، أحس بالوقت الفراغ الذ استغله بالرقص والطرب ( 72) كذلك هذا الفراغ جعله يدخل في الصراع مع اخيه الإنسان وهو يريد بسط نفوذه وأخذ ممتلكات غيره نتيجة الأنانية وحب الذات
يقول بعض المؤرخين أن إنسان النياندرتال يمثل هذه المرحلة وان له عقيدة ودين من خلال ما تركه من أدلة مثل دفن الموتى ووجود الحلي الصدفية والأدوات الصوانية الخاصة للميت في قبره ( 73) ويمكن الاستدلال على وجود الأنبياء بين بني هذا الإنسان ومن جاء بعده من خلال إيمانهم بالبعث وبقاء الروح بعد الموت ، كذلك وجود أرواح – وقد تكون من هؤلاء – تعيش في مستوى أقل من مستويات عالم الموت ( البرزخ ) لأن مستواها العقلي لا يسمح لها العيش مع أرواح بني آدم إلى أن تمر بتجارب ( 74)
عرف إنسان هذه المرحلة الفن الذي كان في البداية عبارة عن أدوات وجدت في كهوف هذا الإنسان وتنوعت هذه الأدوات من مكان إلى آخر ، فقد وجدت أنواع منها في غرب أوربا تختلف عن أدوات أخرى وجدت في وسط أوربا ( 75)
تطور عقل هذا الإنسان بعد اتصاله وتزاوجه مع غيره من الأجناس البشرية المعاصرة له ، وتطور فن الكهف – غن صح التعبير- بعد انقراض إنسان النياندرتال وظهور الإنسان العاقل ( Homo Sapiens ) الذي ظهر في حدود 40ألف سنة ق.م ( 76)
نشر خبر له علاقة بالتزاوج بين الأجناس البشرية : اكتشفت امرأة من جزيرة كريت بعد عشرين عاماً من زواجها ان زوجها هو والدها الذي كان يجهل ذلك ، ولقد حاول الزوج ( الأب ) الانتحار وادخل مستشفى الأمراض العقلية ( 77) وهناك رأي ظريف في هذا الموضوع وجدته في أحد الكتب وهو أن زواج الأقربين كان محرماً في حضارة العصور الحجرية ذلك أن المرأة تنجب طفلين أو ثلاثة فقط وان نسبة وفيات الأطفال تبلغ 40% وإذا كتب للولد الحياة فانه لا يستطيع أن يتزوج أمه لأنها قد تكون عجوزاً أو متوفية وهكذا بالنسبة للبنت مع أبيها ومن جهة يحتاج الذكر إلى أنثى في مرحلة جامع الطعام فلا يستطيع ان يتزوج اخته وكذلك العكس لأن بين مولود وآخر أربع سنوات على سبيل المثال إذ عندما يتزوج الأخ من أخته تكون هذه غير بالغة وكذلك الأخت تتزوج قبل أن يبلغ أخوها وهكذا يستنتج مؤلف الكتاب أن هذه العادة كانت موجودة في المجتمع الزراعي ( 78)
هل هناك علاقة بين الفن والعقيدة ؟
في الحقيقة أن الإنسان الأول خاصة في فترة وجود أنبياء له يحتاج إلى من يرشده كما مر ذلك ، لذا قد تكون الرسوم والأشكال وهي عبارة عن الحيوانات والنباتات التي وجدت في الكهوف تذكر الإنسان ان هذه الحيوانات والنباتات مسخرة له وأنه يجب ان يحافظ عليها ، أو أن نبيهم يذكرهم ببشاعة عمل الإنسان الذي يسرف في قتل الحيوان ، لذا امتاز هذا الإنسان عما سبقه بترشيد في قتل الحيوان بدلاً من استنزاف نعم البيئة التي يعيش فيها
وقد يكون الفن ليس له علاقة بالعقيدة وإنما هو نتيجة الفراغ الذي عاشه هذا الإنسان جعله يعبر عن تصوراته بالرسوم والأشكال التي تركها في الكهوف
وكان دور الأنبياء واضحاً في هذه الفترة التاريخية من عمر هذه الأجناس البشرية وذلك في الحث على الهجرة باتجاه منطقة البحر المتوسط لتوقع ظهور جنس بشري أرقى مع نهاية فترة هذه المرحلة
الهجرة البشرية كانت موجودة منذ وجد الإنسان الأول على سطح الأرض كلما سنحت له الفرص إلى الهجرة والتنقل ، وكانت الهجرة بدافع الفطرة أو بدافع العقل بهدف البحث عن أماكن أكثر أماناً وأكثر وفرة في الطعام من النبات والحيوان ، كذلك الهدف بالاختلاط بالجنس البشري الآخر والأرقى عقلاً لزيادة النسل وتحسينه

هوامش
الفصل الأول
1 – توجد آيات كثيرة تناولت عن تسخير الله عز وجل الطبيعة للإنسان
السورة الآيات
إبراهيم 31و32
النحل 12و14
الحج 65
العنكبوت 61
لقمان 20
الأنبياء 79
ص 17-20 و66
سبأ 10-14
2- مصر الخالدة ، عبدالحميد ، القاهرة 1966 ، ص15
3- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، طه باقر ، بغداد 1976، ص20
4- البقرة/31
5- محاضرة الأوائل ومسامرة الخواطر ، علاء الدين علي دوه ، بيروت ، ص15
6- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص32
7- مصر الخالدة ، ص118
8- مصر الخالدة ، ص120
9- الحضارة ، حسين مؤنس ، عالم المعرفة ،العدد 1 ، الكويت 1976 ، ص66
10- التاريخ والجغرافيا في العصور الإسلامية ، كحالة ، دمشق 1972 ، ص40
11- في فلسفة التاريخ ، صبحي ، الاسكندرية 1975 ، ص168
12- تشكيل العقل الحديث ، عالم المعرفة أكتوبر 1984 ، ص24
13- محاضرات في فلسفة التاريخ ، هيجل ، ترجمة عبدالفتاح ، ط1980 ، ص40
14- مقدمة ابن خلدون ، ابن خلدون ، القاهرة 1966 ، ص42
15- مختصر دراسة التاريخ ، توينبي ، ترجمة شبل ، القاهرة 1964 ، ص30
16- الحضارة ، مؤنس ، ص161
17- في فلسفة التاريخ ، صبحي ، ص177
18- في فلسفة التاريخ ، صبحي ، ص179
19- محاضرات في فلسفة التاريخ ، هيجل ، ص153
20- في فلسفة التاريخ ، صبحي ، ص276
21- المدرسة القرآنية ، الصدر ، بيروت 1980 ، ص47
22- البقرة/ 30-39
23- المدرسة القرآنية ، الصدر ، ص144
24- التفسير الإسلامي للتاريخ ، عماد الدين خليل ، بغداد 1978 ، ص137
25- الأنبياء / 30
26- الأنبياء /31
27- الزخرف/ 10-11
28- الحديد / 25
29- الإسراء / 16و17
30- السقوط الحضاري ، سبتي ، الكويت 1996 ص15
31- هود/ 113
32- النساء / 97
33- إبراهيم / 21
34- إبراهيم / 21
35- السقوط الحضاري ، سبتي ، ص20
36- يقول تعالى :\\\" ويا قوم أفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين \\\" هود/ 85
37 – التفسير الإسلامي للتاريخ ، خليل ، ص261
38- السقوط الحضاري ، سبتي ، ص2
39- العصور القديمة ، براستيد ، بيروت 1983 ، ص641
40- مجلة الفكر العربي ، العدد الثاني ، السنة الأولى ، أغسطس 1978، ص11
41- معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم ، أبو المحاسن ، بيروت 1981، ص24
42- في فلسفة التاريخ ، صبحي ، ص160

الفصل الثاني
1- أساسيات عامة غي علم الحيوان ، القفل ، الكويت 1975 ، ص17
2- معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم ، أبو المحاسن ، ص24
3- أساسيات عامة في علم الحيوان ، ص17
4- تطور الجنس البشري ، السيد غلاب ، القاهرة 1974 ، ص54
5- الأنبياء / 30
6- النور / 45
7- تطور الجنس البشري ، 59
8- Edmond Perrier , The earth before history , London 1965,pp20
9- المعارف ، ابن قتيبة ، القاهرة 1960 ، ص12-15 ، وتفسير الميزان ، ج16 ، محمد حسين ، بيروت 1974 ص226 ويقول المفسر في مورد آخر من تفسيره : فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه الأرض ثم كثر ونما وعاش ثم انقرض ثم تكرر الظهور والانقراض ودار الأمر على ذلك عدة أدوار على ان يكون نسلنا الحاضر هو آخر الأدوار ( الميزان ، ج4 ، ص140 )
10- الإنسان في القرآن ، العقاد ، ص16
11- أساسيات عامة في علم الحيوان ، القفل ، ص46-47 ن ص97
12- الحضارة ، حسين مؤنس ، مجلة عالم المعرفة عدد1 ، ص91
13- الإنسان في القرآن ، ص16
14- قصة الأنثروبولوجيا ، فهيم ، مجلة عالم المعرفة ، عدد 98 ، ص40
15- العائلة البشرية ، رزقانة ، القاهرة 1961 ، ص27
16- تطور الجنس البشري ، غلاب ، ص117
17- Others General Anthropology , New York ,1965 ,pp38
18- انتصار الحضارة ، برستيد ، القاهرة 1958 ، ص50
19- ما وراء التاريخ ، هاولز ، ترجمة أبو زيد ، القاهرة 1965
20- العائلة البشرية ، ، ص36
21- العائلة البشرية ،ص45 ، وتطور الجنس البشري ، ص121 ، وما وراء التاريخ ، ص97
22- العائلة البشرية ، ص45
23- Franz Bous The Mind Of Primitive Man USApp16
24- انتصار الحضارة ، برستيد ، ص70
25- السلالات البشرية الحالية ، ، ترجمة غلاب ، القاهرة 1961
26- أصول الجغرافية البشرية ، الصفار والفيل ، الكويت 1984 ص18
27- بنو الإنسان ، مجلة عالم المعرفة ، عدد يولوي 1983 ، ص39
28- مقدمة في تاريخ العراق القديم ، باقر ، ص151
29- انتصار الحضارة ، برستيد ، ، ص80
30- ما وراء التاريخ ، هاولز ، ص97
31- معالم تاريخ الشرق الأدنى ، أبو المحاسن ، ص22
32- تطور الجنس البشري ، غلاب ، ص105
33- John Wiley and Son General Biology USA 1961
34- الحضارة ، مؤنس ، ص15
35- العائلة البشرية ، رزقانة ، ص127
36- قصة الإنسان ، جورج حنا ، بيروت 1951 ، ص37
37- Harry L. Ahapivo Man Culture and Society New York 1966 pp22
38- العصور القديمة ، برستيد ، ص17
39- نفس المصدر السابق ص20
40- نفس المصدر السابق ص15
41- نفس المصدر السابق ص15
42- نفس المصدر السابق ص18
43- معالم تاريخ الشرق الأدنى ، أبو المحاسن ، ص39
44- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، باقر ، ص174
يقال أن الإنسان الصيني قد عرف النار منذ 500ألف سنة أو 400ألف سنة ق.م وانه استعملها في البداية للتدفئة ، وهناك رأي يقول أن الإنسان في جبل الكرمل بفلسطين قد عرف النار في حدود 150ألف سنة ق.م ، والثابت أن في هذا العصر وبعد مزاولة الإنسان العاقل الصيد واعتماده في مأكله على لحم الحيوان وذلك بعد طهي اللحم علماً ان أسلافه كانوا يأكلون اللحم نياً
45 بنو الإنسان ، الكرمي ، ص82
46 – ارتقاء الإنسان ، ج. برونو ، مجلة عالم المعرفة ، ص32
47 - مصر الخالدة ، زايد ، ص36، ومعالم تاريخ الشرق الأدنى أبو المحاسن ، ص267
48 – تطور الجنس البشري ، غلاب ، ،ص223
49 –البدائية ، مجلة عالم المعرفة ، عدد53 ، ص288
50 تطور الجنس البشري ، ص225
51 البدائية ، مجلة عالم المعرفة ، عدد53، ص288
52 العائلة البشرية ، رزقانة ، ص133
53 مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، باقر ، ، ص192
54 معالم تاريخ الشرق الأدنى ، ص332
55 العصور القديمة ، ص320، ومصر الخالدة ، ص38
56 نفس المصدر السابق ص322
57 يقول بوس ( Boas ) في كتابه : General Anthropology : صحيح أن حياة الإنسان القديم حياة حيوانية لا وجود للعقيدة والقيم فيها إلا أن الأحلام والرؤيا لها دور في ظهور العقيدة لدى هذا الإنسان بل ويذهب بعض آخر إلى تبني نظريات مادية لنشأة الدين لدى هذا الإنسان مثل : عامل الخوف والاعتقاد بالقوة المطلقة وعامل السحر ، ص627
58 تحرير الوسيلة ، باب المعاملات ، بيروت 1397هج ص640
59 البدائية ، مجلة عالم المعرفة ، عدد53 ص288
60 General Anthropology , Boas pp627
61 تفسير الميزان ، محمد حسين ، ج16 ، ص187
62 نفس المصدر السابق ، ص187
63 بنو الإنسان ، مجلة عالم المعرفة ، عدد67 ، الكويت 1983 ، ص419
64 البدائية ، عالم المعرفة ، عدد53 ، ص78
65 الموت في الفكر الغربي ، مجلة عالم المعرفة ، عدد67 ، الكويت 1984 ، ص34
66 M.F, Ashley Mantagu Culture and the Evolution of Man , New York ,1962 pp8
67 البدائية ، عالم المعرفة ، عدد53 ، ص142
68 نفس المصدر السابق ، ص140
69 ارتقاء الإنسان ، ص77
70 البدائية ، ص143
71 الإسراء / 95
72 الحضارة ، مجلة عالم المعرفة ، عدد1 ، الكويت 1978 ص33
73 البدائية ، مجلة عالم المعرفة ، عدد53 ، ص144
74 على حافة عالم الأثير ، ترجمة أبو الخير ، القاهرة 1945، ص149
75 البدائية ، عالم المعرفة ، عدد53، ص42
76 السلالات البشرية الحالية ، ترجمة غلاب ، ص70
77 جريدة القبس الكويتية ، عدد8183، 4/4/1996
78 بنو الإنسان ، مجلة عالم المعرفة عدد67، الكويت 1983، ص422
6/9/2012