التراث الفقهي المالكي الأندلسي بين التنوع والتكامل

يوسف نكادي
y.ngadi55@hotmail.fr

التراث الفقهي المالكي الأندلسي بين التنوع و التكامل
إسهامات كتب الأحكام و كتب الفتاوى و كتب العقود
في تسليط الضوء على الاستغلاليات الخاصة
وعلى نظم استثمارها

يتميز التراث الفقهي المالكي الأندلسي بثرائه، حيث يتألف من عدة مصنفات تتوزع بين كتب تراجم و كتب أحكام وكتب فتاوى ونوازل وكتب شروط و عقود لا مناص للباحث في تاريخ و حضارة الأندلس من اعتمادها نظرا لوفرة المادة العلمية التي تتضمنها، و هي وفرة يمكن أن تحقق للباحث نوعا من التكامل بالنسبة لموضوع البحث. و قد ارتأينا في هذا العرض تبيان خاصية التنوع و التكامل في التراث الفقهي المالكي الأندلسي من خلال البحث في مدى إسهام بعض من مصنفاته، التي تعود للقرن الخامس الهجري، في تسليط الضوء على الاستغلاليات الزراعية الخاصة وعلى النظم التي كانت متبعة في استثمارها.
تسمح المادة التي توفرها نماذج من هذه المصنفات بالقول بأن الاستغلاليات الزراعية الخاصة شغلت حيزا مهما في خريطة الملكيات العقارية. تتحدث عنها تلك المصنفات تحت عدة مسميات من بينها الضياع والمجشرات والحقول والبساتين والجنات و الحدائق و الفدادين. و قد كانت منتشرة داخل محيط المدن وخارج أسوارها، وكذلك بمختلف قرى الأرياف.
إمتلك هذا النوع من الاستغلاليات خاصة المجتمع وعامته من مسلمين وأهل الذمة. وبما أن هذه الفئات كانت متباينة ماديا و اجتماعيا، فقد كانت مساحة تلك الاستغلاليات متفاوتة، كما أنها كانت مختلفة من حيث بنياتها، و كذلك من حيث نظم استثمارها، وأساليب العمل بها و طرق الحصول عليها. و من ثم، يمكن التمييز فيها بين ثلاثة أشكال: استغلاليات كبرى؛ هي عبارة عن ضياع أو قرى بأكملها كان يملكها كبار الملاكين من أفراد الأرستقراطية كالوزراء والقضاة والفقهاء، واستغلاليات متوسطة كانت تملكها بعض الأسر الموسرة، ثم الاستغلاليات الأسرية الصغيرة الحجم والمتمثلة في البساتين والجنات والفدادين التي كانت في حوزة فلاحين "حضريين" وآخرين "بدويين"؛ ومن بين مالكيها أيضا بعض المتصوفة الزهاد. وقد كانت جميع هذه الاستغلاليات تستثمر لإنتاج مختلف أنواع المزروعات والمغروسات. كما اتخذها بعض المالكين كفضاءات للنزهة والاستجمام.
تقتضي ضرورة البحث الحديث عن بنية كل شكل من هذه الاستغلاليات و عن النظام الذي كان متبعا في استثماره، ولكن نظرا لضيق المساحة، سنكتفي في هذا العرض بالحديث عن الاستغلاليات الكبرى والمتوسطة وعن النظام الذي كان متبعا في استثمارها.
كان الوزراء أهم الأطراف المالكة للضياع. فقد مكنتهم مناصبهم الإدارية وما كانت تدره عليهم من أموال من أن يصبحوا من كبار الملاكين العقاريين، حيث حاز بعضهم منية أو ضيعة أو ضياعا في سياق عمليات منح الإقطاعات، كما أن بعضهم الآخر استطاع اقتناء ضيعة أو مجموعة ضياع بوسائله الخاصة عن طريق الشراء أو الاغتصاب.
وتمدنا بعض النصوص الأدبية و الفقهية بمعلومات عن بنماذج من هؤلاء الوزراء. ومن بينهم أبو عامر محمد بن عبد الله ابن مسلمة و أبو محمد عبد الله بن عبد البر و أبو العباس بن العريف. فالأول كان وزيرا قبيل سنة 400هـ. اقتنى عدة ضياع بأحواز إشبيلية. وعند بداية حكم المعتضد بن عباد سنة 433هـ "انحاز له وحالفه" خوفا من أن يصادر ممتلكاته . و الثاني رحل من قرطبة إلى اشبيلية التي استقر بها " وأخذ في اقتناء الضياع والديار..." . وبعد مدة غادرها ليعود مرة أخرى إلى قرطبة التي توفي بها سنة 458هـ و خلافا لهما، فان الثالث، أي ابن العريف، فضل استعمال أسهل الوسائل لحيازة قطعة أرض، فقام "(..) باغتصاب ضيعة" من الفقيه أبي عامر أحمد بن عيسى الألبيري المتوفى سنة 429 هـ .
وما قيل عن الوزراء يكاد ينطبق على القضاة، فقد استغل ثلة منهم مناصبهم وانتماءاتهم إلى أسر عريقة فامتلكوا الضياع المغلة عن طريق الاقتناء أو الميراث؛ بل استطاع بعضهم أن يصبح مالكا لأكثر من ضيعة. فهذا أحد أقطابهم إسماعيل بن عباد اللخمي قيدوم القضاة "(...) ورجل الغرب قاطبة المتصل الرئاسة في الجماعة والفتنة، كان أيسر من بالأندلس وقته، ينفق من ماله وغلاته، لم يجمع درهما قط من مال السلطان ولا خدمه..." . وقبل وفاته سنة 413 هـ ولى ابنه أبا القاسم محمد منصبه، فورث هذا الأخير المهنة والثروة النقدية والعينية التي ضاعف منها فأصبح "(..) يملك ثلث إشبيلية ضيعة وغلة" . وقد اشترك معهما القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن الجذامي النباهي (الذي توفي مقتولا سنة 463 هـ) في كونه "(...) لم يأخذ على القضاء رزقا من بيت المال مدة حياته، وكان عن التعالي بالمرتب في غناء لكثرة ماله ولما تقدم من أرزاقه بتحرير أملاكه. وكانت من الكثرة بحيث ناهزت أملاك صاحبه القاضي بإشبيلية" .
وعلى غرار الوزراء والقضاة، كان عدد من كبار فقهاء القرن الخامس الهجري يملكون ضياعا تناهت عددا. و على رأس هؤلاء أبو الحسن إبراهيم بن محمد المعروف بابن السقاء الذي " ابتنى القصور المنيعة واقتنى الضياع المغلة إلى أملاك لا تحصى كثرة" ، وأبو بكر يحيى بن سعيد المكنى بابن الحديدي الذي استطاع اقتناء الضياع المغلة. وغدا من كبار ملاكي طليطلة. فاتسعت دائرة نفوذه، وخاصة في عهد القادر حفيد ابن ذي النون؛ حتى فتك به بإيعاز من بعض أعداء الفقيه في أواخر محرم من سنة 468هـ .
ولم تكن الاستغلاليات الخاصة الكبرى حكرا على الوزراء والقضاة وكبار الفقهاء كما رأينا، فقد شاركهم في امتلاك استغلاليات مماثلة لها بعض التجار الذين استثمروا أموالهم في العقار، وعدد من أفراد الأسر الأرستقراطية. إذ تفيد بعض كتب التراجم بأن عددا من التجار كانوا يستثمرون أموالهم قبل القرن الخامس في التجارة وفي اقتناء الأراضي الزراعية أيضا ، غير أن مستجدات القرن جعلت عناصر منهم تتراجع عن ذلك. بل إن بعضهم آثر العافية وتوقف عن كل نشاط . و تتضمن كتب الفتاوى و كتب الأحكام بدورها معلومات تفيد بأن عددا من أفراد الأرستقراطية كانوا يملكون استغلاليات كبرى. ولعل أهم هذه المعلومات ما ورد في "أحكام" الشعبي المالقي عن "الرجل الذي حبس قرية على ابنيه(...) كانت تحدها جبال وتتصل بها من كل ناحية أملاك أخرى للمحبًّس..." . و ما ورد في "فتاوى" ابن رشد عن "الرجل [الذي كان يملك] قرية تلاصقها فدادين غلبت عليها الشعراء..." . و عن الرجل الذي تصدق على ابنه الكبير "بأرض وحديقة أعناب ودور وجزء من سد أرحاء على نهر..." ، و ما ورد في "نوازل"
ابن الحاج عن المدعو محمد بن أحمد الذي كان يملك ثلث الأراضي الواقعة بقرية منت أنيانة. وقد كانت تتشكل من "حقول ومسارح وولائج على ضفتي وادي شوش والوادي الكبير..." .
وإذا كان عدد من الوزراء والقضاة وكبار الفقهاء، وكذلك كبار الملاكين من أفراد الأرستقراطية قد استطاعوا الزيادة في عدد الضياع وغيرها من العقارات التي كانت في حوزتهم عن طريف الاقتناء أو عن طريق الأعطيات، فان بعضهم حقق هذا المسعى عن طريق الارتماء على الأراضي التي هجرها أصحابها بمناسبة أحداث الفتنة وما استتبعها من فوضى سياسية وعسكرية ، أو عن طريق ما يعرف في كتب النوازل والفتاوى ببيع الغبن أو الضغوط أو عن طريق الغصب و الاستحواذ الصريحين.
ومما لا شك فيه أن ظاهرتا الغصب و الاستحواذ كانتا تحدثان باستمرار في أندلس القرن الخامس الهجري، لأن كتب الفتاوى و النوازل المشار إليها تحفل بحالات كثيرة عنهما ، إلى درجة أن بعض هذه المصنفات تترك الانطباع بأن ظاهرتا الغصب والاستحواذ أصبحتا شائعتين في أندلس القرن الخامس الهجري . بل يبدو أن أصداءهما وصلت إلى بلاد العدوة كما يتضح من خلال سؤال ورد على القاضي عياض من مدينة ابن السليم (شذونة) لاستصدار فتوى في شأن أحد ولاة تلك الجهة سطا على " مجشر" بظهير المدينة ورثه شخصان عن أبيهما. وشرع في استثماره مزارعون لحسابه تحت حراسة فرسان يعملون تحت إمرته، ضايقوا أرباب المجشر حتى اضطروا إلى الفرار منه .
ونخلص من خلال هذه المعطيات، التي تتضمنها نماذج من المصنفات الفقهية التي أحلنا عليها، إلى فكرة مؤداها أن الأرض شكلت موضوع رهان بالغ الأهمية بين الأرستقراطية العقارية والفلاحين؛ وأن أفراد الأرستقراطية كسبوا ذلك الرهان واستطاعوا امتلاك الضياع والزيادة في عددها و في مساحتها. و تفيد نفس المصنفات بأن استغلاليات أفراد الأرستقراطية شهدت خلال القرن الخامس الهجري حركية دائبة بسبب ما كان ينضاف إليها من قطع أرضية، أو ما كان ينتقص منها كذلك.
فالإضافات كانت تتم عن طريق شراء مالك الاستغلالية لقطعة أرض أخرى، أو عن طريق الغصب أو الاستحواذ كما رأينا. أما اﻹنتقاص، فكان يتم على إثر منح هبة أو عند تصدق المالك على الأبناء، أو بمناسبة تصفية التركات وتوزيع الإرث.
وتبعا لعمليات اﻹنتقاص، وخاصة منها تلك التي تترتب عن توزيع الإرث، فإن استغلالية كبرى أو متوسطة في حوزة شخص واحد (الأب مثلا) كانت تتحول إلى مجموعة استغلاليات في حوزة عدة مالكين (ثلاثة أو أربعة أبناء مثلا)، أي تتحول إلى مجموعة وحدات اقتصادية منتجة طبعا، ولكن بعضها تغدو غير مختلفة من حيث البنية عن استغلاليات البسطاء من الفلاحين بالنظر لصغر مساحتها.

كانت الاستغلاليات الخاصة الكبرى و المتوسطة تستثمر وفق نظام استثمار بهدف إنتاج مزروعات و مغروسات كما أشرنا إلى ذلك من قبل. و من المعلوم أن نظام الاستثمار يمثل أهم مكونات العمل الزراعي، و من ثم كان من المفروض أن تخصص له كتب الفلاحة حيزا مهما، غير أنها على العكس من ذلك لا تتضمن سوى معلومات محدودة بشأنه. و تتميز عنها كتب الفقه في كونها تمد الباحث بمعلومات ضافية في الموضوع.
فقد خصصت كتب الأحكام بالفعل "كتبا" للحديث عن "المزارعة" و"المغارسة" و "المساقاة". وأسهبت في الحديث عن موضوع كل صيغة منها. وعن الأطراف المعنية بها، وعن الأسس والمبادئ التي تقوم عليها انطلاقا من مرجعية فقهية واحدة يمثلها المذهب المالكي السائد في الأندلس وعموم أقاليم الغرب الإسلامي. وإن كانت المادة التي تقدمها في هذا الشأن لا تعير للبعد المكاني أو الزماني أي اعتبار رغم إحاطتها بدقائق الأمور. فحديثها عن "المزارعة" أو "المغارسة" مثلا هو حديث عن مبادئ يمكن أن تصلح لكل زمان ومكان في الغرب الإسلامي.
وعلى غرارها، فإن كتب العقود والشروط تتضمن مادة تهم الموضوع. من خلال نماذج عدة من صيغ عقود "المغارسة" أو "المزارعة" أو "المساقاة" أو "الكراء" التي كانت تبرم بين مالك عقاري ومزارع، أو شخص يرغب في كراء استغلالية لاستثمارها لحسابه. وبمقتضى هذه العقود كان يتم استثمار استغلالية الطرف المالك. .
و الجدير بالملاحظة في هذا المقام أن كتب أحكام الفقه تتحدث عن المزارعة والمغارسة والمساقاة والكراء والمناصفة والمشاركة، و تستعرض كتب العقود والشروط من جانبها نماذج من عقود المزارعة، يتحدث بعضها عن مزارعة على الثلث، وبعضها عن مزارعة على الربع وهلم جرا؛ الأمر الذي يترك الانطباع لدى قارئ هذه المصنفات بأن ألأمر يتعلق بألف نظام استثمار.
و الواقع هو أن المزارعة، بمختلف متغيراتها، والمغارسة والمساقاة والكراء التي تسهب في الحديث عنها تلك المصنفات، وتختلف أيضا بشأنها، ليست في حقيقة الأمر سوى صيغا متعددة لنظام استثمار واحد كان يتبعه كبار الملاكين العقاريين من أمثال قاضي إشبيلية إسماعيل بن عباد اللخمي الذي كان يملك عدة ضياع كما تذكر بعض النصوص. والتي تضيف بأنه " كان واسع اليد بالمشاركة" ؛ في إشارة إلى النظام الذي كان يتبعه لاستثمارها. وعلى غراره كان يستثمر بعض كبار ومتوسطي الملاكين العقاريين استغلالياتهم. ويتخذ هذا النظام صيغا مختلفة تبعا لما يرغبون القيام به من أعمال قد تهم زراعة أنواع من الحبوب والقطاني أو غراسة أصناف من الأشجار وأنواع من النبات أو سقيها. فيكون العقد الذي يبرمونه شخصيا، أو يبرمه وكلائهم، مع من سيقوم بذلك من المزارعين تابعا لنوعية العمل المراد القيام به، وعندها يكون عقد مزارعة أو عقد مغارسة أو عقد مساقاة. وفي حالات أخرى قد يقوم مالك الاستغلالية بكرائها لمن يقوم بتلك الأعمال.
و عموما، فان النظام الذي كان يتبعه كبار و متوسطو الملاكين العقاريين، سواء كانوا مستقرين في استغلالياتهم أو كانوا مستقرين في الحواضر ولهم استغلاليات بالأرياف، كان نظام استثمار غير مباشر. تمثل المزارعة أهم صيغ هذا النظام، و تعتبر في نظر الفقهاء الصيغة الأمثل لاستثمار الأرض لأنها تتطابق مع الشرع وترد أحيانا تحت اسم المشاركة أو المناصفة أو المحاقلة أو المخابرة .
ويتم اللجوء إليها عندما يرغب أحد كبار أو متوسطي الملاكين العقاريين في زراعة استغلاليته أو زراعة قسم منها بنوع من أنواع الحبوب. لذلك نجد أن العقود المبرمة بشأنها كانت الأكثر شيوعا وانتشارا.
و تتم المزارعة كما يقول الفقهاء "بجزء مشاع مسمى مما يخرج الله تعالى من الأرض" . وتقوم على عدة مبادئ هي موضوع اختلاف أحيانا بين الفقهاء، ومع ذلك نستطيع أن نلخص الأساسي من تلك المبادئ كما يلي:
أولا، تتم المزارعة بين شخصين أحدهما صاحب الأرض أو وكيل ينوب عنه والآخر عامل مزارع.
ثانيا، تقوم المزارعة على أساس عقد بين الطرفين السالف ذكرهما.
ثالثا، تتراوح مدة عقد المزارعة بين سنة وأربع سنوات كما توضح ذلك النماذج التي تمدنا بها كتب العقود والشروط . غير أن بعض الفقهاء، وعلى رأسهم ابن حزم، ذهبوا إلى القول بأنه لا يجب اشتراط مدة معينة. "لأن عقد المزارعة مطلق" . ومن ثمة، فإن اشتراط مدة زمنية عامل باطل، في نظرهم، لأنه مخالف لما ورد في كتاب الله تعالى. ولما كان يعمل به الرسول صلى الله عليه وسلم. وما كان يعمل به الصحابة رضي الله عنهم.
رابعا، تنتهي عملية المزارعة بانتهاء مدة العقد، إذا كانت هذه المدة الزمنية محددة طبعا. وإذا كانت مفتوحة كما يوصي بذلك ابن حزم فإن المزارعة قد تنتهي بوفاة أحد طرفي العقد. أو بخروج أحدهما من العملية. وحتى في حالة وفاة أحدهما من الممكن أن تستمر، وذلك إذا توفي صاحب الاستغلالية وأقر ورثته المزارع وأبقوه في عمله، ورضي هذا الأخير بذلك. وكذلك إذا توفي المزارع وأقر صاحب الاستغلالية (أو وكيله) أحد أبناء المزارع ورضي هذا الأخير (أي الابن) بذلك .
خامسا، تنص نماذج من صيغ عقود المزارعة على نوعية الحبوب أو القطاني التي على المزارع زراعتها. بل إنها تحدد كميتها بكيل قرطبة "كذا وكذا قفيزا من القمح أو الشعير" و "كذا وكذا قفيزا من الفول أو الجلبان.." . أما ابن حزم فيقف موقفا متحفظا من هذا المبدإ. إذ يؤكد أنه لا يجوز أن يشترط في العقد نوع من الحبوب. بل يجب أن يتم ذلك عن طريق التوافق والتراضي بين طرفي عملية المزارعة. مستندا في ذلك على ما جرى به العمل من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم. فهو، في نظر ابن حزم، لم يكن يذكر شيئا فيما يتعلق بنوعية البذور، كما أنه لم يكن ينهي عن ذكر ذلك .
سادسا، يمكن لمالك الاستغلالية أن يتطوع فيقدم للمزارع كمية من الحبوب أو مبلغا من المال على أساس السلفة؛ أو كهبة أو كصدقة من باب التكافل الاجتماعي. ولا يجب أن يشار إلى ذلك في العقد، فإن حدث ذلك أصبح العقد باطلا
سابعا، يمكن لمالك الاستغلالية أن يخرج المزارع من العملية بعد أن يكون هذا الأخير قد قام بعملية بذر وزرع القطعة المتفق عليها. كما يمكن للمزارع بدوره أن ينسحب من العملية. غير أن ابن حزم وبعده ابن رشد يسجلان تحفظهما بخصوص هذا الموضوع. ويريان أن الضرورة تقتضي أن يستمر المزارع في العمل وخدمة الزرع حتى ينضج . وفي حالة ما إذا توفي المزارع قبل أن ينضج الزرع، فعلى أبناء المزارع أو ورثته الاستمرار في خدمة الزرع حتى يبلغ مبلغ الاستفادة منه. ويظل العقد بمقتضى هذا الإجراء صحيحا لأن المراد من وراء هذا الإجراء تحقيق المنفعة تفاديا لضياع المال والجهد وفساد الزرع.
ثامنا، حين تبلغ الحبوب أو القطاني درجة الانتفاع بها، يشرف المزارع على حصادها ونقلها إلى الأندر ودرسها وذروها حتى تصير حبوبا مصفات فيتقاسمها طرفا المزارعة بينهما نصفين . أما التبن المحصل عليه بعد الذرو، فهو بين صاحب الاستغلالية والمزارع لأنه مما أخرج الله تعالى من الأرض .
إن ما سجلناه في المبدإ الثامن بخصوص الناتج عن عملية المزارعة، الذي يتم تقسيمه، نصفين بين صاحب الاستغلالية والمزارع، كما قلنا، يحدث حين تقوم المزارعة على مبدإ التكافؤ بين طرفيها. فتكون آنذاك "مزارعة تكافئ الاعتدال" كما يسميها الفقهاء والموثقون . أي أن خدمة المزارع فيها تكون مكافئة لنصف كراء الأرض.
غير أن هذا التكافؤ لا يحصل دائما، ومن ثمة كان هذا الاختلاف في المزارعة الذي يترجمه تعدد وتنوع صيغ العقود المبرمة بشأنها كما اشرنا إلى ذلك من قبل، فتكون المزارعة على الأوجه التالية:
- المزارعة على الثلث، وبمقتضى العقد الذي ينظمها يقدم المالك العقاري قطعة الأرض وثلثي (3/2) كمية البذور. في حين يقدم المزارع ثلث (3/1) الكمية. فيتم خلط البذور. ويشرع المزارع في العمل بنفسه وبأزواجه وآلته. وقد يستعمل بعض العمال الأجراء لمساعدته حتى تمام المزارعة. أي حتى يصبح الزرع قابلا للانتفاع به . فيكون في هذه الحالة ثلث كراء الاستغلالية المزروعة معادلا أو مساويا لثلثي عمل المزارع.
- المزارعة على الربع، وبمقتضى العقد الذي ينظمها يقدم المالك العقاري الأرض وثلاثة أرباع (4/3) كمية البذور. في حين يقدم المزارع ربع (4/1) كمية البذور. ويقوم بالعمل بنفسه وبأزواجه وآلته. وبإمكانه هنا أيضا الاستعانة ببعض العمال الأجراء حتى تمام المزارعة. فتكون آنذاك ثلاثة أرباع عمل المزارع متساوية مع ربع كراء قطعة الأرض المزروعة .
- المزارعة على الخمس، تتم هي الأخرى على أساس عقد، وبمقتضاه يقدم مالك الاستغلالية أربعة أخماس (5/4) كمية البذور، كما يقدم آلة الحرث والأزواج التي تجرها، في حين يقدم المزارع خمس (5/1) كمية البذور ويقوم بالعمل حتى تمام المزارعة .
- المزارعة على السدس: وبمقتضى العقد الذي ينظمها يقدم مالك الاستغلالية خمسة أسداس (6/5) كمية البذور. كما يقدم أبقاره وآلة الحرث. في حين يقدم المزارع سدس (6/1) كمية البذور. ويشرع في العمل حتى تمام المزارعة، فيكون في هذه الحالة سدس كراء القطعة المزروعة معادلا أو مساويا لخمسة أسداس عمل المزارع .
لقد أوضحنا فيما مضى أن المزارعة صيغة استثمار واحدة. ونعود لنؤكد مرة أخرى بأن الأوجه الأربعة التي استعرضنا مقوماتها بإيجاز لا تمثل صيغا أخرى وإنما هي متغيرات (des variantes) للصيغة الرئيسية، وقد تتعدد وتتنوع هذه المتغيرات أيضا انطلاقا من موقع الحيوانات وآلة الحرث في عملية المزارعة. فقد يقدمها صاحب الاستغلالية، وقد يقدمها المزارع.
فقد رأينا في المزارعة على الربع أن المزارع يقدم ربع كمية البذور وأزواجه وآلة الحرث وعمله. وقد يحدث في مزارعة من هذا القبيل أن يقدم المزارع ربع كمية البذور، وثورا واحدا (أو بقرة)، في حين يقدم مالك الاستغلالية ثلاثة أرباع (4/3) كمية البذور وثورا واحدا ( أو بقرة). ويشترك المزارع ومالك الاستغلالية في آلة الحرث بأن يقيمان قيمتها ويشتركان فيها مناصفة .
وقد يوقع عقد مزارعة على الربع بين طرفين في وجه مختلف تماما عن الوجهين السالف ذكرهما. فقد ورد في فتوى لابن رشد على إحدى النوازل أنه بالإمكان أن يقدم المالك العقاري قطعة الأرض المراد زراعتها والبذور والأبقار. ويقدم المزارع عمله، فيبرم عقد في هذا المعنى ويشرع المزارع في العمل حتى تمام المزارعة، فيكون من نصيبه ربع كمية المحاصيل فيما تكون للمالك العقاري ثلاثة أرباع الكمية.
والجدير بالإشارة أن "فتاوى" ابن رشد تعتبر المؤلف الوحيد الذي يتضمن معلومات قليلة جدا عن أحد متغيرات المزارعة، أما مؤلفاته الأخرى وأهمها كتاب "البيان والتحصيل"، وكذلك المصنفات الفقهية الأخرى التي تهم القرن الخامس الهجري ككتاب "المحلى" لابن حزم أو كتاب "المقنع في علم الشروط" لابن مغيث الطليطلي، فإنها لا تتضمن معلومات عن مزارعة على الثلث أو الربع أو الخمس أو السدس. وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد بمحدودية انتشار العمل بهذه المتغيرات في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري على الأقل. لنخلص إلى القول بأن صيغة المزارعة في شكلها الرئيسي والتي استعرضنا مبادئها الأساسية كانت من دون شك أكثر الصيغ المعمول بها.
إذا كانت المزارعة صيغة استثمار تقوم بين طرفين بهدف زراعة الاستغلالية (أو قسم منها) بنوع من أنواع الحبوب أو القطاني، فإن المغارسة تعتبر بدورها صيغة استثمار تقوم بين طرفين بهدف غراسة الاستغلالية ( أو قسم منها) بنوع من أنواع الأشجار المثمرة كالزيتون أو التين أو شجيرات الكروم أو الرمان أو التفاح...
ويتضح من خلال كتب أحكام الفقه أن موضوع المغارسة يدور بوجه خاص حول غراسة فصيل أو فصائل من الأشجار المثمرة، في حين توضح بعض نماذج صيغ العقود التي تتضمنها كتب العقود والشروط إمكانية قيامها حول غراسة بعض المقاثي.
والجدير بالذكر أن المصنفات الفقهية التي اطلعنا عليها تتحدث عن أحكام المغارسة وتستعمل كلمة الأشجار في صيغة الجمع دون أن توضح ما إذا كانت تلك الأشجار موضوع المغارسة من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، باستثناء كتاب "الأحكام" للشعبي المالقي الذي يذهب إلى القول بأن المغارسة لا تصح في أشجار مختلفة.
وينقل في هذا الشأن عن الفقيه المفتي أبي عمر أحمد بن إبراهيم المعروف بابن الهندي (توفي سنة 399 هـ) قوله في فتوى لم يورد سؤالها "وإن غارسه في أشجار مختلفة كالتفاح والإجاص وما أشبههما مما يعرف أن بعضها يحمل قبل بعض بمدة فذلك لا يجوز، وإنما يجوز فيها حينئذ أن يغارسه في جنس واحد منها" .
ومهما يكن من أمر، فبمقتضى عقد مغارسة، فإن المالك العقاري ( أو وكيله) يقدم قطعة الأرض التي يرغب في غراستها إلى عامل مغارس لمدة معينة تنتهي "مع بداية الإطعام"، أي عندما تظهر الثمرات الأولى. وقد تنتهي قبل ذلك، أي عندما تبلغ الأشجار المغروسة مستوى الشباب . وهو مستوى معروف في الأوساط المهتمة بالزراعة عموما وغراسة الأشجار بوجه خاص. ويستفاد من بعض النوازل التي أفتى فيها ابن رشد أن عملية المغارسة إذا ما حدث أن استوفت مدتها، فإنها تستغرق بين سبع سنوات وعشر سنوات .
وعلى أساس العقد الذي أشرنا إليه، يقوم المغارس بقلب تربة قطعة الأرض المراد غراستها مرتين أو أربع مرات خلال السنة وفق اتفاق ينص عليه العقد. كما يقوم بحفر عدد معين من الحفر خلال السنة؛ كل واحدة منها ذات عمق متفق عليه. وهو في الغالب العمق المتعارف عليه في أوساط المهتمين بالزراعة وغراسة الأشجار. وبطبيعة الحال يقوم المغارس خلال مدة عمله بغراسة أصول نوع أو أنواع من الأشجار التي يأتي بها مالك الاستغلالية. وكل هذه الأعمال تكون نظير أجر قد يكون على مجموع العمل، أو قد يكون على أصل كل شجرة نضجت وأثمرت. وفي حالات أخرى قد تتم العملية نظير نصف قطعة الأرض موضوع المغارسة ونصف ثمار الأشجار المغروسة .
وإذا كان الفقهاء لا يجيزون للمزارع الانسحاب من عملية المزارعة، ففي مجال المغارسة يجيزون للمغارس ذلك. إذا ما حدثت دواعي أرغمته على القيام بذلك قبل تمام المدة المتفق عليها. وفي هذه الحالة يمكن له استدعاء مغارس آخر ليحل مكانه "بشيء يأخذه منه" . ولا حق عندئذ لصاحب الاستغلالية في الاعتراض على هذا الإجراء.
وبالمثل، فإن الفقهاء يجيزون للمالك العقاري إخراج المغارس من العملية قبل تمام مدتها. وإذا ما حصل ذلك، فعليه أن يقدم للمغارس قيمة ما غرسه من أصول الأشجار، وأجرته التامة عن العمل الذي قام به من حفر وغرس وسقي ومعالجة للأصول أو للأشجار إبان مراحل نضجها طيلة المدة التي قضاها المغارس في العمل
لقد أشرنا في معرض حديثنا عن الأعمال التي يقوم بها المغارس إلى عملية السقي التي تعتبر إحدى مكونات العمل الزراعي. وتكتسي أهمية بالغة في ضوء المتغيرات المناخية التي تطرقنا لها في الفصل الأول. وتزداد أهمية السقي إذا علمنا بأن نبتة البذور حين تظهر على سطح الأرض، وكذلك أصول الأشجار بعد غرسها مباشرة تحتاج إلى كميات من المياه لمساعدتها على النمو في هذه المراحل الأولى.
وانطلاقا من هذه الأهمية، فإن كبار ومتوسطي الملاكين العقاريين لم يكونوا يقومون بعملية السقي بأنفسهم. بل كانوا يسندونها إلى أفراد مختصين يعرفون بالمساقين. وقد أجاز الفقهاء لأولئك الملاكين العقاريين الاعتماد على خدمات هذه الفئة، لأنه لا يمكن لهم "عمل حوائطهم بأيديهم" كما يقول ابن رشد . وهذه "الاستحالة" هي ما يعبر عنه الفقهاء "بالعجز" الذي يجعلونه أحد شروط قيام عملية مساقاة .
وانطلاقا من هذه الاعتبارات ومن غيرها كان كبار ومتوسطو الملاكين العقاريين يعتمدون المساقاة كصيغة ثالثة لنظام الاستثمار المتبع في استغلالياتهم الخاصة. وقد كانت هذه العملية تتم بمقتضى عقد يبرم بين المالك العقاري (أو وكيله) والمساقي على شاكلة عقود المزارعة والمغارسة. تستغرق مدة سريانه سنة واحدة في الأغلب الأعم . وقد يجوز أن تكون المدة "سنينا معلومة وأعواما معدودة، إلا أنها تكره فيما طال من السنين" .
أما المجال الذي تتم فيه عملية المساقاة، فهو في الأغلب الأعم قطعة أرض تغطيها أشجار مثمرة، شريطة أن تكون تلك الثمار لا زالت لم تصل بعد مرحلة النضج والجني. وقد تتم في حدائق أعناب (كروم) . وفي أحايين قليلة قد تتم في قطعة أرض مزروعة بنوع من أنواع الحبوب، أو الفول أو الجلبان. أو في قطعة أرض مغروسة بالورود والياسمين، أو قصب السكر أو القطن . أو في حوائط الرطاب . وهي الفضاءات المخصصة للفصة والبرسيم لعلف الحيوانات.
وكما هو واضح من خلال المعلومات السالفة، فإن المساقي يقوم بمقتضى العقد المشار إليه بالسقي مستغلا المصدر المائي الواقع في دائرة حدود قطعة الأرض التي يقوم بسقيها. ولكن اعتمادا على حيواناته وآلته للقيام برفع المياه .
وعلى هامش عملية السقي يقوم المساقي بأعمال خفيفة كإزالة الأعشاب من السواقي لتسهيل جريان المياه. وكذلك تنقية الحوائط وأحواض الأشجار من الأعشاب الطفيلية أو الأحجار حتى تستفيد مغروسات الحوائط وأصول الأشجار من المياه التي تتلقاها. ويمكن أن يقوم أيضا بتقليم أغضان ألأشجار وزبر الكروم.
غير أن القوانين الواردة في كتب الأحكام الفقهية لا تجيز للمالك العقاري إلزام المساقي بالقيام بأعمال كبرى كإقامة الحواجز أو التزريب أو بناء مستودع لحفظ الثمار، أو أشياء من هذا القبيل.
وتنتهي عملية المساقاة بأن يقدم صاحب الاستغلالية للمساقي نصف ما أخرجه الله تعالى من ثمار أشجار قطعة الأرض موضوع المساقاة . غير أن بعض نماذج صيغ عقود المساقاة تذهب في اتجاه مختلف، إذ تنص على أن يكون لصاحب الاستغلالية الثلثان (3/2) وللعامل المساقي الثلث (3/1) . أما في حالة. أما في حالة ما إذا لم تقدم الأشجار ثمارا بسبب جائحة لحقتها، فلا حق لأحد طرفي عقد المساقاة أن يلوم الطرف الآخر أو يحاسبه لأن السبب خارج عن إرادتهما.
أشرنا في مقدمة الحديث عن نظم استثمار الاستغلاليات الخاصة أن بعض كبار ومتوسطي الملاكين العقاريين كانوا يقومون بكراء استغلالياتهم أو بكراء جزء منها لمن يقوم باستغلالها. إذ توضع نازلة وردت في كتاب " الأحكام" أن رجلا أكرى جنانه لرجل آخر بثلاثين دينارا . كما توضح نماذج من صيغ عقود الكراء التي تتضمنها كتب العقود والشروط أن بعضهم كان يقوم بكراء "مجموع أملاكه" . أي الأراضي البيضاء والسوداء، إضافة إلى المنشآت السكنية وغيرها من مرافق. وكان بعضهم يقوم بكراء الأراضي البيضاء والسوداء ويستثني من العملية مختلف المنشآت . في حين كان بعضهم يكتفي فقط بكراء أرضه البيضاء؛ لمن يقوم بغراسة أصول أشجار مثمرة بها .
ومن ثم نعتبر الكراء صيغة أخرى من الصيغ التي تشكل نظام الاستثمار الذي كان يتبعه كبار ومتوسطو الملاكين العقاريين. ولكنها صيغة تختلف عن المزارعة والمغارسة والمساقاة لأنها تقتضي أن يتنازل المالك العقاري خلال مدة معينة عن حق التصرف في استغلاليته، أو في جزء منها لصالح طرف آخر يقوم بذلك. كما أنها لا تقوم إلا على النقد بوجه خاص. إلا في حالات قليلة جدا كان فيها بعض الملاكين يقومون بكراء قطعة أرض مقابل قطعة أخرى، أو مقابل بضاعة معينة .
وقبل استعراض مقومات وحيثيات عملية كراء الأرض لابد من الإشارة أن جواز أو عدم جواز العملية برمتها شكل موضوع اختلاف عميق بين قطبين من أقطاب الفقه في أندلسي القرن الخامس الهجري. ونعني بهما ابن حزم وابن رشد، وهو اختلاف يعزى إلى بعض الاختلافات في نصوص أحاديث الرسول عليه السلام في الموضوع. وهي أربعة أحاديث رويت عن الرسول أولها قوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يؤاجرها" وثانيها قوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه أو ليدعها". وثالثها قوله: " من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام". ورابعها قوله: " إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح أو رجل استكرى بذهب أو فضة".
وانطلاقا من الاختلاف في نصوص الأحاديث الأربعة بين مجيز لكراء الأرض وممانع للقيام بالعملية، اختلف الفقهاء وتضاربت مواقفهم. فابن حزم يعارض بوضوح عملية كراء الأرض. وقد عبر عن ذلك علانية وهو يتحدث عن الإجارة والأجراء قائلا: "ولا يجوز إجارة الأرض أصلا لا للحرث فيها ولا للغرس فيها. ولا للبناء فيها. ولا لشيء من الأشياء أصلا لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة، ولا لغير مدة مسماة. لا بدنانير ولا بدراهم، ولا بشيء أصلا. فمتى وقع فسخ أبدا. ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط" . وحجته في ذلك أن الرسول عليه السلام نهى عن كراء الأرض.
ويعود ابن حزم في موضع آخر وهو يعالج موضوع المزارعة والمغارسة ليؤكد بدون لبس أنه "لا يجوز كراء الأرض بشيء أصلا لا بدنانير ولا بدراهم ولا بعرض ولا بطعام مسمى ولا بشيء أصلا..." . وبرهانه هذه المرة أيضا نهى الرسول عليه السلام عن القيام بكراء الأرض. مستدلا في ذلك بحديث للرسول يقول فيه: " من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن أبى فليمسك أرضه" .
وإذا كان ابن حزم ينطلق مباشرة مما روي عن الرسول عليه السلام، فإن ابن رشد ينطلق من مرجعية أخرى هي ما ذهب إليه مالك بخصوص مسألة كراء الأرض. إ يرى أن ما قال به في الموضوع يعتبر "أصح أقاويل أهل العلم" في الموضوع. على اعتبار أنه لم يعارض أي حديث من الأحاديث المروية عن الرسول عليه السلام. بل أخذها كلها وركب بعضها على بعض. ومن ثم يخلص ابن رشد إلى فكرة مؤداها أن الصواب هو استعمال الآثار ما أمكن بدل طرحها .
ورغم الموقف المتباين لابن حزم وابن رشد بخصوص عملية كراء الأرض، فالراجح أن عددا من كبار ومتوسطي الملاكين العقاريين كانوا يقومون بكراء استغلالياتهم أو جزء منها، وإن لم تقدم لنا المصنفات التاريخية معلومات تؤكد ذلك. غير أن النازلة الواردة في كتاب الأحكام والتي سبق أن أشرنا إليها، وكذلك وجود نماذج لصيغ عقود الكراء في كتاب "المقنع في علم الشروط" الذي عاش صاحبه خلال القرن الخامس الهجري قد تفيد بأن صيغة الكراء كان معمولا بها آنذاك. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الأسس والمبادئ التي تقوم عليها عملية كراء أرض لزراعتها أو غراستها؟.
تتم عملية الكراء بمقتضى عقد بين مالكها ( أو وكيله) وبين الذي يريد استغلالها. يقوم بصياغته موثقون ويشبه عقود المغارسة والمزارعة التي تحدثنا عنها. وتقوم عملية الكراء كما ذكرنا آنفا على أساس قطعة الأرض مقابل مبلغ مالي متفق عليه.
لا تحدد نماذج عقود الكراء التي يتضمنها كتاب "المقنع في علم الشروط" أو كتب العقود والشروط التي تهم فترات أخرى (القرن الرابع أو القرن السادس) القيمة الإجمالية لواجب الكراء، لأنها تتحدث عنها بصيغة "كذا وكذا مثقالا عيونا ذهبا تامة الصرف والوزن ضرب سكة كذا" . أو تختصر أحيانا لتكتفي بذكر صيغة "بكذا وكذا" . غير أن النازلة الواردة في كتاب "الأحكام" تشذ عن ذلك. فقد ورد فيها أن الفقيه القرطبي أبو صالح أيوب بن سليمان " سئل عن رجل أكرى جنانه من رجل بثلاثين دينارا، وفي الجنان شجر " تين وعنب، وارض بيضاء، والشجر أكثر غلة من البياض..." . فهي تتضمن سومة الكراء؛ وإن كانت لا تسمح بأخذ فكرة عن مساحة "الجنان". كما أن السومة الكرائية الواردة فيها تنطبق عموما على النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. لأن الفقيه الذي أفتى في النازلة توفي سنة 302 ه.
وعلى أي، فإننا نعتقد أن قيمة واجب الكراء كانت مختلفة باختلاف مساحة قطع الأرض موضوع عمليات الكراء، وباختلاف جودة ترباتها، وباختلاف طبيعة المصادر التي تزودها بالمياه. ورغم عدم توفرنا على أرقام أو معطيات دقيقة تهم القرن الخامس الهجري، نستطيع أن نقول بأن قيمة ذلك الواجب كانت مرتفعة كما يتضح من خلال إحدى رسائل ابن أبي الخصال. حيث يذكر فيها أن صديقا له اتصل به ملتمسا منه أن يتوسط له لدى شخص مرموق ليسقط عنه واجب كراء قطعة أرض اكتراها منه لعجزه عن أداء ذلك الواجب نظرا لأن الموسم الزراعي لم يكن جيدا .
ونسجل في هذا المضمار أن حالات المطالبة بإسقاط أو تخفيض واجب كراء قطع في ملكية خواص، أو قطع الأرض المحبسة، كثيرا ما كانت تقع خلال القرن الخامس الهجري، بدليل أن بعض كتب أحكام الفقه وكتب النوازل خصصت لهذه الظاهرة صفحات مطولة لتقنينها ولإيجاد مخارج لها .
هذا عن قيمة واجب الكراء، أما عن المدة الزمنية التي تستغرقها عملية الكراء وعن التوقيت الذي يتوجب فيه على المكتري دفع واجب الكراء فهما أمران مرتبطان بطبيعة المصدر الذي يزود قطعة الأرض بالمياه اللازمة للسقي. وهذا المعطى بالغ الأهمية، فهو فضلا عن كونه يحدد قيمة واجب الكراء كما ذكرنا، والمدة التي تستغرقها العملية، فإنه يعتبر معيارا حاسما في تصنيف الأراضي إلى نوعين: أراضي مأمونة وأراضي غير مأمونة.
تمثل أراضي النيل بالنسبة للفقهاء النموذج الأمثل للأراضي المأمونة لأنها تسقى بمياه نهر دائم الجريان. وتشهد فيضا كل موسم يزيد من خصوبتها لذلك فإن ابن رشد على مذهب ابن الماجشون يميز فيها بين ثلاثة أنواع .
يتمثل النوع الأول في الأراضي التي تسقى بمياه الأنهار والآبار، وفي مثل هذا النوع يمكن كراء القطعة الواحدة لمدة زمنية قد تصل إلى عشرة أعوام. على ألا يدفع المكتري واجب كرائها إلا بعد أن تظهر نبتة الحبوب (الزرع) وتستغني عن المياه .
ويتمثل النوع الثاني في الأراضي التي تسقى بمياه العيون، وفي مثل هذا النوع يمكن كراء القطعة الواحدة لمدة زمنية قد تصل إلى أربع سنوات، ولا يلتزم المكتري لهذا النوع من الأراضي تقديم مبلغ الكراء دفعة واحدة؛ بل سنة بعد سنة، وبعد أن تظهر نبتة الحبوب على سطح الأرض وتستغني عن المياه .
ويتمثل النوع الثالث في الأراضي التي لا تتوفر على مصدر يزودها بالمياه غير التساقطات المطرية، وفي مثل هذا النوع يمكن كراء القطعة الواحدة، ولكن لمدة زمنية لا تتجاوز السنة الواحدة. ولا يلتزم من اكتراها بدفع واجب الكراء إلا بعد أن تروى بشكل جيد .
والجدير بالملاحظة أن صيغ عقود الكراء التي تتضمن كتب العقود والشروط نماذج منها تعكس بدورها هذه التقنينات الشرعية، إذ نجدها تربط هي الأخرى بين مدة ومبلغ كراء قطعة الأرض وبين المصدر الذي يزودها بالمياه. وهذا أمر طبيعي في اعتقادنا لأن صياغتها تمت بأقلام فقهاء موثقين. غير أن الأهم من ذلك هو أنها تحرص على ذكر وضبط معطيات أخرى لا تقل أهمية كنوعية الحبوب المراد زراعتها في قطعة أرض مكتراة، ومسألة تزبيل قطعة الأرض وعملية القليب.
ففيما يتعلق بالمعطى الأول ينصح الموثقون أن ينص العقد الموقع بين مالك الاستغلالية والمكتري على نوعية الحبوب الواجب على المكتري زراعتها في القطعة المكتراة تفاديا لأي سوء تفاهم قد يحصل بينهما خلال مدة الكراء أو بعدها. على اعتبار أن الحبوب تؤدي إلى إنهاك تربة الأرض، وأن درجات الإنهاك تتفاوت باختلاف أنواع الحبوب .
وفيما يتعلق بالمعطى الثاني، نسجل بأن عدة نماذج من صيغ العقود التي تتضمنها كتب العقود والشروط تنص على مسألة التزبيل؛ إذ أن أحد مقتضيات الاتفاق بين طرفي العقد، يلزم المكتري بنشر كمية من الزبول في القطعة التي اكتراها؛ وذلك خلال كل سنة وطيلة مدة الكراء، حرصا على استمرارية خصوبة ترتبتها .
أما عن المعطى الثالث، فإن نماذج من صيغ العقود المشار إليها، وإن كانت قليلة، توضح بأن المكتري ملزم بقلب تربة القطعة المكتراة عدة مرات وفق اتفاق في الموضوع بين طرفي العقد . وتؤكد بعض فتاوى ابن رشد في الموضوع من جانبها أن المكتري ملزم بقلب تربة القطعة التي اكتراها إذا ما نص عقد الكراء على ذلك.
على ضوء المادة التي تضمنتها الصفحات السابقة تتضح لنا بجلاء صورة النظام الذي اتبع في استثمار الاستغلاليات الخاصة الكبرى و المتوسطة بأندلس القرن الخامس الهجري.
فقد أوضحنا بأن ذلك النظام كان منسجما مع أشكال تلك الاستغلاليات. كما استعرضنا المبادئ والأسس التي قام عليها. وكان ذلك مناسبة أبرزنا فيها الجهود التي بذلها الفقهاء لمواكبة عملية تطبيق ذلك النظام ( وغيره من أنظمة كالنظام المتبع في استثمار أراضي الأحباس) على أرض الواقع.
وكما هو معلوم، فإن عملية التطبيق، أي الاستثمار، تمثل مظهرا من مظاهر التواصل بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحياة الزراعية. وتعد الاستغلاليات مجال ذلك الفعل باعتبارها وحدات إنتاج. ومع ذلك فلم تكن الأشكال التي اتخذها ذلك التواصل بنفس عدد النظم المتبعة في استثمار تلك الوحدات. حيث نستطيع حصرها في شكلين أساسيين:
تواصل مباشر كانت مجاله الاستغلاليات الأسرية الصغرى والأراضي الجماعية التي ارتبطت بها الفئات العريضة من الملاكين العقاريين الصغار من خلال الجهد العضلي الذي كانوا يبذلونه كل يوم. ومن هنا نعتبرهم منتجين مباشرين.
وتواصل غير مباشر ساد في الاستغلاليات الخاصة الكبرى والمتوسطة. وفي الأراضي السلطانية وأراضي الإقطاع وأراضي الأحباس التي ارتبط بها متوسطو وكبار الملاكين العقاريين من خلال الريع الذي كانوا يحصلون عليه، ولكن دون عمل مضني. ومن ثم نعتبرهم منتجين غير مباشرين.
والجدير بالذكر أن شكلا التواصل اللذان نحن بصدد الحديث عنهما لم يرسما خطين متوازيين في سيرهما. فقد حدث بينهما تقاطع عند العمل مقابل أجر الذي وجد له موضع هنا وهناك. حيث كان يلجأ إلى اعتماده المنتجون المباشرون وغير المباشرين. خاصة وأنه لم تكن ثمة عوائق نظرية تحول دون ذلك. طالما أن الفقهاء أجازوا دون تردد اعتماد إنسان على خدمات إنسان آخر مقابل أجر في حدود ما يسمح به الشرع وما يرضي الله تعالى.
فهذا ابن حزم على سبيل المثال يذكر في كتاب "المحلى" أن "الإجارة جائزة في كل شيء له منفعة فيؤاجر لينتفع به ولا يستهلك عينه" ، ثم يعود في موضع آخــر ليؤكــد بأنه "جائز استئجار حر أو عبد أو دابة للخدمة مقابل أجرة خلال مدة معينة مسماة" .
وتجسيدا لهذا الجواز فقد كان صغار الفلاحين في الحواضر والقرى يستعينون أحيانا بعمال أجراء، رغم أنهم كانوا خلال سائر الأيام يزاولون أعمالهم بأنفسهم وبمعية أفراد أسرهم كما أوضحنا ذلك فيما مضى.
وقد يحدث ذلك بمبادرة فردية من أحد الفلاحين حين يحتاج إلى عامل أجير في أوقات معينة من الموسم الزراعي بمناسبة عملية حصاد أو جني محاصيل (جني الزيتون أو الأعناب مثلا). أو عند الرغبة في القيام بأعمال خاصة (حفر بئر أو مطمورة أو تزريب جزء من الاستغلالية).
كما قد يحدث ذلك بمبادرة جماعية من قبل معظم أو مجموع فلاحي إحدى القرى حين يحتاجون إلى خدمات عامل أو مجموعة عمال أجراء للقيام بعملية الحصاد أو لرعي قطعان الأغنام التي يتوفرون عليها. أو لحراسة المساحة التي تشغلها شجيرات الكروم.
والجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن الفقهاء أجمعوا على أن كل اتفاق جماعي في مثل هذه القضايا كان يلزم جميع فلاحي القرية حتى وإن امتنع أحدهم عن الانخراط في الاتفاق .
ومن المؤكد أن الاعتماد على العمال الأجراء كان إجراءا طبيعيا بالنسبة لمتوسطي وكبار الملاكين العقاريين. فكما كانوا يعولون على خدمات مزارعين ومغارسين ومساقين، فقد كانوا يستعينون بخدمات عمال أجراء لتعهد شجيرات الكروم التي تتطلب عناية فائقة ومتابعة دائمة، أو لرعي قطعان الماشية، أو للاعتناء بالدواب (خيول، بغال)، أو لنقل كميات من الزبول من الفضاءات التي توضع بها إلى المساحات المراد نشرها بها، أو لحراسة الغلات...
ومن المفيد جدا التذكير بأن علماء الفلاحة خصصوا فصولا في مؤلفاتهم للحديث عن "الخدام" أو "الأكرة". كما استعرضوا بالمناسبة المواصفات الجسمانية وغيرها الواجب أن يأخذها المالك العقاري، أو وكيله، في الحسبان عند الرغبة في الاستعانة بخدمات عمال أجراء.
كما أن كتاب العقود والشروط الذين اعتمدنا على نماذج من مؤلفاتهم في هذا البحث قدموا بدورهم نماذج من العقود الواجب محاكاتها عند صياغة العقود التي كانت تبرم بين الأطراف المعنية وعامل أو مجموعة عمال أجراء .
ومثل هذه القرائن، وإن كانت قليلة، تنهض دليلا على أن العمل مقابل أجر كان من الإجراءات المعمول بها في العمل الزراعي بمختلف أوجهه وفي سائر الاستغلاليات بغض النظر عن النظام المتبع في مجال الاستثمار. كما أن هاته القرائن توضح بأن الفقه سجل هنا أيضا حضوره حيث عمل على تقنين هذا الإجراء وتنظيمه بما ينسجم مع واجبات وحقوق الأطراف المعنية به.

و انطلاقا من المعطيات التي تضمنها هذا العرض يتضح بجلاء بأن تنوع المؤلفات الفقهية الأندلسية يوفر للباحث مادة خصبة و غزيرة تيسر سبل البحث في الموضوع المراد البحث فيه و تتيح إلى جانب ذلك إمكانية الغوص في أدق تفاصيله. و إذا كان التنوع هو الخاصية الأكثر بروزا عند القيام بعملية تصنيف بسيطة لهذه المؤلفات، فان التكامل فيما بينها هو أيضا من بين الخاصيات التي تميزها، و لكنها خاصية لا تنجلي إلا عند القيام بأبحاث دقيقة من قليل البحث الذي قدمناه في هذا الملتقى.

ملف: