إخفاقات حركة علمية الإدارة ونموذج الإدارة بالقيم (علم الإدارة هو علم القيم الإدارية)

إخفاقات حركة علمية الإدارة ونموذج الإدارة بالقيم
(علم الإدارة هو علم القيم الإدارية)
د. عبدالمعطي محمد عساف د. أيوب أحمد الصوالحة
جامعة العلوم الاسلامية العالمية
كلية المال والاعمال والاعمال
قسم ادارة الاعمال
الملخص:
تهدف هذه الدراسة الى تحليل وتقييم روافد الفكر الإداري, لإثبات إخفاقها في الكشف الممنهج عن طبيعة الظاهرة الإدارية او كشف علميتها بصورة مؤكدة, وان اهم اخفاقتها على هذا المستوى يتمثل في عدم اكتشاف الحقيقة الجوهرية التى تمثل وحدة المعرفة لهذه الظواهر أو مفتاحها. وانطلقت الدراسة من أن مفتاح المعرفة الخاص بالظاهرة الإدارية وتاكيد نموذجها العلمي هو أن علم الإدارة هو علم القيم .
وأن أي نموذج يعمل الإنسان على بنائه وتشكيله, ينبغي أن يخضع للقيمة العليا الإنسانية ليكون نموذجا علميا ومتوازنا وقادرا على تحقيق الغايات العليا للوجود الإنساني، وبدون ذلك تكون النماذج التي يمكن بنؤها والعمل من خلالها نماذج خرقاء وعاجزة عن ادراك المنهج العلمي في العمل، وعن ادراك حتمية الجدلية بين العلم والفلسفة باعتبارها منظومة القيم المتمحورة حول القيمة العليا. إن تحديد القيمة العليا الإنسانية أو الإدارية يمثل التحدي الحقيقي أمام الباحثين العلميين، وأن الكشف عنه يفترض إدراك طبيعة الظواهر اللإنسانية وأنها لا تخضع لأي منهج مما يطبقه الناس في ابحاثهم، وهذا يفترض الإهتداء إلى المنهج الذي يمكنه الإجابة الكاملة حول ذلك.
كلمات مفتاحية
الظاهرة الادارية , الحقيقة الجوهرية , المعرفة , النموذج العلمي , القيمة العليا
إخفاقات حركة علمية الإدارة ونموذج الإدارة بالقيم
(علم الإدارة هو علم القيم الإدارية)
مقدمة:
تعتبر الإدارة كظاهرة مميزة، وكحقل مستقل من حقول المعرفة والدراسة الإنسانية، ظاهرة حديثة جداً، ويبلغ عمرها حوالي قرن ونيّف من الزمن، وعلى الرغم من بروزها والاعتراف بها كعامل حاسم في حركة المنظمات والمجتمعات والحضارات، والبدء بتدريسها في الجامعات، ومنح جميع الدرجات الجامعية في مجال تخصصها، وحدوث تراكم" معرفي" مهم وواسع حول موضوعاتها، إلا أنها لم تزل دون مرحلة النضج والتكييف العلمي الكافي، وهذا ما أدى كما يقول (جاك دونكان) في كتابه "أفكار عظيمة في الإدارة" إلى تقوقعها "كفن عملي"، وإلى استمرار المجادلات والخلافات حول طبيعتها دونما انقطاع. (دونكان،جاك،1991: 9)
فهل الظاهرة الإدارية بهذا الغموض أو التعقيد فعلاً بحيث تستعصي على الباحثين؟؟
أم أنه يمكن كشف حقيقتها وتحديدها بصورة تؤكد علميتها؟؟
أسئلة في غاية الأهمية، وتمثل الإجابة عنها أهم ما يواجه الباحثين الجادين على الدوام، كما تمثل الهدف الأساس لهذا البحث.
الإفتراض الرئيسي:
أن لكل ظاهرة من الظواهر، بما فيها ظاهرة الإدارة، طالما يتم التأكد من وجودها وتمايزها عن غيرها من الظواهر الأخرى، علميتها( اي قواعدها وقوانينها التي تحكم وجودها، وتحكم حركتها)، وذلك بصرف النظرعن إكتشاف هذه القوانين أو عدم إكتشافها.
الإفتراضات الفرعية:
1-ان جميع روافد الفكر الإداري قد اخفقت تماما في بناء علم الإدارة.
2-ان جميع عمليات البحث في الظاهرة الإدارية قد اخفقت في اكتشاف المنهج العلمي اللازم لبحثها بحثا علميا اكيدا .
3-ان للظاهرة الإدارية، كغيرها من الظواهر الإنسانية،مفتاح منهجي خاص يتفق مع طبيعتها،ويؤدي البحث من خلاله الى تاكيد علميتها وكشف قوانينها.
4- ان العلوم الإدارية بخاصة والعلوم الإنسانية بعامة هي علوم القيم.
منهج البحث:
سوف يعتمد هذا البحث على المنهج العقلي التحليلي والتجريدي مع الإستعانة اثناء الدراسة بالمنهجين الإستقرائي والإستنباطي وذلك بحسب سياقات عمليات التحليل واحتياجاتها.
ينقسم البحث الى مبحثين اساسيين، فيتركز المبحث الأول حول روافد الفكر الإداري وتقييمها لاثبات اخفاقها في الكشف الممنهج عن طبيعة الظاهرة الإدارية او كشف علميتها بصورة مؤكدة. بينما يتركز المبحث الثاني حول مفتاح المعرفة الخاص بالظاهرة الإدارية وتاكيد نموذجها العلمي باعتبار ان علم الإدارة هو علم القيم.

المبحث الأول
علمية الإدارة واخفاقات روافد الفكر الإداري

1- الروافد الفكرية الأولى(حركة الإدارةالعلمية):
لا يستطيع الباحث العلمي في مجال الظواهر الإنسانية بعامة، وفي مجال الظاهرة الإدارية بخاصة، أن يقفز وهو يبحث في مثل هذا الموضوع الشامل عن التراكمات والإنجازات المعرفية التي قدمها الباحثون والرواد الأوائل، وكما يقال فإن على المرء أن يحفر من أجل العثور على الذهب في أي منجم كان، وطالما أن الذهب معدن ثمين فإن عمر المنجم لا يهم.
يسود اعتقاد لدى عدد من المديرين بأن التاريخ لا يعدو أن يكون مادة للقراءة والثقافة العامة التي لا تفيدهم، وأن حياتهم مليئة بالعمل والأحداث المتسارعة التي لا تمكنهم من تخصيص الوقت الكافي للتعرف على ما قاله الباحثون والفلاسفة قبل قرون، وربما قبل عقود قليلة ماضية. وقد كان "هنري فورد" يعتقد بان التاريخ "لغو أجوف" وأن التاريخ الذي له معنى هو ما نعمله اليوم.( بارتلت كريستوفروجوشال سومنترا،1986: 64-69)
وبرغم تقديرنا لما يتضمنه هذا القول من معاني عملية تستوجب الدفع في اتجاه التفكير في الواقع وتطويره وصياغته حسب كل المتغيرات المستجدة والمتجددة، إلاّ أننا لا نتفق مع هذا الاعتقاد، ونلفت الانتباه إلى بديهية كبيرة مفادها؛ أن صناعة الحاضر بكل أهميتها وحتمية التفاني من أجلها، هي في الواقع صناعة تاريخ الأجيال القادمة، تلك الأجيال التي لا تستطيع أن تقفز عما يصل إليها لتبدأ صناعة حاضرها من الصفر، وهذا ما ينبغي ان يحكم علاقتنا بالماضي.
يؤكد "وول ديورانت" صاحب كتاب "تاريخ الحضارة" هذا في قوله؛ إن التاريخ لا يضيّع شيئاً، وأن كل فكرة خلاقة سوف تشق طريقها وتضيف شعلة جديدة إلى مشاعل الحياة. وهكذا يحدث التداخل والتكامل المستمريْن بين حلقات الزمن، وتظل النقطة التاريخية هي نقطة البداية.( بارتلت كريستوفروجوشال سومنترا،1986: 64-69)
وهكذا يظل التاريخ في اعتقادنا هو الوعاء الحقيقي المتاح الذي يمكن أن نستقرأه ونتعلم منه ليرشدنا ويمكّننا من العبور نحو المستقبل. وإن أي تنكّر لهذه الحقيقة هو إنكار لحقيقة جدلية الحضارة، وهو إمعان في التعبير لدى بعض الأشخاص عن عقدة "الهوية التاريخية".
ينطبق هذا القول على تاريخ الإدارة الذي هو تاريخ قريب، ولكن فيه من الأفكار والتجارب والدروس والعبر التي نحتاج إليها ونحن نعمل على مناقشة أفكارنا وممارساتنا وترشيدها وتطويرها على الدوام.
لقد تفانى الرواد في بحوثهم من أجل التوصل إلى طبيعة الظاهرة الإدارية، وتأكيد فصلها وتمايزها عن غيرها من الظواهر الإنسانية، والعمل على تحديد المبادئ والقواعد العلمية التي تحكم وجودها (نظامها) وحركتها (عملياتها)، إيماناً منهم بعلميتها، وبأن العمل على تطبيق هذه المبادئ والقواعد هو الذي يمكّن المنظمة من تحقيق أهدافها.
لقد لعب المهندسون دوراً مهماً في هذا المجال، وبخاصة في محاولاتهم لتطبيق معارفهم ومهاراتهم الفنية الهندسية في مجال الإدارة، وإلى الحد الذي دفع ببعض الباحثين إلى اعتبار أن الهندسة هي المادة الأم للإدارة، وأن الجمعيات الهندسية كانت هي المنتدى الأوحد المتاح لمناقشة أفكار الإدارة.( دونكان،1991:11-22)( بروكو بينكو، جوزيف، 1998: 127-145)
ورغم ما في هذا من مبالغة تزيد عن حدّها، إلا أنه لا يوجد شك في أن الفضل الأول للحديث عن علم الإدارة يعود بالدرجة الأساسية إلى المهندسين، ومن ثم أصبح تمجيد الإدارة كعلم مستقل هو النغمة السائدة لدى جميع الباحثين التقليديين وبعض الباحثين التابعين، بغض النظر عن مجال تخصصهم العلمي.
مثلت مساهمات "فريدريك تيلور" نقطة التحول الأولى الأساسية نحو الحديث عن علمية الإدارة، وقد أكد ذلك في قوله؛ إن أفضل إدارة هي التي تقوم على علم حقيقي يستند إلى قوانين وقواعد ومبادئ محددة، وأنها هي التي تقدم المزيد من الأدلة على إمكانية تطبيق هذه القوانين والقواعد والمبادئ على جميع الأنشطة البشرية، وأن من واجب المديرين تنمية علم جديد لكل فرع من فروع العمل البشري (الإنساني)، وإحلال ذلك محل "القواعد" المتبعة لمجرد أنها أمور مألوفة أو دارجة أكثر منها لأنها قواعد علمية مثبتة، وبدون ذلك فإنه يستبعد أن يأخذ أحد الإدارة وأهميتها في الحياة مأخذ الجد، وقد مثلت دراساته في الوقت والحركة أساس مساهماته في هذا المجال. (عساف، 2005: 21-22 )
وكان كتابه" أسس الإدارة العلمية" أهم ما يعكس اتجاهه وتصميمه، وقد برز ذلك واضحاً في تحديده للأهداف الرئيسيـة التي يسعى إليها من هذا الكتاب، وتتمثل فيما يلي:( دونكان،جاك، 1991 : 17-19) (عساف، 2005: 21-22 )
أولاً: التدليل على أن ما يحدث من خسائر في منظمات الأعمال يعود لعدم "الكفاءة".
ثانياً: إثبات أن معالجة هذه الخسائر يحتاج إلى البحث عن إدارة منهجية (علمية) وليس إلى البحث العقيم عن عاملين فوق العادة.
ثالثاً: إثبات أن أفضل إدارة هي التي تقـوم على علم حقيقي يستند إلى قوانين وقواعد ومبادئ محددة تصلح للتطبيق على جميع الأنشطة الإنسانية، وأن تطبيقها بالشكل الصحيح سيؤدي إلى تحقيق نتائج مذهلة.
أصبحت قضية "علمية الإدارة" بعد ذلك موضوعاً مكرراً ودائماً في مجال الفكر الإداري وبخاصة لدى "جانت" الذي أكد على ضرورة إحلال المعرفة العلمية محل الآراء والاجتهادات الشخصية، وأن الإدارة الناجحة هي التي تسعى إلى تحقيق الأهداف باستخدام المعرفة العلمية وتطبيقها، بل أن شرعية الإدارة تعتمد على قدرتها على تحقيق النتائج باستخدام الطرق العلمية، وبإجراء البحوث التطبيقية، التي تسمح برفع أنشطة البحوث العلمية إلى مستوى يمكنها من الوصول إلى الصور "النقية" أو "القواعد العامة".( دونكان،جاك،1991: 11-27)
وكذلك لدى "جلبريث وزوجته" اللذين تحدثا عن ضرورة البحث عما يمكن أن يكون "الطريق الأوحد الأفضل" في عمليات الأداء، وأن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى تحليل المشكلات أو الأعمال إلى متغيراتها أو عناصرها، ومن ثم دراسة كل متغير أو عنصر بصورة تفصيلية، وبالتحليل وإعادة التركيب يمكن التثبت من العناصر التي لها ضرورة مطلقة في عملية الأداء(دونكان،جاك،1991: 12-29)
وتحدث "هنري فايول" عن ذلك أيضاً؛ وعمل على تقديم نظريته في "مبادئ الإدارة"، وكذلك "موني ورايلي" اللذان قدما كتابهما (مبادئ التنظيم) وجعلا مبدأ التنسيق في الإدارة هو المبدأ الأول الذي يحتوي كل المبادئ الأخرى. و"ليندال أورويك" الذي يؤكد على أن المديرين الذين يعملون بدون مبادئ تحكم الشؤون الإدارية يعرضون أنفسهم بصورة متزايدة لأن يظهروا كما لو كانوا هواة، وأن ما تحظى به العلوم الطبيعية من احترام يوجب تطبيق طرق التفكير فيها على الظواهر التي تحكم علاقات البشر وبخاصة الظاهرة الإدارية(عساف،2005: 21-22 )
2- اخفاقات حركة الإدارة العلمية:
أولاً: ليس ثمـة شك في أن بروز الإدارة إلى الوجود كظاهرة مميزة، وكحقل مهم من حقول المعرفة الإنسانية، قد جاء متوافقا مع الدعوات التي قدمها الرواد "التقليديون" من أجل تطبيق الأساليب العلمية على المشكلات في الصناعة.
كما أنهم أصحاب الفضل في إثارة قضية علمية الإدارة، ومحاولة توكيد أن المدخل العلمي هو المدخل الأساس والوحيد الذي يؤدي إلى إقرار خصوصية واستقلالية الإدارة، وإلى تحقيق الاحتراف المهني في مجالاتها، تماماً كما حدث في حقل الطب أو الهندسة أو القانون وغيرها، حيث لم تصبح الجراحة والطبابة من عمل الأطباء إلا عندما بدأ تطبيق العلم على الطب واستخدام الأسلوب العلمي في مجالاته، ولم تصبح ممارسة القانون مهنة معترفاً بها ولها مكانتها إلا عندما اتسع نطاق تطبيق علم الفقه، وكذلك لم تعد الهندسة لها قيمتها، والمهندسون لهم مكانتهم، إلا عندما بدأ العلم يطبق في ميادينها… وهكذا.
كما لعبوا دوراً هاماً ومميزاً في سبيل البحث عن المبادئ والقواعد "العلمية" التي اعتقدوا أنها هي التي تكوّن الأساس في بناء الإدارة العلمية، أو علم الإدارة، وقد أرسوا قاعدة البحوث التطبيقية كمدخل للوصول إلى ذلك.
ومع التقدير التام لجميع هذه الممارسات، وما ترتب عليها من إثراءات هامة في مجال الإدارة، ومن إسهامات معترف بها في تحسين مستويات "الأداء"، إلا أنهم كما يقول (دونكان) لم يعملوا كثيراً من أجل توحيد الإدارة في نظرية واضحة ومحددة تصلح للتدريس بشكل متطور ومتنام، ويقول: إذا كانت التجارب التي قاموا بها تصلح لاستنباط مبادئ أو قواعد يمكن تعليمها لعامل بعينه لكي يعرف أفضل الطرق المتاحة لأداء مهمة بعينها، فإن هذا لا يعني بناء نظرية إدارية، وأنه لا بدّ أن يكون للإدارة، إذا أريد لها أن تحقق احترامها، وتؤكد مكانتها بصورة حقيقية، موضوع خاص بها، ونظرية متكاملة لها، بحيث يمكنها أن تجمع في إطارها هذا الفتات المتعدد من المعارف التي يجمعها ويتوصل إليها المهندسون.( دونكان،جاك، 1991 : 87)
إننا نرى أن المشكلة الكبيرة لدى رواد الإدارة التقليديين، وبخاصة "فردريك تيلور"، ومساهماتهم في مجال الإجابة عن الأسئلة المتعلقة "بعلمية الإدارة"، تتركز بالدرجة الأساسية في نقطة مركزية مزدوجة هي:
1. أنهم ربطوا الحديث عن علم الإدارة أو الإدارة العلمية بالهندسة.
2. أنهم لم يميزوا بصورة واضحة بين هندسة الأشياء وهندسة البشر، وقد ركزوا جلّ جهودهم على عمليات الأداء ذاتها، وكثّفوا أبحاثهم ودراساتهم من أجل هندسة هذه العمليات بجميع عناصرها ومتغيراتها المادية والبشرية ليتم الوصول إلى أفضل أداء ممكن.
لقد خلط هؤلاء خلطاً غير دقيق بين عملية الإدارة وبين عملية الأداء، وبالتالي بين هندسة الإدارة وبين هندسة الأداء، وهذا هو أبرز إخفاق جعل النتائج التي تم التوصل إليها محصورة في تحديد ما يخدم تحسين عمليات الأداء لعامل بعينه ولا يمثل نظرية عامة في الإدارة(*).
إن العملية الإنتاجية تحتاج إلى نوعين رئيسين من العمليات هما: العمليات الإدارية والعمليات الأدائية (التنفيذية)، وبذلك ينبغي التمييز تماماً بين العمل الإداري والعمل التنفيذي، فالعمل الإداري يسبق العمل التنفيذي ويعد له إعداداً إدارياً (تخطيطاً وتنظيماً وتنسيقاً)، ويستمر في موازاته (توجيهاً وتقويماً وتطويراً)، وبالتالي فإن بناء بيئة الإدارة وهندستها وبناء عمليات الأداء وهندستها، لا يعني بناء الإدارة وهندستها، وأن التركيز من أجل هندسة الإدارة أو بناء علميتها يفرض استحقاقات مختلفة عما تشترطه هندسة بيئة الإدارة أو هندسة عمليات الأداء، ويصبح كل التركيز موجهاً بالدرجة الأساسية على البشر العاملين في المنظمات(الموارد البشرية) لبناء القواعد والمبادئ التي تمكنهم أن يفكروا فيما ينبغي عليهم عمله بدلاً من تحديد وتفصيل ما ينبغي عليهم عمله.
وبالطبع، فإن هذا لا يعني التحول عن الاهتمام بتطوير بيئة العمل وعمليات الأداء، بل إن ذلك يقع في صميم العملية الإنتاجية برمتها بما فيها عملية الإدارة، ولكن المقصود هنا، هو ضرورة الانتباه إلى أن التوصل إلى أية نتائج متعلقة بظروف العمل البيئية، أو بعمليات الأداء، ومهما كانت هذه النتائج هامة وتنعكس على الإنتاجية بصورة عظيمة، لا يعني أن ذلك من قواعد الإدارة ومبادئها، وغالباً ما يقوم بذلك المهندسون والفنيون البارعون، وليس الإداريون.
ولا بدّ أن نتذكر دائماً بأن التكنولوجيا في مجال الآلات والمعدات والبيئة الطبيعية في المنظمة هي في حالة تغير وتطور مستمر وبوتائر متلاحقة ومتسارعة، وأن ما يتصل بها من ترتيبات تشغيلية وأدائية تتغير بدورها بوتائر متلاحقة ومتسارعة، وأنه لا يمكن تحديد قواعد ومبادئ تشغيلية أو أدائية ذات طبيعة علمية (قابلة للإطلاق المكاني أو الزماني) لأي منها، وأن أكثر ما يمكن تحقيقه هو بناء قواعد ومبادئ تشغيلية وأدائية محددة بحدود الزمان أو المكان أو الأشخاص، وهذا لا يؤدي إلى بناء نظرية علمية مطلقة في الأداء ، ولا إلى نظرية علمية في الإدارة .
وكما يشير (مورين) فإنه كان يمكن أن يصاب" تيلور" بصدمة لو عرف أنه في مصانع فورد، التي تعد من أفضل المصانع، يحتاج الفرد لإنتاج محركين في اليوم قوة عمل تتكون من حوالي (200) مهنة مصنفة، ومخزوناً من احتياطي مستلزمات الإنتاج يعادل احتياجات (3) أسابيع و(800) قدم مربع من مساحة مكان العمل، بينما يحتاج العامل الفرد في أحد مصانع تويوتا لينتج أربعة أمثال هذا المنتوج في شركة فورد، إلى استخدام حوالي نصف مساحة المكان، وبمخزون يكفي ساعة واحدة، وقوة عمل سبع مهن فقط(عساف،2005: 26 )
3- روافد التابعين (السلوكيون والبيئيون)
تعرّض الاتجاه "العلمي" إلى مجابهة عنيفة من قبل رواد المدرسة السلوكية والبيئية، فتحدث هؤلاء وعلى رأسهم "هيربرت سايمون" عن استحالة تحقيق العلمية أو ما وصفها "بالعقلانية الموضوعية" التي تحدث عنها التقليديون، وذلك لأنها تفترض في الشخص الإداري "الذي يتخذ القرارات الإدارية التي هي صلب ومحور الحياة والعمليات الإدارية، أو القلب النابض للنشاطات الإدارية على حد تعبير سايمون"، أن يكون قادراً على :(عساف ،2005: 23)
أولاً: معرفة جميع المتغيرات والاختيارات المتعلقة بالمشكلة الإدارية التي يقوم بدراستها، واتخاذ قرار بشأنها وبعواقبها.
ثانياً: فصل وتحييد قيمه، وقيم منظمته، وعدم اعتبارها ضمن المتغيرات التي تحكم عملية اتخاذ القرارات.
ويقول "سايمون" أنه لا يمكن إطلاقاً تحقيق أي من هذين المطلبين، وأن عملية اتخاذ القرارات لا بدّ أن تقوم على عملية اختيار بين بدائل ضمن حالة مستمرة من عدم الوثوق، وفي بيئة تتسم بالغموض والتعقيد، بالقدر الذي لا يسمح بالاستغراق في الحسابات وجداول العمل المتقنة التكوين.( عساف ،2005 :23)
ويقول أنه لا بد من الحديث عن "العقلانية الذاتية" بدلاً من "العقلانية الموضوعية" التي قد توجد فقط لدى الباحثين في العلوم الطبيعية، وفي الاقتصاد الكلاسيكي، أو فيما يتعلق بغير ذلك من المشكلات التي لا تتصل حتماً بالعلاقات البشرية.ويقصد بالعقلانية الذاتية، درجة العقلانية النسبية التي تسمح بها المعرفة المحدودة بالمشكلة موضوع القرار، مع الإشارة إلى أن العقلانية الذاتية نفسها قد لا تكون متاحة إذا أدركنا أن السلوك الإنساني، الذي ينتج القرارات ،يتشكل كمزيج نتيجة تفاعل جميع مقومات الشخصية العضوية والعقلانية والمعرفية والانفعالية والقيمية، هذا المزيج الذي يكون غاية في الغموض ولا تسهل دراسته، ولا يمكن التوصل إلى أي قواعد أو مبادئ يقينية كاملة حوله، وأن عدم الوثوق هو الحالة الطبيعية التي تبقى سائدة.( عساف ،2005 :24)
وأن العقلانية الموضوعية تعتبر هدفاً صعب المنال، وأن أهم ما يميز المديرين أنهم مطالبون بالعمل في حالة من عدم الوثوق، وأن الإدارة ليست حقلاً يمكن أن يعمل فيه من لا يستطيع مسايرة حالة عدم الوثوق هذه.
كذلك نجد أن "البيئيين" قد شككوا في إمكانية التوصل إلى علم موحد للإدارة، وذلك بحجة أن الإدارة لا تنفصل عن بيئتها، وهي وليدة هذه البيئة. ولما كانت البيئات الإدارية مختلفة من دولة لأخرى فإن الإدارات والتراتيب الإدارية ستختلف حتماً وفق ذلك، وهذا ما يحول دون أن تكون تراتيب موحدة أو علمية، وبالتالي فإن أقصى ما يمكن الحديث عنه على حدّ قولهم هو "علوم إدارية" وليس "علم إدارة"، أي أن يكون لكل بيئة علمها الخاص بها..!!!( عساف ،2005: 23-24)
4-اخفاقات السلوكيين والبيئيين:
اولا: إن ما قدمه السلوكيون من تقييمات رافضة للحديث عن علمية الإدارة التي استغرق فيها الرواد السابقون، قد قدّم خدمة مهمة للإدارة والفكر الإداري، لأنه مثّل نقلة مهمة في التفكير، حيث ابتدأ يدعو إلى ضرورة الاهتمام بالجانب الإنساني (السلوكي) في العملية الإنتاجية، وإلى ضرورة الاعتراف بالجانب الاجتماعي والقيمي للمنظمة واعتبارها مؤسسة اجتماعية، وأن على العمليات الإدارية أن تتركز حول هذا الجانب بالدرجة الأساسية.
وإننا نرى في هذا ما يمثل البداية الحقيقية للفصل الذهني بين عمليات الإدارة وعمليات الأداء. وبرغم ما يترتب على هذا من تحولات فكرية لها قيمتها العظيمة، إلا أننا نرى أن ما تم تقديمه من أفكار تفصيلية في هذا الإطار يؤدي إلى إنكار الحقيقة العلمية للإدارة، ويتعارض مع حقائق الأشياء، وبديهياتها المنهجية، التي تفترض أن يكون لكل ظاهرة مميزة ومستقلة قواعدها العلمية التي تحكم وجود هذه الظاهرة وكياناتها، وتحكم حركتها، بما فيها الظواهر الإنسانية بعامة والظاهرة الإدارية بخاصة.
كما أن ما تم تقديمه لا يرقى في حيثياته إلى المستوى الذي يسمح بالوثوق فيما تم إلإنتهاء إليه، كما أنه لا يحول دون الدعوة إلى ضرورة استمرار الجهود البحثية من أجل بناء نظرية علمية في الإدارة. ومن أهم ما يمكن التركيز عليه، والاستناد إليه، في توكيد هذه الدعوة ما يلي:
أ- ضرورة الفصل بين "الفكرة" التي تبرز متغير القيم وتعترف به كمتغير مؤثر وأساسي في تشكيل السلوك الإنساني والإداري، و"الفكرة" التي تجعل من القيم الأساس الذي يحول دون دراسة السلوك الإنساني والإداري دراسة علمية، ودون الوصول إلى قواعد ومبادئ علمية في هذا المجال.
إننا نتفق تماماً مع ما تؤدي إليه الفكرة الأولى، ونقدر تقديراً عالياً ما انتهى إليه السلوكيون في هذا المجال، ونعتقد بأنه يمثل البداية الحقيقية نحو بناء فكراداري متكامل وناضج، ونحو بناء فهم موضوعي للإدارة، لأنه لا يمكن فصل الإدارة عن الإنسان، ولا فصل الإنسان عن القيم، وأن مثل هذا الكشف في ذاته يمثل في تقديرنا أولى القواعد الإدارية التي ينبغي التوكيد عليها. ولكننا في الوقت نفسه لا نتفق مع الفكرة الثانية، وننظر إليها على أنها فكرة مقلوبة، وغير قادرة على كشف مكانة القيم في إطار العلوم الإنسانية برمتها.
ب- ضرورة التمييز بين السلوك الإنساني الاعتيادي (الشخصي)، والسلوك الإنساني الإداري، وإدراك الوظيفة الحقيقية للعقل الإنساني باعتباره المدير الأعلى للشخصية، وبأن له وظيفة وطاقة تحكّمية تمكنه ،عند إستخدامها، من التعامل مع جميع مقومات الشخصية وضبطها، بما يتوافق مع الأهداف العليا للإنسان، وكذلك إدراك أن الفرق بين الإنسان الإداري والإنسان غير الإداري ليس بالمسمى الوظيفي الذي يشغله الإنسان، ولكن بإبراز الطاقة العقلية لديه، وإعطائها دورها التحكمي في ضبط السلوك.
إن السلوك الإنساني الاعتيادي (الشخصي) يبرز كمزيج بين جميع مقومات الشخصية بحيث تختلط فيه المقومات العضوية والانفعالية والقيمية والعقلية بصورة يصعب بحثها ودراستها والوصول إلى قواعدها العلمية، أما السلوك الإداري فيتشكل ويبرز كتعبير عن المقومات العقلية التي تعمل على تحديد القيمة الجوهرية العليا للإدارة واعتبارها القانون الإداري الأساسي، ثم تمارس عملية التحكم والتوجيه للمقومات الأخرى بما يتفق مع هذه القيمة. وهكذا، كلما أمكن للإنسان أن يعبر عن طاقته العقلية التحكمية كلما كان إدارياً والعكس بالعكس.
وبناءً عليه فإن عملية اختيار القيم التي يتم إضفاؤها على السلوك الإنساني الإداري لا تتم وفق عملية انتقائية أو انفعالية، بل وفق عملية اختيار عقلية تقييمية وتفاضلية، وتؤمن بأهمية البحث عن القيم الجوهرية أو القيم العليا، وبأهمية توكيدها في الحياة بجميع مجالاتها ومستوياتها، وبذلك تكون قيماً مدروسة وقابلة للبحث والتحليل المنهجي وتمثل ألأساس في بناء نظرية علمية في الإدارة.
ثانيا: إن ما قدمه البيئيون من توضيح لأثر البيئة على الإدارة، قد أدى إلى إبراز البعد البيئي في دراسة الإدارة، وهذا في رأينا له أهميته وتقديره لدى الباحث الموضوعي عن فكر إداري متكامل، وبالتالي عن قواعد أو مبادئ إدارية علمية، لأن قيمة التجريد العلمي تتضاعف مع زيادة القدرة على تحديد جميع المتغيرات ذات العلاقة، وعلى توضيح وبناء العلاقات بينها، وتنظيمها في صور متكاملة.
أما أن ينظر إلى بروز هذا الدور للبيئة على أنه يحول دون تشكيل قواعد علمية في مجال الظاهرة الإدارية، فإننا نعتقد بأن في ذلك مصادرة على الوقائع، وعدم فهم لطبيعة الإدارة ووظيفتها وقيمتها الجوهرية التي تبرِّر وجودها وحركتها.
ولمزيد من التوكيد على هذه النتيجة وفهمها، فإنه ينبغي التبصر في مجموعة من الملاحظات الأساسية التالية:
أ- ضرورة التمييز بين القواعد والمبادئ التي يُبنى على أساسها علم الإدارة، وبين الأساليب والإجراءات التنفيذية في مجال الحياة الإدارية. فإذا كنا نعتقد بضرورة أن تتوحد القواعد والمبادئ الإدارية وأن تنتظم في صورة نظرية علمية عامة، توكيداً للصفة العلمية في الإدارة، ، وبالتالي فإنه يمكن بناء النموذج الإداري الموحّد الذي يمكن أن يطبق على جميع المجتمعات والمنظمات مهما كانت الاختلافات أو التباينات البيئية فيها، فإننا في الوقت نفسه نؤكد على إمكانية اختلاف الأساليب والإجراءات التي قد تستخدم في كل مجتمع، أو كل منظمة، أثناء عملية التطبيق.
فمثلاً إذا كانت القاعدة العلمية تقول أن الحديد ينصهر عند (س) درجة مئوية، فإن هذه القاعدة تتميز بالإطلاق الزماني أو المكاني فلا تختلف درجة الانصهار عبر الزمان ولا عبر المكان، ولكن أساليب وإجراءات عملية صهر الحديد هي التي تختلف، فقد يتم القيام بذلك في الولايات المتحدة أو في اليابان باستخدام أفران ذرية، وقد تستخدم بريطانيا أفراناً تعمل على الفحم الحجري، وقد تستخدم فرنسا الأفران الكهربائية، وقد تستخدم دولة أخرى الأفران التي تعمل بالأخشاب… وهكذا فيما يتعلق بالإجراءات المتبعة هنا أو هناك. وأن مثل هذا الاختلاف لا يؤثر على حقيقة وحدة القاعدة أو القانون الذي يتم العمل على أساسه.
ب- ضرورة التمييز بين المتغير التابع والمتغير المستقل في علاقات الإدارة ببيئتها العامة. فالإدارة ليست تابعاً للبيئة أو تتغير بتغيراتها وتختلف باختلافها. صحيح أن الإدارة تتأثر بالبيئة، إلا أن وظيفتها الأساسية ودورها الحقيقي يتمثل في العمل على تكييف البيئة وتفعيلها وليس مجرد التكيّف معها.
إن الإدارة هي المتغير المستقل والبيئة هي المتغير التابع، وهذا هو أساس وجود الإدارة، ومبرر بروزها كظاهرة مميزة، وهو جوهر حركتها ووظيفتها.
وبناءً عليه، فإنه لا يفترض أن تتغير قواعد الإدارة ومبادؤها بالضرورة مع تغير البيئات، ولكن التحدي الحقيقي هو كيف يتم تغيير البيئات بما يتوافق مع القواعد والمبادئ الإدارية واشتراطاتها التي ينبغي أن تكون عاقلة "علمية"، حتى تتعزز الثقة في النتائج التي يتم التوصل إليها أثناء التطبيق.
وإذا حدث أن وجدت الإدارة نفسها أمام تحديات أو متغيرات بيئية مهمة، وتشترط حتمية قيام الإدارة بإجراء تغييرات تطويرية في "قواعدها" أو مبادئها حتى تتمكن من التعامل وفق هذه المتغيرات واستيعابها والعمل وفقها، فإن هذا يؤكد حقيقة أن ما كان معمولاً به ليس هو النموذج العلمي المتكامل، وأن تلك القواعد والمبادئ المزعومة ليست إلاّ مجرد إفتراضات فقط، وأكدت التجربة عدم دقتها.
وأن هذه النتيجة لا تلغي أهمية الإيمان بضرورة العمل على إيجاد نموذج علمي في مجال الظاهرة الإدارية، بل تؤكد على حيوية هذه الظاهرة، وأن مجالها يتميز بالعمق والتعقيد الذي يجعل الباحثين مستغرقين فيه من أجل مزيد من التحليل والتجريد اللازمين للارتقاء بنتائج البحث نحو مزيد من الدقة والتكامل، وهذا هو حال عملية البحث في العلوم الطبيعية التي ظلت تشهد خطوات هائلة من التقدم والارتقاء التطويري العلمي، وبخاصة في الخمسين سنة المنصرمة.
وهذا ما أصبحت تكشف عنه عمليات البحث في موضوع إدارة الجودة الشاملة أو الإدارة المتفوقة، أو غير ذلك من المسميات الإدارية، حيث أبرزت حقيقة أن ما كان يعتبر في الغرب نموذجاً محدداً ولا قبله ولا بعده، ليس في الواقع إلا نموذجاً يحتاج إلى مزيد من المراجعة والتدقيق والتغيير في جوهره، إذا ما وجد الحرص العلمي على التعامل معه تعاملاً موضوعياً ومنهجياً.
إن التحدي الذي يواجه الإنسان المتحضر باستمرار يتمثل في البحث عن الحقيقة، وأن من خصائص هذا الإنسان الأساسية، أنه يكون مستعداً للتحول عن أية قناعات طالما أنه استطاع أن يتوصل إلى قناعات أكثر دقة واقتراباً من الحقيقة، وأنه لا يمكن الادعاء بان ما يتوصل إليه الإنسان حول أي قضية من القضايا، أو ظاهرة من الظواهر، هو المعرفة العلمية، إلا إذا استطاع أن يكتشف القانون الأساسي ، وما يتصل به من قواعد وقوانين فرعية، وإقامة ألدليل عليها، ومن ثم العمل على بناء كل ما يتصل بحياته من نظم ونماذج تطبيقية على ضوء هذه القوانين والقواعد.
جـ- ضرورة عدم المغالاة عند الحديث عن التباينات البيئية وآثارها على الإدارة، وإلا أصبح ذلك مدخلاً يبرر عدم الحديث عن أي فكر أو نموذج إداري مهما كان محدوداً. فالبيئة العامة لا تختلف فقط بين الدول أو المجتمعات، فلا نستطيع أن نقول بيئة أمريكية وأخرى روسية وثالثة هندية أو مصرية ثم نقول نموذج الإدارة الأمريكي أو الروسي أو ... وعلم الإدارة الأمريكي أو علم الإدارة الروسي... وهكذا، لأن الاختلاف البيئي كبير وشاسع داخل كل دولة، وداخل كل مدينة من مدنها أو حيّ من أحيائها، بل داخل كل بيت من بيوتها،وذلك لإختلاف الظروف التي يعيشها الأفراد فيها. فهل يصبح التحدي الحقيقي هو وضع نموذج إداري لكل فرد أو لكل أسرة…؟!
إن التحدي الحقيقي هو العمل من أجل بناء النموذج الإداري الأمثل (العلمي) لتصبح إدارات الدول أو المؤسسات معنيّة بتطوير أو تفعيل بيئاتها بالتوافق مع اشتراطات هذا النموذج وليس العكس.
وخلاصة القول، أن توكيد الظاهرة الإدارية كظاهرة إنسانية مميزة يؤدي حتماً إلى المطالبة بجعلها ظاهرة تحت البحث والدراسة حتى يتم التوصل إلى النظرية العلمية حولها، أما إذا لم يستطع الفكر البشري في مرحلة معينة أن يكتشف القواعد والمبادئ العلمية التي تمثل لُحمة هذه النظرية فإن هذا لا يعني عدم وجودها، بقدر ما يعني تقصير عملية البحث عن كشفها، وتظل عملية التحدي قائمة حتى يتم كشف ذلك ووضعه في صورة نموذج متكامل له قابلية للإطلاق.
بدأ السلوكيون المحدثون يؤمنون بذلك ويقرّونه، وبصفة خاصة في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس، حيث قد أصبحت مساهماتهم تتخذ موقعاً مغايراً للسلوكيين السابقين، وهذا ما يعززه (Scott) بقوله؛ إنه إذا لم يزود المديرون المعاصرون أنفسهم بالقدرة على الاطلاع والفهم والتقييم، وإذا لم يستفيدوا من التقارير "العلمية" التي يقدمها علماء السلوك في أثناء عملهم في المنظمات الحديثة، فإنهم سرعان ما يجدون أنفسهم وقد تخلفوا عن العصر، وأصبحوا عاجزين عن التعامل مع المتغيرات والتراكيب المعقدة المتعلقة بوظائفهم وقراراتهم. وهذا ما يدعو إليه "سكينر" بقوله؛ إن أساليب العلم قد حققت نجاحاً عظيماً حيثما جربت وطبقت، فلنجربها إذن على الشؤون الإنسانية(عساف،2005: 30 )
ويشير (وليم أوشي) لهذا بقوله؛ إن علماء الاجتماع الأمريكان قد بدأوا يشكون في النظريات التي كانت تدعى بأن الظواهر تختلف نتيجة التباين في الثقافة وأنها بذلك لا تخضع للتحليل العلمي. ويقول أنه يمكن تطبيق نفس مبادئ السلوك عبر المجتمعات المختلفة، إلا أن الهياكل الاجتماعية القائمة على ذلك(التراتيب التنظيمية)، وما يترتب عليها من أنماط سلوكية، هي التي تتأثر بالظروف المحلية، وتتباين فيما بينها إلى أبعد الحدود.(اوشي ،بدون تاريخ:26)
وهكذا فإن التحدي أمام الباحث العلمي يصبح هو العمل على إجراء الدراسات والمقارنات المتبصرة والمعمّقة والمثابرة إلى أن تتمكن من كشف الخصائص الكامنة أو القواعد والمبادئ العامة، التي يمكن أن تنطبق على جميع المجتمعات.

5- مساهمات رواد الجودة الشاملة:
لقد شهد الفكر الإداري في العقود الأخيرة مجموعة من المساهمات التي تمثل في فكرتها الرئيسة فتحاً لمرحلة جديدة، ومن أبرز ما يشار إليه في هذا المجال:
أولاً- مساهمات إدوارد ديمنج :
وتتمثل بالدرجة الأساسية فيما أسماها "أربع عشرة نقطة أو بديهية من أجل إدارة شاملة للجودة، وهذه النقاط هي:(Deming,W.E:1986)
1- استحداث درجة كافية من الثبات لتحسين المنتج، سلعة أو خدمة، وتعزيز الوضع التنافسي لضمان البقاء في السوق، واستمرار المنظمة في تقديم الأعمال. وهذا يفترض التعرف على الزبائن (العملاء)، وتقديم أفضل نوعية لهم، والتأكد من استمرارية المنظمة وبقائها من خلال الإبداع والابتكار والتحسين المستمر.
2- تبني فلسفة جديدة ومعاصرة في الصناعة، مفادها عدم قبول الإنتاج ذي المستويات المتدنية أو غير المقبولة في النوعية.
3- التوقف عن الاعتماد على أسلوب التفتيش في الرقابة على الجودة، واتباع أساليب حديثة وقائية واستباقية، وقائمة على قدر من القبول والمشروعية (Legitimacy).
4- التوقف عن الإجراء الذي يحكم على جودة المنتج بالاستناد إلى سعره، وأن يكون الهدف هو تطوير علاقات وطيدة وطويلة مع المزودين الذين بمقدورهم التأثير المباشر في تحسين نوعية المنتج من خلال ما يقدمونه.
5- التحسين المتواصل والدائم في نظام الإنتاج (سلع، خدمات) لتحسين النوعية والإنتاجية، مما ينعكس على خفض مثمر في التكاليف.
6- إدخال سياسـة التدريب في العمل كمدخل لتطوير مهارات العاملين وتحسين النوعية.
7- تنمية المهارات القيادية لدى المشرفين والمديرين، وبخاصة مهارات التفاعل مع العاملين، وتوضيح الأهداف لديهم، وإشراكهم في عملية صنع واتخاذ القرارات، وتحفيزهم وتشجيعهم على الإبداع والمبادرة، وذلك بهدف تخفيض نسبة الوقوع في الأخطاء وإعادة العمل.
8- بناء مناخ عامر من الثقة والأمان بين العاملين والإدارة، ونزع الخوف والتردد من سلوكياتهم حتى يعملوا بفاعلية من أجل تحقيق أهداف المنظمة.
9- كسر الحواجز التنظيمية والنفسية ما بين الأقسام والإدارات المختلفة، وما بين العاملين على اختلاف مستوياتهم، لتنمية بناء روح الفريق الواحد اللازمة لحل المشكلات الإنسانية والفنية، وتحسين النوعية، وذلك لأن المنظمة كلها تعمل في صورة نظام متكامل.
10- عدم طرح الشعارات والنصائح والتحذيرات أو الأهداف غير الواقعية التي تطلب من العاملين أعمالاً بدون أخطاء ومستويات غير منطقية من الإنتاجية، وعدم منحهم أية وعود غير قابلة للتحقيق، وفي المقابل ينبغي تعزيز قدرات العاملين ومساعدتهم من أجل تطوير أدائهم.
11- عدم التركيز على الأهداف والمعايير ذات الطبيعة الكمية (الرقمية) لأنها توجه العاملين للاهتمـام بالجوانب الكمية، وحجم الإنتاج، بدلاً مـن التركيز على النوعيـة.
12- إذابة الحواجز التي تحول دون إعطاء العاملين فرصة الاعتزاز ببراعتهم وطاقاتهم في العمل، وعدم تقييمهم على أساس الأخطاء التي تقع بسبب النظام العام في المنظمة، أو نتيجة عطل الأجهزة، أو غير ذلك مما هو خارج دائرة سيطرتهم.
13- اعتماد برامج متقدمة في التعليم والتحسين المستمر، وذلك لرفع سوية العاملين المعرفية في الجوانب المختلفة، ومنحهم الفرصة اللازمة لتطوير ذواتهم علمياً وعملياً.
14- مشاركة جميع العاملين في مسؤولية التحسين، والتحول الشامل في المنظمة ككل، وعلى جميع المستويات الإدارية والفنية من أجل حمل رسالة تحسين النوعية، وهذا يفترض مشاركتهم في السلطة العامة وعملية اتخاذ القرارات.
ويخلص "ديمنغ" إلى القول بأن الإدارة في المنظمة هي المسؤولة عن بناء النظام وفهمه، ووضع الإجراءات المتماسكة من أجل دعم عملية تحسين النوعية، وهي بذلك تجد نفسها أمام مهمتين هما:
المهمة الأولى: التقليل من الأسباب الخاصة (الاستثنائية) للاختلاف عما هو مخطط، أو مصمم له سواء من حيث الكم أو الكيف أو الزمن أو التكلفة وتقوم الإدارة بها مع الخبراء أو الأخصائيين.
المهمة الثانية: التحسين في النظام والعمليات وذلك بتحديد وتصحيح الأسباب العادية للاختلاف عما هو مخطط أو مصمم له، سواء من حيث الكم أو الكيف أو الزمن أو التكلفة.
ويتحدث "ديمنغ" عما أسماها الخطايا السبعة التي تعوق تطبيق هذه المبادئ، وتحول دون تحقيق الجودة الشاملة، وهي:
1- عدم ديمومة الهدف باتجاه التحسين، وعدم اتساقه عند وضع الخطة للمنتج.
2- التركيز على الربح قصير المدى.
3- عدم كفاءة أنظمة تقويم أداء العاملين.
4- التغيير المستمر في الإدارات العليا.
5- إنجاز القرارات على أساس الأرقام الكمية، وتجاهل البيانات التي تحتاج إلى تحليل.
6- عدم بناء المنتج منذ الخطوة الأولى.
7- ارتفاع تكاليف ضمان جودة المنتج الناتجة عن التكاليف الصحية والاستشارات القانونية…

ثانياً: مساهمات جوزيف جوران:(Juran,J.M.1981)
وتقوم على ما أسماها بنظرية"الاختراق الإداري" "Managerial Breakthrough"،
ويعرف الجودة بأنها "ملاءمة الاستخدام، وتفترض خلو المنتجات من العيوب، والقدرة على تلبية حاجات ومتطلبات المنتفعين". ولتحقق ذلك فقد قدم جوران ما اسماه "النموذج الثلاثي للجودة"، وذلك كطريقة مثلى تلائم جميع النشاطات والوظائف والمستويات، ورأى أنه يمكن تطبيقه في جميع المنظمات.
يقوم النموذج الثلاثي على ثلاثة نشاطات رئيسية هي:
أ- تخطيط الجودة، ويتضمن الخطوات الأساسية التالية:
1- تحديد جمهور المستهلكين أو المنتفعين.
2- تحديد حاجات جمهور المستهلكين أو المنتفعين.
3- تطوير مظاهر (features) السلع ومزاياها التي تلبي حاجات المستهلكين أو المنتفعين وتطلعاتهم.
4- تطوير العمليات القادرة على استحداث هذه المظاهر والمزايا للسلعة المرغوبة.
5- ترجمة الخطط الناتجة إلى قوى ونشاطات عملية (Operating force).
ب- الرقابة على الجودة، وتتضمن الخطوات التالية:
1- تقويم الأداء الفعلي للجودة.
2- مقارنة الأداء الفعلي مع أهداف الجودة المخططة.
3- العمل على معالجة التباينات أو الاختلالات بين الفعلي والمخطط.
جـ- تحسين الجودة، ويعني ذلك: رفع مستوى أداء الجودة إلى مستويات عالية ضمن منهجية "الاختراق الإداري" (التغييرات الجذرية الشاملة)، والتقدم في المعرفة أو التقنية، وتتضمن هذه المنهجية سلسلة من الخطوات التالية:
1- بناء بنية ضرورية لتحديد الأهداف السنوية لتحسين الجودة.
2- التعرف على الحاجات الخاصة لتحسين الجودة، ووضع مشاريع التحسين والتطوير.
3- استحداث فريق عمل لكل مشروع، وتحديد مسؤولياته من أجل أن يعمل المشروع بنجاح.
4- تقديم المصادر والحوافز والتدريبات اللازمة لتمكين فرق العمل من أجل تشخيص أسباب الخلل، وإيجاد طرق العلاج الملائمة، ووضع معايير رقابية للحفاظ على المكتسبات.
ثالثاً: مساهمات "فيليب كروسبي":(Crospy,P.B:1979)
وتقوم على فكرة "العمل بلا أخطاء" (Zero Defects)، ويقسم نظريته إلى قسمين:
القسم الأول: الشروط المطلقة لتحسين الجودة وهي:
1- مطابقة المنتج مع الشروط الأساسية التي تضعها الإدارة.
2- اتباع طريقة الوقاية.
3- معيار الأداء هو عدم وجود أخطاء.
4- معيار الجودة هو تكلفة عدم المطابقة بين المنتج وبين الشروط الأساسية التي تضعها الإدارة
القسم الثاني: العناصر الأساسية للتحسين، وهي:
1- التصميم.
2- التعليم.
3- التنفيذ.
هذا وقد حدد "كروسبي" أربع عشرة خطوة لتنفيذ برنامج إدارة الجودة لتكون مرشداً لبناء موقف ثابت لتحسين النوعية في المؤسسة، وهي:
1- التزام وتعهد الإدارة بالتحسين التزاماً طويل المدى.
2- تشكيل فرق تحسين الجودة بحيث يكون لها أهداف وأغراض محددة وواضحة.
3- وضع مقاييس الجودة، وتحديد المشاكل الحالية والمحتملة وأمكنة وجودها.
4- حساب تكلفة الجودة فور حدوثها، وتوضيح كيفية استخدامها كأداة إدارية.
5- التوعية بالجودة، وتعزيز التزام الموظفين بها.
6- البدء بالتصحيح وحل المشاكل فور حدوثها.
7- تشكيل لجنة مؤقتة لبرنامج "بلا أخطاء" Zero defects.
8- تعليم الجودة، وتدريب المشرفين على القيام بمسؤولياتها.
9- تخصيص يوم "بلا أخطاء"، وتوضيح أهمية التخلص من العيوب باستمرار، ومنذ البداية.
10- تحديد أهداف التحسين، وتشجيع الأفراد والفرق على تحصيلها.
11- تحديد أسباب الأخطاء، والتبليغ عنها والعمل على تلافيها.
12- تقدير ومكافأة العاملين، ومنحهم التقدير اللازم.
13- تشكيل مجالس الجودة، واطلاعها على دورها لتنمية الاتصالات المستمرة.
14- إعادة الخطوات السابقة باستمرار، والتثقيف المستمر بان عملية تحسين الجودة عملية مستمرة لا نهاية لها.
6- اخفاقات رواد ادارة الجودة الشاملة
ليس ثمة شك في أن مختلف المساهمات الفكرية السابقة، وغيرها من المساهمات التي بحثت في موضوع الجودة، قد قدمت أفكاراً هامة بحيث أمكنها أن تحدث نقلة في التفكير الإداري الليبرالي الغربي، وبخاصة التفكير الإداري الأمريكي، وفي تفكير كثير من الباحثين والمهتمين في الدول الأخرى ذوي الثقافة التابعة ، ليدخل من الناحية النظرية على الأقل مرحلة جديدة مختلفة في مستلزماتها عن جميع المراحل السابقة، إنها مرحلة التفكير الشمولي أو الكلي(توم، 1995 : 17-19)
إلا أنها وبرغم الزخم الفكري الذي أفرزته بقيت عاجزة عن تقديم مفاهيم ومعارف علمية محددة، وكاملة وكلية (نظمية)، بحيث تصبح قادرة على تجنيب الباحثين والمهتمين الوقوع في أي خلط ذهني، وهم يعملون على فهمها أو تطبيقها.( توم،بيترز،1995 : 17-19)
يعود ذلك في تقديرنا إلى أن أصحاب هذه المساهمات أنفسهم، لم يقدموا أفكارهم بالاستناد إلى منهجيةعلمية واضحة وكاملة، ولم يعمدوا إلى إجراء محاولات محددة ومعوّل عليها (Reliable) لبناء ما يمكن تسميته "نموذج الجودة الشاملة أو الكاملة". وأن معظم ما قدموه لا يعدو أن يكون مجرد اجتهادات مجتزأة، وأفكاراً مبعثرة لا تخلو من الانتقائية وربما افكارا مننقولة او مترجمة عن كتابات الرواد السابقين الذين ينطبق عليهم ماينطبق على هؤلاء، وأن أي محاولة لفهم هذه الأفكار فهماً كلياً، ولبناء تصوّر كلي متماسك حول النموذج الإداري الذي تتحدث عنه تصبح محاولة فاشلة تماماً، ولا تزيل الغموض الذي يسيطر على ذهنية أي متتبع لها أو مهتم بها، ولعل أبرز ما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق ما يلي:( عساف ،2005 : 38-43)(مور ،ومور،1991: 167-193)
1- : تتحدث معظم هذه المساهمات وغيرها من الدراسات التي اهتمت بموضوع الجودة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن حقيقة أن إدارة الجودة الشاملة فلسفة. وبرغم أهمية هذه الاستنتاجات ودقتها وضرورتها إلا أنها جميعها، وبلا استثناء، لم تقم بتحديد هذه الفلسفة التي يجب أن يحتكم إليها النموذج الإداري الذي يسعى إلى تطبيق الجودة الشاملة، وأن أقصى ما يمكن العثور عليه في ثنايا التحليلات التي يقدمها أصحاب هذه المساهمات أو الباحثون الآخرون الذين اهتموا بذلك؛ هي بعض الإشارات إلى عدد من الاشتراطات أو المبادئ ذات الطبيعة القيمية، أو ذات الأبعاد الفلسفية، وعدم وجود أي تحديد للقيمة العليا، ولا للمنظومة القيمية التي تشكل الفلسفة المعنية، وهذا لا يمكن قبوله كأساس متكامل وصالح لتكوين نظرية شاملة أو بناء نموذج كامل بالاستناد إليه.
إن الأصل في بناء أي نظرية إدارية أو اجتماعية أن تكون ذات أرضية فلسفية واضحة ومحددة ومتكاملة، (منظومة فلسفية أو قيمية)، بحيث يتم بناء قواعد النظرية ومبادئها، والتراتيب التنظيمية المتصلة بها (النموذج) بناءً على ذلك، وهذا ما افتقدته المساهمات المختلفة في هذا المجال، مما مثل أهم خلل ظل يحول دون تقديم تصورات كاملة، ومتكاملة في جميع مفاصلها الداخلية، وواضحة في فواصلها عن غيرها من المساهمات.
إن انعدام الفهم للعلاقة التوافقية والتكاملية بين الفلسفة والعلم يمثّل أساس هذا الإخفاق لدى هذه المساهمات، ولدى كل المساهمات الأخرى في مجال الإدارة وغيرها من الظواهر الإنسانية. ولو تم تعميق النظرة في الفلسفة العامة التي تحكم الحياة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الليبرالية، ثم الانصراف إلى محاولة بناء نموذج إدارة الجودة الشاملة على قواعدها الفلسفية لظهرت ووضحت الأزمة، ولما شهدت الكتابات ذات الصبغة الفنية الزخم الذي شهدته، وكل هذا الخلط والتكرار الذي لا يزيد أي دارس في مجال إدارة الجودة الشاملة إلا متاهة وضياعاً، ولتحوّل كل الاهتمام من بحث التفاصيل، والاستغراق في العموميات والبديهيات التي لا يخلو أي كتاب في الإدارة من الإشارة إليها بشكل أو بآخر، إلى بحث إشكالية الفلسفة الليبرالية ومأزق النموذج الإداري الليبرالي نفسه في التعامل مع إدارة الجودة الشاملة وتطبيقاتهاFaure,& Faure ,1992 :87-91))
2ً: تخلط هذه المساهمات وهي تقدم أفكارها "ومبادأها" بين أمور كثيرة، وأنه يصعب على أي باحث أو متتبع أن يشكل صورة منظمة وشاملة عما تريد هذه الأفكار أو "المبادئ" قوله، وأنه يمكننا بالتبصر في محتوياتها الموضوعية أن نسجل ما يلي:
أ- الميل إلى الاستغراق في اشتراطات أو مبادئ تبدو عامة، ولكنها لم تبرمج في صورة علمية تؤكد صحتها ولا في صورة شاملة تضمن تكاملها ونظميتها، أو في صورة عملية تضمن تحقيقها. وبذلك فإنها تطرح في صورة هي أقرب للشعارات منها للمبادئ المجردة أو الأهداف العملية، وتبقى عاجـزة عن تحديد التراتيب التنظيمية التي تؤدي إلى وضع هذه الشعارات موضع التنفيذ، وعن تقديمها في صورة نموذج إداري متكامل. وإنه كان يفترض في أي محاولة تسعى لتقديم تصور شامل عن إدارة الجودة الشاملة أن تبنى على أسس منهجية تمكنها من تحقيق مثل هذا التصور المنهجي الشامل، وهذا ما لا يستطيع المتتبع تلمسه وهو يتابع "مبادئ" هذه المساهمات.
إن الإشارات أو الاشتراطات التي تتفق عليها جميعاً تقريباً، وبخاصة ما يتعلق منها بشروط تنمية روح التعاون والعمل الجماعي، والمشاركة وروح الفريق، وغيرها من هذا القبيل، هي اشتراطات قيمية هامة ومتصلة إلى حد كبير بعمليات الإدارة، وقد تم التركيز عليها في كل الكتابات كقواعد أساسية في فكر إدارة الجودة الشاملة، إلا أن الباحث المتتبع لا يستطيع أن يعثر في هذه الكتابات على أي تحديد أو توضيح لأية منظومات قيمية " فلسفة "تعبر عنها، أو لإية ترتيبات تنظيمية تضمن تحقيقها،وكل ما نجده هو بعض التراتيب الفنية التي لا تتوافق مع ما تفترضه اشتراطات هذه القيم، وبخاصة في المجتمعات والمنظمات التي تتعارض قيمها وفلسفتها العامة أو ممارسات السلطة فيها مع ذلك، مثلما هي المجتمعات الليبرالية الغربية.
ويستحضرنا في هذا المقام قول (ألفن توفلر) في كتابه "تحول السلطة"، ونتفق معه تماما حيث يقول؛ "عندما تحاول الكتابات المختلفة وصف التغيرات المتسارعة، وتحديد طرق التعامل معها، فإنها قد لا تقدم لنا إلا صوراً خاطفة من المعلومات غير المترابطة أو الموغلة في التخصص، ويقدم المحللون قوائم باتجاهات أو أفكار لا يجمعها جامع، ولا نموذج يبين الروابط التي تصل بينها، مما يجعل عملية التغيير على ضوئها وكأنها عملية تحكمها الفوضى أو الجنون".(توفلر ،1992: 5)
ويقول (توفلر) "لكي نفكر بطريقة استراتيجية فإننا نحتاج إلى أكثر من مجرد البيانات الجافة، والأفكار والصور الخاطفة أو المنتقاة. إننا في حاجة إلى القدرة على تحديد المتغيرات أو العناصر تحديداً شاملاً، وإلى الكيفية التي تترابط بها هذه المتغيرات".( توفلر ،1992: 5)
ب- عدم وجود أي جديد في مجمل ما طرحته هذه المساهمات وغيرها مقارنة بمجمل الأفكار التي أثارها المفكرون والباحثون الإداريون في المراحل السابقة. إنها أصبحت تتحدث عن الجودة الشاملة وذلك بدلاً من الحديث عن الجودة التي ظلت تبرز بإستمرار، منذ أول المساهمات الفكرية في الإدارة ، كمحدد أساسي من محددات الإنتاج. وقد جاءت الإضافات الجديدة مشوشة، وغير منظمة في قالب نظمي، مما لا يسمح بالتعامل معها كنموذج نظري متكامل قابل للتعميم.(جورج و ويمرزكيرتش،1998: 28-35)
حتى أن المتبصر يستطيع أن يجد أن كل مساهمة منها تختلف في معطياتها عن المساهمات الأخرى، ولا تمثل القواسم المشتركة بينها إلا حيزاً محدوداً جداً من مجمل ما تقدمه، وفي هذا دليل واضح على الاجتهاد الشخصي، والانتقائية التي لا تستطيع أن تفضي إلى أي نتائج قابلة للتعميم، وبالتالي إلى أي نظرية عامة أو نموذج عام يمكن أن يحتذى به.
وبذلك يظل الباب مفتوحاً أمام أي مفكر آخر، ليقدم اجتهاداته في صورة مجموعة من الشروط الجديدة أو "المبادئ" الجديدة، وتظل أبواب المتاهة مفتوحة على مصراعيها ليلج إليها صغار الباحثين أو بعض المسؤولين الإداريين الذين تبهرهم "الصرْعات أو الموضات الإدارية" التي يقدمها هؤلاء لتبدو في تقديرنا وكأنها الثقوب السوداء التي لا تفضي إلى أي نهايات واضحة. وتتعمق بذلك محنة الفكر الإداري، ومحنة الإداريين اللاهثين وراء الحلول الفنية أو السحرية لمشكلاتهم.
المبحث الثاني
علمية الإدارة وجدلية( العلم- الفلسفة)
1-مفاتيح المعرفة:
قلما تفصح المعرفة أو الحقيقة عن نفسها، وإذا حدث ذلك فإنما يكون فقط في حالة بعض المعارف أو الحقائق العامة والسطحية أو الأولية، أما المعارف المعمّقة التي تسعى لبحث الظواهر، وكشف قواعدها وقوانينها الشاملة، وبناء النماذج التي تعبر عنها، فإنه لا يمكن تحصيلها إلا بالاستناد إلى منهجية علمية، وجهود بحثية مثابرة ومعمقة وشاملة ومعقدة، ولعل أول وأهم خطوة في هذه المنهجية تتمثل في إدراك ما يمكن تسميته بمدخل أو مفتاح المعرفة،
يتحدث "برتراند رسل" في كتابه "حكمة الغرب" عن هذا مشيراً إلى قول الفيلسوف اليوناني "هرقليدس" بان العالم الحقيقي هو التآلف المتوازن بين الأضداد، وان وراء صراع الأضداد وفقاً لمقادير محسوبة (قوانين محددة) يكمن "انسجام خفي"، أو "تناغم ما" هو "جوهر" العالم.(رسل ،1983: 45-51)
ويقول أن هناك طريقة وحيدة يمكن بها "بلوغ الحكمة" وهي إدراك "المبدأ الكامن" في الأشياء (الظواهر)،( رسل ،1983: 45-51) وهو ما يمكننا تسميته "بالحقيقة الجوهرية" أو ما يسميه بعض الباحثين "بوحدة المعرفة" أو "وحدة البناء"، ويتجسد في انسجام الأضداد. وهي صيغة لا يدركها الناس رغم أنها تتكشف في كل مكان، وأن الحكمة تكون في إدراك الصيغة الكامنة المشتركة بين الأشياء جميعاً، وأن علينا أن نلتزم بهذه الصيغة بمزيد من الدقة، وأن عدم إدراك الناس لهذه الصيغة المشتركة يجعلهم يسلكون وكأن لكل منهم حكمته الخاصة، فيحدث الاختلاف باستمرار، كما يجعل أي تعلم غير مفيد. فليس المهم هو أن نتعلم أشياء كثيرة، بل أن نتعلم "الفهم". ولن يقوم الفهم دونما معرفة بالصيغة المشتركة التي هي مفتاح المعرفة، وهذا هو التحدي الذي يحتاج إلى مزيد من الصبر والتبصر.
ويردد "رسل" حكمة "هرقليدس" في هـذا المجال، ونرددها معهما أيضاً ومفادها؛ "أن من يبحثون عن الذهب يحفرون في التراب الكثير ولا يجدون إلا القليل، أما أولئك الذين يجدون في ذلك صعوبة، ويبتعدون عن البحث في الجوهر، فهم كالحمير التي تفضل التبن على التبر".( رسل ،1983: 45-51)
ولتقديم هذه الفكرة بصورة أكثر وضوحاً فإننا نضرب مثلاً مجاميع الظواهر الكونية المختلفة بكل تنوعاتها، فالظواهر المادية هي في الحقيقة العناصر الأساسية للوجود، وتتمثل" الحقيقة الجوهرية" أو "وحدة المعرفة" لكل عنصر منها في طبيعة "ذرته" التي تختلف في مكوناتها عن مكونات ذرة أي عنصر آخر، وهي التي تعطي كل عنصر ذاتيته وخصوصيته المميزة، والقاعدة المنهجية هنا تقول؛ "إن العناصر الطبيعية تعرّف بذراتها"، وكلما استدقت عملية البحث وتعمقت كلما تعمقت في بحث هذه الذرات ومكوناتها، وهذا ما تشهده الثورة التكنولوجية المعاصرة، حيث استطاع العقل البشري أن ينفذ إلى نواة بعض العناصر لبحثها وقد أدى ذلك إلى انبعاث الثورة النووية، ومن ثم الثورات الإلكترونية والبروتونية والنيوترونية.. وأن أي عملية بحث لأي عنصر من عناصر الطبيعة لا تبدأ بالبحث عن طبيعة ذرته ومكوناتها لتنطلق بعد ذلك إلى الآفاق الأخرى، هي عملية بحث سطحية، ولن تستطيع أن تقدِّم في أحسن حالاتها سوى بعض الأوصاف والمعارف العامة والمحدودة. وبذلك يمكن الانتهاء إلى القول بأن علوم المادة، هي علوم الذرات.(*)
ينطبق هذا القول أيضاً على مجاميع الظواهر الحية، النباتية والحيوانية والبشرية بكل ما تحتوي عليه هذه المجاميع من ظواهر فرعية وجزئية متعددة ومتنوعة تعدداً وتنوعاً هائلاً، حيث تتمثل الحقيقة الجوهرية أو وحدة البناء الأساسية أوحدة المعرفة لكل منها فيما تسمى "الخلية الحية الأولى" النباتية، و"الخلية الحية الأولى" الحيوانية، وأن القاعدة المنهجية في هذا المجال تقول؛ "إن الظواهر الحية تعرّف بخلاياها"، وكلما استدقت عملية البحث وتعمقت، كلما تعمقت في بحث هذه الخلايا وقوانينها، وهذا ما أصبحت تلج إليه الثورات البيولوجية المعاصرة في الهندسة الوراثية وعلم الجينات والاستنساخ، وحل لغز المعادلة الوراثية…الخ. وبناءً عليه يمكن الانتهاء إلى نتيجة عامة مفادها؛ "أن علوم الأحياء هي علوم الخلايا" وهي التي تدرس نشوء وتكوّن ونمو وموت... المخلوقات الحية.
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للظواهر الكونية فما هو الحال بالنسبة للظواهر الإنسانية بما فيها الظاهرة الإدارية ؟؟
إن ألإجابة على هذا السؤال تفترض بداية ملاحظة بديهية أولى مفادها؛ ان هذه الظواهر لم توجد في أصل الكون، بل تشكلت عبر مراحل التواصل الإنساني، وصياغة البشر لعلاقاتهم وتاريخهم، وجاءت تعبيراً عن حُزم من العلاقات الإنسانية المتنوعة التي أمكن للباحثين عبر العصور فصلها عن ألتراكمات الفلسفية ألتي إستغرق فيها ألفلاسفة ألأقدمون طويلا، وكذلك فصلها عن بعضها بعضاً، وتمييزها، لتبرز في صورة ظواهر لكل منها ذاتيته وتمايزه؟؟
وكذلك ملاحظة بديهية ثانية مفادها؛ أن عملية الاستدلال والقياس المنهجي على ما يتعلق بالظواهر الكونية تؤكد أنه ينبغي أن يكون للظواهر الإنسانية كما هو لهذه الظواهر الكونية حقيقتها الجوهرية التي تتلاءم مع طبيعتها، فكل حقيقة جوهرية لأية ظاهرة لا بد وأن تكون من جنس الظاهرة كما أشرنا آنفاً، فالذرة من جنس المادة، والخلية من جنس الحياة.
ولما كانت طبيعة الظواهر الإنسانية ليست مادية كما هي الظواهر المادية، وليست حية كما هي الظواهر الحية، فإن ذلك يعني أن الحقيقة الجوهرية لها لا تكون هي الذرات ولا هي الخلايا، فما هي إذن؟؟
إن التبصر العقلي التجريدي لحقيقة وجود هذه الظواهر تؤكد أنها لا تتشكل إلاّ بناء على تشكل منظومات من العلاقات الجماعية بين الناس، فإذا كانت العلاقات سياسية تكون الظاهرة سياسية، وإذا كانت العلاقات إدارية تكون الظاهرة إدارية وهكذا.. وإذا ما عملنا على تحليل أي علاقة إنسانية تحليلاً نهائياً للتعرف على طريقة تشكلها، ورصد وحدة بنائها، وكشف حقيقتها الجوهرية، فإننا نجد في النهاية أن جميع علاقات الناس على اختلاف أشكالها ومجالاتها تتمحور حول وحدة بناء أساسية تسمى "القيم" في الفكر الإنساني، وبالتالي فإن نظام العلاقات هو في الحقيقة نظام قيمي.
ولمّا كانت القيم الإنسانية مختلفة ومتنوعة فإننا نجد أنفسنا أمام منظومات أو نظم قيمية مختلفة ومتنوعة، وبالتالي نظم ونماذج إنسانية وحضارية مختلفة ومتنوعة.
وحتى نستطيع أن نتعرف على النظام الإنساني والنموذج الحضاري الأمثل والأفضل العلمي والعالمي، فإنه ينبغي علينا أن نبحث عن منظومة القيم المثلى والفضلى (العالمية)، وهي التي تضمن تحقيق التوحد والتآلف والتوازن في النموذج الإنساني الذي يعتنقها.
وللوصول إلى ذلك فإنه ينبغي أن يتم البحث عن وحدة بناء هذه المنظومة أو حقيقتها الجوهرية، التي تمثل أساس اتساق مفردات المنظومة وترابطها وتكاملها. هذه المنظومة التي ينبغي أن تحتكم لها علاقات الناس على اختلاف أنماطهم وأشكالهم وألوانهم حتى يتمكنوا من بناء نظم حياتهم المثلى والفضلى، وتأكيد قدراتهم على تحقيق غاياتهم الحقيقية في بناء الحضارة الإنسانية، وفي تحقيق سعادات الأفراد.
إن الحقيقة الجوهرية أو وحدة بناء وتحليل هذه القيم تتمثل فيما يمكن أن نسميها "القيمة الجوهرية" أو "القيمة العليا" التي تحكم منظومات هذه القيم ووجود هذه الظواهر، وتضفي عليها خصائصها، وتحكم حركتها. وتصبح القاعدة المنهجية السائدة في مجال بحث هذه الظواهر تقول؛ "إن الظواهر الإنسانية تعرّف بقيمتها الجوهرية" أو "بقيمتها العليا"، وكلما استدقت وتعمقت عملية البحث كلما تمحورت حول بحث هذه القيمة وتعمقت في بحثها لتحديد ماهيتها ووظيفتها واشتراطات تحقيقها، وبناء النماذج التي تحكم وجودها وعملياتها.
2-مقومات النموذج العلمي للظواهر المختلفة:
بغض النظر عن أية تعريفات أو شروحات تفصيلية،وذات طبيعة مدرسية، فإنه يمكننا أن نعرف "النموذج"، أي "نموذج" بأنه؛ التصوير أو التجسيد الشامل والمتكامل، النظري أو التطبيقي، لمنظومة المعارف المتعلقة بموضوع معين أو بظاهرة معينة، فإذا كانت المعارف نظرية يكون النموذج نظرياً، وإذا كانت "المعارف" تطبيقية يكون النموذج تطبيقاً، وكذلك إذا كانت "المعطيات" (افتراضية) فإن النموذج يكون افتراضياً ، وهكذا… وتشمل هذه المعارف ما يلي:( عساف،عبدالمعطي،2005 : 83-85)
أولاً: المعرفة المتعلقة "بالحقيقة الجوهرية" التي تحكم وجود النموذج بكل مكوناته، كما تحكم حركته بكل أشكالها وأبعادها.. وتمثل هذه المعرفة أولى وأهم الخطوات التي يجب البدء منها.
ثانياً: المعرفة المتعلقة بالنظام العام الذي ينتظم وجود النموذج على أساسه، بكل ما يتعلق بذلك من تراتيب واشتراطات تنظيمية، وتشمل هذه التراتيب المقومات أو العناصر الأساسية التالية:
- المقوّمات الوظيفية للنموذج التي ترتبط بوظيفة النموذج وغاياته.
- المقوّمات الهيكلية أو البنائية التي تؤكد كينونة النموذج ووجوده.
- المقوّمات العلائقية التي تتجسد في العلاقات الداخلية والخارجية للنموذج.
ثالثاً: المعرفة المتعلقة بالعمليات الإدارية المختلفة التي تحكم حياة النموذج وسلوكه، بكل ما يتعلق بذلك من تراتيب واشتراطات تنظيمية.
رابعاً: المعرفة المتعلقة بالعمليات التشغيلية التي يمارسها النموذج تحقيقا لغاياته ووظائفه المختلفة، بكل ما يتعلق بذلك من تراتيب واشتراطات تنظيمية.
خامساً: المعرفة المتعلقة بالتراتيب اللازمة لعمليات صيانة النموذج، وحمايته، وضمان بقائه، وتطوره وارتقائه.
ومما ينبغي ملاحظته؛ ضرورة الترابط والتناغم الواضح والدقيق بين جميع العناصر والمكونات والتراتيب والتنظيمية الخاصة بكل من النظام العام أو العمليات الإدارية والتشغيلية أو عمليات الصيانة، وبين الحقيقة الجوهرية التي يفترض أن تحكم كل ذلك. وأنه إذا وجد أي تعارض بين أي عنصر أو ترتيب تنظيمي بحيث لا يتفق أو يتطابق تماماً مع هذه الحقيقة الجوهرية، فإن ذلك يمثل مؤشراً دامغاً على خطأ ذلك العنصر أو الترتيب التنظيمي، ولا بد من تكثيف البحث للاستغناء عنه أو اكتشاف بديل أمثل له.ومما يترتب على ذلك أيضاً؛ ضرورة الترابط والتناغم بين طبيعة النظام بكل عناصره ومكوناته وتراتيبه التنظيمية، وبين التراتيب المتعلقة بعمليات النموذج وبعمليات صيانته.
أما إذا كانت المعرفة المتعلقة بالحقيقة الجوهرية هي معرفة غير يقينية أو مؤكـدة، فإن ذلك لن يقدم إلا نماذج اجتهادية، وإفتراضية، تفتقد إلى التكامل والشمول والدقة، وتبقى في الحقيقة نماذج "خرقاء" من السهل توكيد عجزها أمام أي نماذج أخرى تقوم على اكتشاف "الحقيقة الجوهرية" الفعلية وتنتظم على أساسها.
3- العلوم الإنسانية والإدارية هي علوم القيم:( عساف ،2005 : 85-88)
بداية ينبغي التنويه إلى خطورة هذا العنوان وأهميته ،لإنه سيؤدي ،عند متابعته والإقتناع بنتيجته، إلى تأكيد الدعوة الكبرى إلى إعادة التأريخ للفلسفة،وللعلوم ألإنسانية،وإلى إعادة ضبط العلاقة بينهما، وتجاوز كل التحليلات والأفكارالتى قدمّها الفكر الإنساني على مدى كل ألأحقاب التاريخية السابقة وكانت متعارضة مع ذلك، لإنها لم تقدم أي مساهمة حقيقية وإيجابية للإنسان وغاياته العليا قدر مساهمتها في زيادة درجة ضياعه وفقدانه البوصلة الكلية التي تهديه إلى حقيقة وظيفته وغاياته.
ليست الظواهر الإنسانية إلا تعبيراً عن علاقات الناس مع بعضهم بعضاً، وإن تعدد وتنوع أنماط العلاقات الإنسانية ومجالاتها يتجسّد في صورة تنوع وتعدد في الظواهر الإنسانية. وأن هذه الظواهر لا تبرز كما هو الحال بالنسبة للظواهر الطبيعية (جمادية أو حية)، على أن لكل منها خصوصيته التامة واستقلاله التام عن غيره، بل إن جميع هذه الظواهر تتكوّر حول بعضها بعضاً، وتتشابك تشابكاً وظيفياً معقداً، لتؤكد الصورة الكلية الكاملة لحقيقة الجماعة البشرية، ولتبرز العلاقة بين هذه الظواهر وكأنها أشبه بعلاقات تقسيم العمل التي تسعى كل ظاهرة خلالها إلى توكيد مشاركتها في تحقيق النموذج الكلي لهذه الجماعة(*).
وهنا لا بدّ من طرح سؤال مفاده؛ كيف يتم بناء هذه العلاقة بين جميع هذه الظواهر حتى نضمن توحدها وانسجامها في صورة كل متكامل ومنظم، أي نموذج كلي أو شامل؟؟
إن معرفتنا لمفهوم النموذج تؤكد أنه لا يمكن تشكيله، وبناء نظامه، بمجرد تحديد وحشد عناصره أو مفرداته، وأنه لا بد من ترابط جميع هذه العناصر أو المفردات وفق قواعد وقوانين محددة، وأنه لا بدّ أن ترتبط هذه القواعد والقوانين بالدرجة الأساسية بالحقيقة الجوهرية التي يقوم عليها هذا النموذج سواء كان نموذجا طبيعيا او إنسانيا، وأن تنبثق منها.
ولما كانت الحقيقة الجوهرية للظاهرة الإنسانية بكليتها تتجسد في القيمة العليا لها، فإنه يصبح أمراً بديهياً القول أن بناء القواعد والقوانين العلمية المتصلة بهذه الظاهرة يبقى متصلاً اتصالاً مباشراً ببؤرة الظاهرة أو حقيقتها الجوهرية، وهنا تترتب نتيجتان في غاية الأهمية، وهما:

النتيجة الأولى: إن التحدي العلمي الأساسي الذي يواجه الإنسان في مجال بحث الظواهر الإنسانية يتركز في العمل على كشف الحقيقة الجوهرية أو "القيمة العليا" للظاهرة الإنسانية برمتها، ولكل ظاهرة جزئية من الظواهر المشتقة عنها، وإننا نعتقد أن ذلك يمثل أصل المعرفة الإنسانية العلمية وقاعدتها الأولى وقانونها الأساسي ، وكلما تعمق البحث في هذه الحقيقة الجوهرية كلما تعمقت عملية البحث العلمي المتعلقة بهذه الظواهر.
النتيجة الثانية: إن هذه الحقيقة الجوهرية أو القيمة العليا، تمثل، مثلما هو الحال بالنسبة لبقية الظواهر الطبيعية، المشتقة الأساسية لأي ترتيبات تنظيمية تتعلق ببناء النظام العام أو الكلي (Whole System) الذي يعبر عن كينونة الظاهرة ووجودها في حياة الناس، أو يتعلق بالعمليات المختلفة (Processes) التي تعبر عن علاقات الظاهرة ووظائفها وحركتها، وهي بذلك تمثل المشتقة الأساسية لأي قاعدة علمية أو قانون علمي خاص بهذه الظاهرة. وينطبق نفس القول بالنسبة لأي بحث في الظواهر الإنسانية الفرعية (الجزئية) الأخرى. حيث تمثل الحقيقة الجوهرية (القيمة العليا) الفرعية او الجزئية لأي منها المشتقة الأساسية للمعرفة العلمية المنبثقة عنها، ولأي تراتيب تنظيمية متصلة بها، وتحكم نظمها أو عملياتها.
وبناءً عليه، فإنه يتم الانتهاء إلى الاستنتاجات الهامة التالية:
أولاً: إذا كانت عملية البحث متركزة حول الظواهر الإنسانية فإنه يجب الاعتراف بحتمية التلاحم والتوحد بين المعرفة العلمية والمعرفة القيمية، أو بين "العلم والقيم" ،أو "العلم والفلسفة" ،أو "العلم والأيديولوجيا"(*)، لأن القوانين التي تحكم الظواهر الإنسانية هي قوانين القيم المتركزة في القيم العليا التي ينبغي أن تحكم هذه الظواهر. وهي التي تمكّن الإنسان، أي إنسان، مهما اختلفت ظروف الزمان أو المكان، من تحقيق غاياته العليا ممثّلة في ثنائية(السعادة-الحضارة).
وهنا، تنبغي ملاحظة أنه لا يوجد أي انفصام بين المنهج العلمي والمنهج الفلسفي، حيث أن البحث عن حقيقة القيم العليا وكيفية تشكّل منظومات القيم، واعتماد ذلك باعتباره قانون السلوك الإنساني، هو بحث في حقيقة العلم الإنساني بدون أدنى شك.
ولتحقيق ذلك، فإنه يشترط إدراك التحولات اللازمة التي ينبغي حصولها في معنى المنهج الفلسفي، وتتمثل في ضرورة تحوّل هذا المنهج عن ضلالاته السابقة التي استغرق فيها طويلاً، وهو يقوم بالتركيز على بحث حقيقة أصل الخلق أو أصل الوجود، وهي ضلالات تستغرق في بحث ألغيبيات ولا يمكن أن تفضي إلى قرار أو يقين نهائي وقطعي، ليصبح مستغرقاً في بحث حقيقة الخلق أو حقيقة الوجود ببعديْه الطبيعي والإنساني، ومتفهماً للاختلافات بين هذين البُعديْن، ولضرورات التوازن بينهما، تحقيقاً لتوازن الوجود الكلي، ووصولاً بالإنسان إلى غاياته ممثّلة في ثنائية (السعادة-الحضارة).
ثانياً: إذا كانت عملية البحث متمركزة حول الظواهر الكونية فإن الباحث يجد نفسه أمام مهمتين مختلفتين هما:
المهمة الأولى: أن يفصل بين العلم والقيم (الفلسفة أو الأيديولوجيا) طالما هو يقوم ببحث الحقائق البنائية للظواهر التي يدرسها، وكيف تتكون، وما هي خصائصها، وكيف تلتحم في علاقاتها البنائية الداخلية أو في أي علاقات بنائية أخرى مع غيرها من الظواهر، وأن الكشف عن أي خصيصة أو علاقة من خصائص الظاهرة أو علاقاتها يمثل بلا شك كشفاً علمياً خاصاً بهذه الظاهرة.
المهمة الثانية: أن يربط ويوحّد بين العلم والقيم (الفلسفة أو الأيديولوجيا) (إذا كان قد تمكن من الكشف عن القيمة العليا للظاهرة الإنسانية) وهو يقوم ببحث الحقائق الوظيفية للظواهر التي يدرسها، وجعل القيمة العليا بمثابة قاعدة معيارية يتم ترشيد وضبط ومحاكمة أي أداء وظيفي على ضوئها، وتحديد الاختيارات الوظيفية على أساسها.
ليس ثمة شك أنه لايوجد قانون كوني، في أي ظاهرة من الظواهر، إلا ويمكن للإنسان أن يكتشفه إذا ما توافرت لديه القدرات والإمكانات وحسن التوفيق، وأن يوظّف هذا القانون عند اكتشافه له إما توظيفاً جاهلاً أو أحمقاً وغير إنساني، بحيث يتعارض مع وظيفته ألإنسانية التي أرادها الله له عندما استخلفه في هذا الكون (وظيفة الاستخلاف)، وبالتالي متعارضاً مع القيمة العليا او الفلسفة العليا ومع الغايات العليا لوجوده البشري والإنساني، وبالتالي متعارضاً مع متطلبات سعادته ومتطلبات بناء الحضارة، وإما توظيفاً عاقلاً (علمياً) وإنسانياً يتوافق مع حقيقة وجود الإنسان (باعتباره مميزاً بالعقل)، ووظيفته التي استخلف من أجلها، ومع القيمة العليا او الفلسفة العليا التي ينبغي ان يحتكم إليها هذا الوجود،(*) وبالتالي مع متطلبات سعادته. فالقلم مثلاً، يمثل أهم الأدوات الحضارية التي صنعها الإنسان، وقد تم تمجيده في القرآن الكريم بأن سميت سورة كاملة باسم القلم، إلا أنه يمكن استخدام مثل هذه الأداة العظيمة كأداة عدوان وربما أداة قتل. وكذلك فإن أفضل الأطعمة التي يفضلها الإنسان قد تكون مبعث سعادة لديه إذا ما تناولها تناولاً رشيداً، وقد تكون مبعث علل وأمراض إذا ما تم الإسراف فيها والإفراط في تناولها إفراطاً جاهلاً وغشيماً...إلخ.
وهكذا يحدث الانفصام بين حقيقة البناء والوظيفة أو بين القانون المادي والقيم العليا، أو بين العلم والفلسفة الحقيقية(ألتي تهتدي للقيم الجوهرية)، ويصبح المنهج العلمي مختلفاً عن المنهج الفلسفي الحقيقي ومنفصماً عنه، ويخضع بذلك في تطبيقاته لأي قيم أو فلسفات أخرى بعيدة تماماً عن القيمة العليا وعن الفلسفة الحقيقية.
أمّا إذا تم التوحّد بين هذين المنهجين فإنه يحدث توحّد بين القانون والقيم، وبين العلم والفلسفة، ويحدث التوازن بين البناء والوظيفة، وتتحقق غايات الوجود الإنساني ممثّلة في وحدة ثنائية (السعادة-الحضارة)(*).
الخاتمة:
لقد تأكد خلال عمليات التحليل التي تضمنها هذا البحث عددا من النتائج الرئيسة التالية:
اولا: اخفاق جميع روافد الفكر الإداري التي قدمت مساهمات غزيرة وهامةفي تقديم اي منهجيات او نتائج علمية يمكن التعامل معها تعاملا موثوقا ومعتمدا بصورة نهائية.
ثانيا: يعود هذا الإخفاق بالدرجة الأولى والأخيرة الى عدم الإهتداء الى المنهج العلمي الذي يتوافق مع خصوصية الظواهر الإنسانية بما فيها الظاهرة الإدارية،وان اهم اخفاق على هذا المستوى يتمثل في عدم اكتشاف الحقيقة الجوهرية التى تمثل وحدة المعرفةلهذه الظواهر او مفتاحها.
ثالثا:ان وحدة المعرفة للظواهر الإنسانية بما فيها الظاهرة الإدارية تتمثل في القيمة العلياالتي تحكم الوجود الكلي للنموذج الإنساني بكل اشكاله الإدارية وغير الإدارية.
رابعا :ان العلوم الإنسانية بما فيها علم الإدارة هي علوم القيم، وان اي نموذج يعمل الإنسان على بنائه وتشكيله ينبغي ان يخضع للقيمة العليا الإنسانية ليكون نموذجا علميا ومتوازنا وقادرا على تحقيق الغايات العليا للوجود الإنساني ،وبدون ذلك تكون النماذج التي يمكن بنؤها والعمل من خلالها نماذج خرقاء وعاجزة عن ادراك المنهج العلمي في العمل، وعن ادراك حتمية الجدلية بين العلم والفلسفة باعتبارها منظومة القيم المتمحورة حول القيمة العليا.
خامسا: ان تحديد القيمة العليا الإنسانية او الإدارية يمث التحدي الحقيقي امام الباحثين العلميين، وان الكشف عنه يفترض ادراك طبيعة الظواهر اللإنسانية وانها لا تخضع لأي منهج مما يطبقه الناس في ابحاثهم،وهذا يفترض الإهتداء الى المنهج الذي يمكنه الإجابة الكاملة حول ذلك.

المراجع الرئيسة:
 اوشي، ويليام، النموذج الياباني في الإدارة : نظرية Z، ترجمة : حسن ياسين (معهد الإدارة العامة، الرياض).
 بارتلت، كريستوفر أ. وجوشال سومنترا، الإدارة عبر الحدود : الحلول بين القطرية، ترجمة : سعاد الطنبولي، (الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1994، القاهرة).
 بروكو بينكو، جوزيف، إدارة الانتاجية : مرشد عملي مترجم : منظمة العمل العربية (منظمة العمل العربية 1998).
 بيترز، توم، ثورة في عالم الادارة، الجزء الاول، ترجمة : محمد الحديدي، (الدار الدولية للنشر، 1995، القاهرة)
 توفلر، الفين، تحول السلطة بين العنف والثورة والمعرفة، مترجم : فتحي شتوان ونبيل عثمان (الدار الجماهيرية، 1992، بنغازي).
 ثارو، ليستر، الصراع على القمة، مترجم : أحمد بلبع(سلسلة عالم المعرفة، عدد 204، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995، الكويت).
 جورج، ستيفان وويمرز كيرتش، آرنولد، إدارة الجودة الشاملة : الاستراتيجيات والآليات المجربة في أكثر الشركات الناجحة اليوم، مترجم : حسين حسنين (دار البشير 1998، عمان).
 دونكان، و.جاك، افكار عظيمة في الادارة، مترجم : محمد الحديدي (الدار الدولية للنشر : 1991، القاهرة).
 ربيع، حامد، النظرية السياسية، مذكرات جامعية منشور (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1972، القاهرة) .
 رسل، برتراند، حكمة الغرب، مترجم : فؤاد زكريا (سلسلة عالم المعرفة، عدد 62، عدد 72، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983، الكويت).
 عساف، عبد المعطي، نظريةI للتفوق الإداري:نظرية الإدالرة بالقيم،الطريق الى العالمية،(دار العلوم للنشر والتوزيع، 1983، الرياض).
 Crospy, P.B, Quality is free: The art of making quality certain. (McGraw-Hill, 1979 New York).
 Deming, W.E, Out of the Crisis,(Massachusetts institute of Technology, 1986, Cambridge).
 Faure, Lesley, Munro and Faure, Malcolm Munro, Implementing Total Quality Management,(Longman Group UK Limited, 1992)
 Juran, J.M., and Others, Quality Control Hand book, (McGraw-Hill, 1979 New York).

Abstract in English: 
Abstract This study aims to analyze and evaluate the tributaries of management thought. The purpose is to prove its failure to detect systematic nature of the phenomenon administrative or detect the fundamental truth in uncertain. Most importantly in this level is the lack of discovery of the essential truth that represents the unity of knowledge of these phenomena. The study indicates that the main key of knowledge to the phenomenon of administrative, and the confirmation of the scientific model is that management of science is the science of values. Any model that the human being is working to build and form, should focus on human supreme value to be scientifically balanced and be able to achieve the supreme goals of human existence. Otherwise, the result of building these models will result in not understanding the scientific methods, and the dialectic between science and philosophy as a system of values centered on the highest value. Determining the highest value of humanity or administration represents a real challenge to the scientific researchers. The discovery is supposed to reveal the nature of inhuman phenomena, which is not subject to any approach applied by the people in their research. This is supposed to facilitate the finding of a technique that can answer fully.