نموذج التفوق الاداري وحتمية التوافق الثقافي بين ثقافة الادارة والمنظمة والمجتمع

نموذج التفوق الاداري وحتمية التوافق الثقافي بين ثقافة الادارة والمنظمة والمجتمع
د. عبدالمعطي عساف د. ايوب الصوالحة د. مؤيد الفواعير
جامعة العلوم الاسلامية العالمية/ كلية المال والاعمال / قسم ادارة الاعمال/ عمان – الاردن
2013م
الملخص :
تتركز موضوعات هذا البحث حول فكرة رئيسة مفادها ؛ ان الثقافة المؤسسية لأي منظمة هي الاساس الذي يضفي عليها النوعية المميزة ويعطيها الهوية الخاصة على المستويين الاداري والاجتماعي، وانه ينبغي مراعاة شروط التوافقات الثقافية بين فلسفة المنظمة وفلسفة الادارة التي تدير اعمالها ، وفلسفة المجتمع الذي تعيش فيه وتنفتح عليه، وان المنظمة الباحثة عن التفوق ان تختار الفلسفة التي تقوم على القيمةا الادارية لعليا ممثلة في قيمة الفعالية بالمعنى الشامل كما تم تحديده في هذا البحث وقد تمت معالجة هذه الفكرة وتأكيدها من خلال بحث حالة النموذجين الليبرالي والياباني رغم التباينات والفروقات العميقة بينهما .

1 - مقدمة :
ليس ثمة شك أن طبيعة النموذج الإداري تعتمد في تشكلها وماهيتها على طبيعة الثقافة المؤسسية لهذه المنظمة، وعلى طبيعة القيمة الجوهرية التي تعتمد عليها هذه الثقافة و يقوم على أساسها هذا النموذج , وإن الإختلاف بين النماذج تعود الى طبيعة هذه القيمة الجوهرية التي قد تختلف من منظمة لأخرى لما يترتب عليها من اختلافات ترتيبية و تنظيمية . إن النموذج الإداري الليبرالي الغربي قد اعتمد في آخر تطوراته على قيمة الكفاءة واعتبرها القيمة الجوهرية التي تحكم فلسفته الإدارية و تلون الثقافة المؤسسية للمنظمات المختلفة التي تعمل في اطاره ,أما النموذج الياباني فقد تمحور حول قيمة جوهرية أخرى تبدو أكثر علوّاً و شمولية وهي قيمة "الفعالية "ضمن فهم لهذه القيمة يجعلها تساوي قيمة الكفاءة بالإضافة الى ضمانات تحقيقها . و هذا ما مز النموذج الياباني عن النموذج الليبرالي ،وبخاصة أن ما تحدث عنه من ضمانات كانت في معظمها تقع في صلب ثقافة المنظمة . و إننا في سياق هذا البحث نحرص على إبراز دور الثقافة في بناء النماذج الإدارية الرئيسة كالنموذج الليبرالي الغربي والنموذج الياباني أو نموذج ادارة الجودة الشاملة ،والى تحديد المفارقات و المقارنات بين هذه النماذج وصولاً الى نتيجة هامة مفادها أن بناء نموذج ادارة الجودة الشاملة أو نموذج ادارة التفوق يقتضي بناء ثقافة متوافقة هي ثقافة الجودة الشاملة أو ثقافة التفوق مع التركيز على ضرورة مراعاة ملاحظتين أساسيتين هما :
أولاً : إن هذه القيمة الجوهرية لا تتحقق بصورة تلقائية، بل لا بد من توافر اشتراطات ثقافية داخل المنظمات المعنية التي تسعى لتطبيق نموذج الإدارة بالفعالية، حتى يحدث نوع من التوحد أو الانسجام أو التوافق الثقافي بين ثقافة سلطة المنظمة وثقافة الإدارة وثقافة العاملين.
ثانياً : أن تراعي سلطة المنظمة اشتراطات الثقافة العامة للمجتمع الذي تعيش فيه وتتفاعل معه، وهي تقوم بتحديد اختياراتها الثقافية، فالقيم والمعتقدات المشتركة بين المنظمة والمجتمع، لا تتشكل بشكل عشوائي أو تلقائي، وإنما هي دائماً مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية السائدة التي تؤكدها وتضفي عليها الشرعية.

 فما هي تلك الاشتراطات؟.
 وهل هي اشتراطات حتمية لإحداث التوافق الثقافي ؟ .
 وهل يمكن أن يكون هناك نموذج عام لها؟.
 وما هي أهميتها على نموذج إدارة التفوق؟.
أسئلة هامة جداً سوف يحاول هذا البحث أن يجيب عليها ضمن افتراض عام مفاده ؛حتمية التوافق بين فلسفة الادارة وفلسفة المنظمة وفلسفة المجتمع المحيط ، وحتمية ان تكون الثقافة الادارية هي ثقافة الفعالية بالمعنى الموضوعي المشار اليه في الهامش، لتمثل هذه الحتمية اهم قاعدة يحتكم إليها النموذج الإداري الفعّال، او نموذج ادارة الجودة الشاملة أو نموذج التفوق الإداري .
يعتمد الباحثان في الإجابة عن هذه الأسئلة على المنهج الوصفي والتحليلي ، وعلى منهج المقارنة الموضوعية ، مستندا الى الدراسات السابقة التي بحثت هذا الموضوع .

2 - مفهوم الثقافة ومحتواها الفلسفي (القيمي):
قد تتعدد التعريفات التي نجدها في ثنايا الكتب حول مفهوم الثقافة، وبرغم هذه التعددية إلا أنها لا تختلف عن بعضها اختلافاً موضوعياً ملموساً، بـل اختلافاً شكلياً يعود في معظمه إلى المفردات التي يستعملها كل كاتب، أو إلى درجـة الإجمال أو التفصيل التي يتم عرض التعاريف من خلالها. ومن أشهر التعريفات المتداولة، تعريف "إدوارد تيلور"، حيث يقول "إنها ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف والعادة، وغير ذلك من القدرات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع"، ويعرفها "روبرت بيرستد" أحد علماء الاجتماع المحدثين أنها "ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله، أو نتملكه، كأعضاء في مجتمع"، ويعرفها "هورتون وان هانت" بأنها "نظام متكامل من السلوك الاجتماعي الذي يسانده عدد من المبادئ والأفكار والقيم " (عساف:126)، ويعرفها (تومبسون وزملاؤه:10) بأنها "المركب الذي يجمع بين ثلاثة مفاهيم هي التحيزات الثقافية (القيم والمعتقدات المشتركة) والعلاقات الاجتماعية، وأنماط وأساليب الحياة".
ولمزيد من التحديد والدقة لهذا المفهوم فإننا نرى بأن الثقافة منظومة كلية تتشكل من تفاعل ثلاثة منظومات فرعية وأساسية هي:

أولاً: منظومة القيم التي تمثل اساس البنية الثقافية ومحورها الرئيس، وعندما نتحدث عن ثقافة المجتمع، يصبح المقصود بمنظومة القيم بالدرجة الأولى تلك القيم التي تعتنقها السلطة الحاكمة في المجتمع، وعندما نتحدث عن ثقافة المنظمة تصبح منظومة القيم المعنية هي بالدرجة الأولى تلك القيم التي تعتنقها سلطة المنظمة، وذلك بغض النظر عن وجود بعض المنظومات القيمية المختلفة لدى بعض الأفراد أو الجماعات داخل المجتمع أو المنظمة، فالثقافة المقصودة هي الثقافة المسيطرة، وهي ثقافة السلطة السائدة. أما إذا تم تركيز الحديث على مستوى الأفراد أو الجماعات، فإن منظومة القيم لدى الفرد أو الجماعة المعنية هي التي تمثل المقومة الأولى في ثقافاتهم، وغالباً ما تشتق من منظومة القيم العامة السائدة على مستوى المجتمع، وقد يتم اشتقاقها من خلال علاقات الأفراد الأخرى التي يقيمونها فتؤدي بهم إلى الإيمان بقيم معينة قد تأتي متعارضة مع القيم السائدة، وقد تكون الأساس في إحداث التنوع الثقافي داخل المجتمعات أو المنظمات ، وربما في إحداث التغير الثقافي تغيراً كلياً.
ثانياً: منظومة المعارف التي يتحصلها الأفراد والجماعات نتيجة التفاعل المستمر مع المحيط بكل ظواهره وموجوداته، أشيائه وأحيائه. وتشتق من هذه المنظومة جميع المعلومات والنظريات والمبادئ والقواعد النظرية والمفاهيم المتعلقة بالظواهر التي يتم التعامل معها في المجتمع.
ثالثاً: منظومة الخبرات التي تتشكل لدى الأفراد والجماعات وتحكم حياتهم وعلاقاتهم العملية أو العامة. وتشمل الخبرات منظومات العادات والتقاليد والرموز والطقوس ، ومنظومة المهارات والأدوات والأساليب .. التي يتم استخدامها ويعمل بها للتعبير عن هذه الخبرات.

ولا بد أن تتفاعل هذه المنظومات مع بعضها في صورة ثالوث متعاضد متكامل لتشكل معاً نسقاً أو نظاماً عاماً كلياً موحداً، يضفي على الأشخاص أو الجماعات أو المجتمعات طابعاً عاماً مميزاً هو الطابع الثقافي، ويشكل لدى كل منهم شخصيته أو هويته الخاصة، وهي الهوية الشخصية أو الهوية الثقافية.

3 - توافق فلسفة نموذج ادارة الجودة الشاملة أو ادارة التفوق و فلسفة المنظمة:
تردد المقولات الفلسفية بديهية عامة وهامة مفادها أن الفكر السائد أو الثقافة السائدة في أي مجتمع هو فكر الطبقة الحاكمة، أو السلطة الحاكمة. وهـذا ما ينطبق بالقياس على العلاقات الثقافية في المنظمات، سواء كانت منظمات حكومية، أو منظمات الأعمال التي يديرها القطاع الخاص، حيث يمكن القول بأن الثقافة السائدة في أي منظمة هي ثقافة السلطة الحاكمة فيها. وبالتالي فإن أي تغييرات في الثقافة العامة داخل المنظمة يستوجب أن تسبقها تغييرات لدى ثقافة سلطة المنظمة.
وبناء عليه، فإن الدعوات المعاصرة، والاتجاهات الحديثة للتعامل مع إدارة الجودة الشاملة وبناء نموذج إدارة الجودة الشاملة أو نموذج التفوق الذي يقوم على فلسفة الفعالية، تستوجب إثارة سؤال كبير ومركب مفاده: ما هي إمكانية التوافق بين اشتراطات هذا النموذج الثقافية وبخاصة القيمية (الفلسفية) وطبيعة الثقافة السائدة، وهل ينبغي إحداث تغييرات ثقافية، شاملة بما ينسجم مع هذه الاشتراطات؟؟
يشير إلى هذا الأمر (9:Faure & Faure) بقولهما أن إدارة الجودة الشاملة تتطلب تغييراً شاملاً في فلسفة المنظمة، وفي كيفية عملها، وأن تصبح الأولوية الأولى التي يركز جميع العاملين في المنظمة من أجل تحقيقها. ويقولا: "إنها تتطلب تغييراً في الفلسفة الأساسية لكل موظف في المنظمة، وبخاصة لدى أشخاص الإدارة العليا (سلطة المنظمة)، فلم تعد فلسفة "فردريك تيلور" التي تجعل المديرين يقومون بالتخطيط والتنظيم والتوجيه وحل المشكلات، وما على العاملين إلا الاستجابة لما يتم وصفه من قبل المديرين والعمل على تنفيذه والانصياع له حرفياً، هي الفلسفة المطلوبة والملائمة".
إن إدارة الجودة الشاملة أو الإدارة المتفوقة، تتطلب إدراكاً واقعياً وشاملاً من قبل أشخاص السلطة بأهمية المساهمات التي يمكن لكل عامل أو موظف في المنظمة أن يقدمها ويشارك بها، وأن عليهم أن يتقبلوا هذه المساهمات، ويعملوا على تنميتها بتوفير المناخ المتوافق مع ذلك، ويقولا إن تأكيد قيم المشاركة، وعمل الفريق، يمثل المفتاح الذي يضمن النجاح في هذا الاتجاه، إلا أنهما يقولا أن تحقيق ذلك يفترض فلسفة شاملة يمثل تطبيقها في الحقيقة تغييراً راديكالياً بالنسبة للمنظمات التي تعمل ضمن ثقافة ليبرالية، وأنه لا يسهل تحقيقه بمجرد الكشف عن أهميته والدعوة للأخذ به، ولا بدّ من تطويع البيئة لشروطه. وهذا يعني ضرورة التعايش مع فكرة التغيير الثقافي، حتى ولو كان التغيير المطلوب ذا طبيعة راديكالية ومؤلماً، وتتحمل سلطة المنظمة المسؤولية الأولى لتحقيق ذلك.
ويقول توماس واطسون الابن، أحد مديري شركة (IBM) في كتابه "منظمة العمل ومعتقداتها، يجب على أي منظمة ناجحة أن تتبع منظومة راسخة من المعتقدات التي يرتكز عليها كل شيء في المنظمة… (Faure & Faure) إلا أنه لم يحدد ما هي تلك المعتقدات التي يجب ترسيخها، ولكننا نستنتج أنها هي التي تتفق مع فلسفة الجودة الشاملة.
ويؤكد (ووترمان الابن:158) على أهمية الثقافة والقيم بقوله "إن قوة القيمة الملهمة هي التي تطبق بالفعل، ولا تبقى مجرد قول، وتساعد كل فرد في المنظمة على اختلاف مستوياتها أن يكون قائداً". ويقول ،أن على المنظمة أن تكون مستعدة حتى لتغيير معتقداتها إذا ما تغيرت الأوضاع والظروف تغيراً يفرض شروطاً ثقافية أو قيمية أو معتقدات جديدة.
ويبرز ذلك ( أوشي :22-23) في حديثه عن نموذج (Z)، حيث يرى أن الحديث عن الفلسفة التي ينبغي أن تقوم عليها المنظمة لا يعتبر من الأمور الهزلية، أو الأماني المثالية، بل على العكس، فإن المنظمات تتألف عادة من المديرين الذين يعرفون حق المعرفة بأن قدرتهم على تحقيق التعاون الوثيق يعتمد على قدرتهم على الاتفاق على مجموعة من الأهداف الأساسية… وتشكل هذه الاتفاقات والأهداف قوام الفلسفة التي تعمل المنظمة بموجبها، وتنسج من خلالها علاقتها بالموظفين والعملاء والجمهور.
ويقول (مور، ومور:173) في سياق حديثهما عن الشروط التي تساند نجاح أسلوب حلقات الجودة "أنه من اللازم التثبت من مدى انسجام فلسفة حلقات الجودة مع ثقافة ونمط المنظمة التي تسعى للأخذ بهذا الأسلوب". ويشيرا إلى "تجربة شعبة كولنـز لنقل نظم الحركة" حيث أثبتت البيانات أن بيئة العمل القائمة في الشعبة تعدغير مشجعة لإدخال تحسينات جوهرية ودائمة على مستوى الجودة والإنتاجية، وأنه من المستحيل في ظل الثقافة التنظيمية السائدة في الشعبة زيادة رغبة العاملين في تحسين مستوى أدائهم، أو تعزيز مستويات الثقة والاتصال بين العاملين والإدارة…، أو توخي تكامل وظيفي ملموس بين مختلف القطاعات التنظيمية، سواء كان ذلك بشكل رسمي أو غيـر رسمي، وقالا أن الوضع يتطلب في حقيقته (ثقافة جديدة)، إذا أرادت الشعبة البقاء ككيان اقتصادي صلب لا يتهشم.
فما هي اشتراطات تحقيق هذا التوافق الثقافي؟؟
إننا لا نريد ونحن نحاول الإجابة عن هذا السؤال أن نتوسع لنتحدث عن أية اشتراطات تنظيمية، ونكتفي في هذا المجال بالتركيز على ما يلي:
أولاً: استعداد المنظمة والإدارة "للتغيير" الثقافي، بما يتوافق مع فلسفة "نموذج التفوق الإداري" أو نموذج الفعالية. فالتغيير ممكن دائماً، إلا أن التغيير ذو الطبيعة الاستراتيجية الذي يشمل القيم وبالتالي البنى التنظيمية يعتبر أمراً صعباً ومعقداً، وكما يقول (بارتلت، وجوشال:83) فإنه لن يكون ناجحاً وفعالاً ما لم يكن مصحوباً بتغييرات متزامنة في قيم الشركة وفلسفتها الإدارية، وهذا ما يفترض فهماً واضحاً للصعوبات والمعوقات المتعلقة بالميراث الإداري والثقافي، وهي في تقديرنا صعوبات تفوق كثيراً في تحدياتها خيال المسؤولين غير الثوريين. إن عملية التوافق الثقافية الجديدة تحتاج إلى خيال وإرادة الثوار.
ثانياً: إدراك سلطة المنظمة أن عملية التغيير المطلوبة هي أبعد من مجرد إعادة بناء الأصول، أو إعادة هندسة العمليات (الهندرة Re Engineering)، وأنها عملية شاملة، ولكنها ذات طبيعة بؤرية مركزية، وتتحدد بؤرتها في نقطتين مركزيتين متقابلتين ومتكاملتين هما:
أ- "الاختيار المشترك" للقيم والأهداف العليا، وللسياسات والبنى والعمليات المتوافقة مع ذلك، في صورة من صور الشراكة بين سلطة المنظمة والإدارة والعاملين، لتصبح هذه القيم والأهداف جزءاً داخلياً من تكوين كل طرف من هذه الأطراف.( كريستوفر و سومنترا : 18 ) و كذلك ( واطسون الإبن : 44 ) .
لقد أدركت "ماري باركر فوليت" منذ أمد بعيد أهمية التوصل إلى الوحدة أو التوحد في المنظمات ومكانة تحديد الأهداف في ذلك، وقالت بأن اختبار قوة منظمات الأعمال يتعلق بمدى توحد كل وحداتها وتحركها معاً بما يضمن تناسقها وانتظامها في كل واحد يسعى إلى تحقيق أهداف مشتركة. وأن الافتقار إلى الأهداف المشتركة يحول دون توحيد أو تنسيق الجهود والطاقات وتشكيل ما يمكن تسميتها الطاقة التراكمية أو التجميعية، ويصبح الحديث عن روح الفريق والعمل الجماعي في أهم وأعم مغزى له شيء لا وجود له بتاتاً، .( برايبروك : 76 ) ، وهذا ما أكده أورويك بقوله: "إنه ما لم يوجد غرض مشترك، ليس هناك داعٍ لأن يحاول الأفراد أن ينسقوا جهودهم على الإطلاق ولا يحاول أحد أن ينظمهم". ولكن الفكرة التي لم يقم هؤلاء الباحثون بإدراكها أو بإعطائها مكانتها في سياق تحليلاتهم تتمثل في السؤال كيف؟! وأن الإجابة على ذلك تستدعي الاستغراق في بحث وتحديد الفلسفة القادرة على التوافق مع هذا التوحد في الأهداف أو الغايات وتضمن تحقيقه .( باتريك : 65 ) .
ب- الالتزام المشترك، ويتصل اتصالاً مباشراً بالنقطة السابقة، ولا بد أن يتشكل لدى جميع الأطراف أيضاً، ويعبر عن ذلك (كوزيس، وبوزنر:14-16) في حديثهما عن اشتراطات بناء النوعية أو الجودة بقولهما؛ إن النوعية لا تبدأ بضبط النوعية، بل هي كما حددها "مالون" زعيم إحدى الشركات، حالة نفسية واعية، ويجب أن تكون في رأس وقلب كل مستخدم في المنظمة، وإلا فإننا سنموت. ويقول إن الطريقـة الوحيدة إلى ذلك تتمثل في إيجاد جو من الثقة التامة بين جميع الأطراف، مع التحذير المستمر "أنه يجب على سلطة المنظمة وإدارتها أن تعي ذلك حقاً، وتعتقد به، وتعمل نحوه يومياً، وإلا انقلب الأمر إلى إحساس بالرياء، وعندها يضيع كل شيء".
وهذا ما يركز عليه (أوشي: 21-24) في حديثه عن مقومات نموذج (Z) حيث يقول؛ أنه ينبغي أن لا تبرز القيم التي تعلنها الشركة على أنها مجرد قناع تظهر به أمام العاملين أو الجماهير، أو على أنها نوع من أنواع أدوات التجميل للمنظمة.. ولا بد أن تتم ممارستها فعلياً، وأن تمثل المقياس الذي يحكم سياساتها وقراراتها،…. وأنه لا بد من تعمق الحكمة عملياً لتصبح نمط حياة لا يوجد فيه مجال للشكوك أو الارتياب.
كما يبرز هذان الشرطان بوضوح لدى(بارتلت وجوشال:102) في حديثهما عن ضرورة توحد المنظمة من خلال ما أسمياها بالرؤية والخيار المشترك والالتزام، ويقولا "إن القيادة الإدارية للشركة مطالبة أن تتأكد من وجود الالتزام الفردي لكل شخص يعمل فيها بجدول أعمالها ككل، وأن تحقيق ذلك غالباً ما يثبت قوتها بشكل يفوق ما يحدثه أي نظام آخر مهما بلغت درجة تعقيده. ولإنماء الالتزام يجب أن يفهم كل فرد قيم وأهداف الشركة وأن يشارك فيها، كما يجب أن يتعرف على الأهداف والآمال العريضة، كما أن على الشركة أن تعمل ما بوسعها لتجعل كل فرد يتقبل استراتيجيات الشركة الرئيسية، وأن تصبح جزءاً داخلياً من تكوينه". وهنا قد يكون بديهياً أن تعلم سلطة المنظمة أن تحقيق ذلك لا يتم من خلال العمل بأي فلسفة أو منظومة قيم مهما كانت طبيعتها. بل لا بدّ أن يكون هناك توافق بين طبيعة القيم وبين هذا المطلب.
ثالثاً: إدراك أن التوافق الثقافي بين المنظمة والإدارة والعاملين يفترض بالدرجة الأولى والأساسية مراعاة التوافق بين القيمة العليا في ثقافة العاملين وفلسفتهم الحياتية، والقيمة العليا في ثقافة الإدارة وفلسفتها، والقيمة العليا في ثقافة المنظمة وفلسفتها. فعندما كانت فلسفة الإدارة هي فلسفة الكفاية، وجدنا أن ذلك لم يكن نابعاً من عقول وإرادة الإداريين وحدهم، بل كان ذلك أمراً حتمياً ينبع من فلسفة سلطة المنظمة المتمحورة حول "الاستبداد والمركزية" والمجسدة في صورة "القانونية أو الرسمية"، وكان من الطبيعي أن تكون فلسفة العاملين هي فلسفة "الانصياع". وعندما تم التحول نحو فلسفة الكفاءة لم يحدث ذلك عبر "حلم قمري" لدى أصحاب السلطة أدى إلى تغييرهم بين عشية وضحاها ليصبحوا أكثر إنسانية وتحررية. فالدعوات الإنسانية والتحررية التي كان يرددها الفلاسفة والمفكرون عبر القرون السابقة، وبخاصة في المراحل التي تلت انبثاق الثورة الصناعية، وعلى رأس هؤلاء جميعاً "ماركس" و"انجلز" وغيرهما من المفكرين الاشتراكيين والماركسيين التابعين، وعلماء النفس وغيرهم من السلوكيين، كانت تتكسر على صخرة الرفض الصلبة التي يتمتع بها أصحاب المنظمات، وذلك لأنها لم تكن من وجهة نظر الرأسماليين إلا دعوات نظرية ذات طبيعة فلسفية، وتبدو من وجهة نظرهم على أنها تقلل من حجم أرباحهم وعوائدهم دون أن يكون لها أي أثر واضح على الإنتاجية. ولكن بمجرد أن أعلن عن نتائج تجارب هوثورن، وتوكيد الصلة الطردية بين العلاقات الإنسانية والإنتاجية، حدث التحول السحري، وبدأ التغيير الثقافي في عقول أصحاب السلطة في المنظمات المختلفة يأخذ مجراه ليتفتق عن فلسفة إدارية جديدة هي فلسفة الكفاءة، وعن فلسفة جديدة للمنظمة تتوافق مع ذلك، هي فلسفة المنافسة. وهذا ما أدى بالنتيجة إلى إحلال فلسفة المبادرة محل فلسفة الانصياع على مستوى الأفراد العاملين.
ومن ثم، وإثر التطورات العالمية المطردة، واحتدام المنافسة في السوق العالمية وبروز النموذج اليابانيكنموذج اداري اكثر تفوقا، فقد أصبح هناك وضوح في الدعوة إلى ضرورة التحول عن فلسفة الكفاءة إلى فلسفة الفعالية، وأن الاقتناع بذلك أصبح يفرض ضرورة حدوث استبدال فلسفي على مستوى المنظمة والإدارة ومستوى العاملين بما ينسجم معه، لأن المحتوى الموضوعي لفلسفة "الفعالية" له تعارضاته مع فلسفة المنافسة، حيث لا يعقل أن تعلن الإدارة عن استراتيجية أو غاية الترابط بين أهداف المنظمة والعاملين، وعن أهمية توطيد وتوثيق قواعد وقيم الاختيار المشترك والالتزام المشترك، وتبقى محتفظة بفلسفة المنافسة، لأن آلية تحقيق هذا الترابط لا بد أن تفترض وبالضرورة تحقيق ترابطات بين أهداف العاملين أنفسهم ليتعاونوا معاً، وليشكلوا ما يمكن تسميتها الطاقة التجميعية الموجهة نحو أهداف المنظمة التي تنعكس بصورة مباشرة على أهدافهم، ولم يقدم دارسوا التاريخ ممارسة أو عملية واقعية واحدة تؤكد التوحيد بين التنافس والتعاون في إطارها في وحدة جدلية مستمرة. إن فلسفة ترابط الأهداف تتعارض تماماً مع فلسفة المنافسة وتتركز حول قيمة التعاون. وأن أي محاولة لإثبات عكس ذلك، هي محاولة لا تدرك حقائق العلاقات بين مفردات المنظومة القيمية ويحاول أصحابها مواجهة المشكلة العاصفة بدس رؤوسهم في الرمال.(*)
ينطبق هذا القول إلى درجة ما بالنسبة لفلسفة المبادرة وموقعها المركزي في عملية التطوير المستمر، فبرغم أن فلسفة الفعالية تعتبر ذلك قاعدة أساسية من قواعدها التي تتشكل منها، إلا أنها لا تتعامل مع فكرة المبادرة بالصورة الفردية التنافسية التي تحدثت عنها فلسفة الكفاءة، بل تستفيد من ذلك وتؤكده على قاعدة الالتزام المشترك والاختيار المشترك المشار إليهما، ولا تجعل المبادرة هي فلسفة الحياة، بل تجعل الالتزام هو محور تلك الفلسفة، وهذا ما يتوافق مع فلسفة التعاون. والالتزام تعبير عن طاقة النفس أيضاً، إلا أنه تعبير يتعدى حدود الفرد والروح الفردية التي تحكم قيمة المبادرة ليمتد من نفس الفرد ليصل إلى نفس الجماعة في صورة رباط ضروري يرشد المبادرة الفردية والسلوك الفردي بما يتفق مع الأهداف والقيم المشتركة للجماعة، ويرفض أي مبادرة لا تتوافق مع ذلك. وهذا ما يجعل من الالتزام قيمة هامة وأكثر سمواً من مجرد المبادرة.

4 - توافق فلسفة نموذج إدارة الجودة الشاملة او إدارة التفوق وفلسفة المجتمع:
ليس مستبعداً أن يتم إنشاء منظمات معينة في بعض المجتمعات دون أن تضطر هذه المنظمات إلى إقامة جسور، أو فتح قنوات، تضمن لها التواصل والتفاعل الواسع مع تلك المجتمعات التي تعيش فيها. بل قد نجد أن هناك منظمات تغلق نفسها عن المجتمع، وتحيط نفسها بالأسوار الشائكة، أو الجدران العالية ذات الأقفال الثقيلة، والمفاتيح المبرمجة، لتبدو كالجزر المعزولة في المحيط. وغالباً ما يحدث ذلك عندما تكون المنظمات إما أمام مهمة تعاقدية استثنائية أو مؤقتة، ولا يكون لها علاقة مباشرة وهي تقوم بإنجاز هذه المهمة بالسـوق المحلية للمجتمع المعني، ولا تفكر في إقامة علاقات تجارية مفتوحة مع تلك السوق، وذلك مثال بعض الشركات الكورية أو الأمريكية في دول الخليج والدول العربية الأخرى، أو تكون منظمات عالمية متعددة الجنسية، وتعتمد بالدرجة الأساسية على استراتيجية عالمية في أنشطتها ولا تفترض خلالها إحداث دمج أو استيعاب ثقافي في علاقتها بالوسط الذي تقيم فيه. وفي مثل هذه الحالات فإن المنظمات المعنية لا تجد نفسها مطالبة أن تغير في ثقافتها أو فلسفتها لتحدث اندماجاً ثقافياً مع ثقافة المجتمع المحيطة، ولا أن تعمل على تغيير الثقافات المحيطة للتوافق مع ثقافتها أو فلسفتها في العمل.
ولكن، هل يمكن اعتماد هذا النهج بالنسبة للمنظمات الوطنية، أو المنظمات الأجنبية التي تفرض طبيعة أنشطتها تعاملاً مباشراً ومفتوحاً تماماً مع السوق المحلية وتكون جزءاً منها.
يجيب على ذلك (بارتلت وجوشال:68) بقولهما أن تأثير تاريخ وبنية وثقافة أي أمة ينفذ إلى جميع أوجه الحياة في المجتمع، بما في ذلك أعـراف وقيم وسلوك رجال الإدارة في جميع المنظمات القومية. وأن المواصفات السلوكية المتأثرة بالاختيارات القومية تصبح جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياة كل منظمة، وتشكل هذه المواصفات الأساس الذي يقوم عليه بناء المنظمة وعملياتها التنظيمية على المستويات المحلية والدولية. وهكذا فإن الأمر يكون مختلفاً جداً في هذه الحالات، ولا بد أن تكون منظومة القيم داخل المنظمة متوافقة مع منظومة القيم الاجتماعية في بيئة المجتمع المحيط بها، وبخاصة القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإذا كان هناك أي اختلالات أو اختلافات، فإن ذلك يستدعي إما أن تقوم المنظمة بتغيير ثقافتها، والمنظومة القيمية الداخلية للتوافق مع ثقافة المجتمع، وإما أن تعمل المنظمات المعنية على إحداث استبدال ثقافي على مستوى المجتمع، أو أن تقوم سلطة المجتمع بإحداث هذا الاستبدال. صحيح أن المهمة غاية في الصعوبة والتعقيد، إلا أن ذلك يبدو حتمية ثقافية لا مفر منها، أما كيفية حدوث ذلك، فهذا أمر تحكمه طبيعة الظروف والتفاعلات الداخلية في كل مجتمع. فإذا أخذنا عملية التحول الثقافية التي شهدتها المجتمعات التي خاضت التجربة الاشتراكية نجد أن عملية التحول قد تمت بصورة ثورية وسلطوية، حيث أدت الثورة إلى تغيير السلطة العامة التي فرضت بدورها شكل الثقافة الاشتراكية كبديل عن الثقافة السائدة آنذاك. ولما تمكن بعض الأشخاص المناهضين للفكر الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي وبالتالي في دول أوروبا الشرقية من الوصول إلى السلطة بشكل أو بآخر عملوا على إحداث ردة ثقافية انتهت بتصفية سيطرة الثقافة الاشتراكية في الحياة العامة للمجتمع ومنظماته وإحلال ثقافة ليبرالية مكانها.
أما في المجتمعات ذات الطبيعة الليبرالية، فإنه لا يسهل الحديث عن دور للسلطة المركزية في إحداث استبدال ثقافي، بل إن السلطة في هذه المجتمعات تبرز على أنها القوة العظمى التي تعمل على حماية الثقافة السائدة لأنها تمثلها وتنسجم مع مصالحها، وهنا فإننا نعتقد بأن المنظمات تبرز باعتبارها الوحدة الأساسية وربما الوحيدة في النظام الاجتماعي التي يمكنها أن تقود عملية التجديد، وبذلك فإنه يتوقع لها أن تلعب دوراً في الإحلال الثقافي في اتجاه فلسفة إدارة الجودة الشاملة أو إدارة التفوق، وفلسفة المنظمة المختلفة عن فلسفة المنافسة، ويفترض ذلك في تقديرنا المرور عبر عملية تدريجية وتراكمية طويلة، بحيث يصبح هناك نوع من التعميم لقيم هذه الفلسفة على جميع العاملين في كل منظمة بصورة مقنعة، ثم عبر معظم المنظمات السائدة في المجتمع، ثم عبر العاملين فيها، لينقلوها كمواطنين إلى جماعات المجتمع أو فئاته ومستوياته الطرفية (التي تقع في الأطراف)، ثم يتم فرض ذلك على السلطة في المركز إما عبر عملية تحول ديمقراطية أو عبر عملية لا تخلو في بعض أبعادها من العنف. وعندها تحدث عملية الاستبدال بطريقة تبدو شاملة، ويتلون المجتمع بلون ثقافة جديدة.
ويشير (بارتلت وجوشال:201) إلى حتمية التدرجية في التغيير بقولهما: أن هناك مخاطر من وراء أية محاولة لفرض بنية جديدة على أي منظمة قائمة بالفعل، وأن عملية التحول يجب أن تتم في صورة تتابع منطقي وبشكل تدريجي.
وهنا فإنه ينبغي للملاحظ أو الباحث أن يدرك بان طريقة الإحلال التدريجي قد تحدث في مرحلة ما، نوعاً من الفراغ الثقافي، أو انعدام الهوية المحددة والواضحة، ويكون ذلك عندما تبدأ الثقافة السائدة بالتحلل والضعف والتلاشي دون أن تتمكن الثقافة البديلة من فرض هيمنتها وشموليتها، وهذه مرحلة في غاية الخطورة، ولا بد من التنبه والتحوط لها حتى لا يصبح المجتمع أسير الفوضى والفساد أو حتى لا تتحول السلطة الحاكمة إلى مواقع ردود الفعل العنيفة في مواجهة هذه التحولات وبصورة قد تحول العلاقات السائدة محلياً وربما عالمياً لمخاطر الفوضى. وفي جميع الأحوال لا بد أن تكون الفلسفة العامة متوافقة على جميع المستويات في المجتمع أو في المنظمات العاملة فيه.
يؤكد "أوجست كونت" على هذه النتيجة العامة حيث يقول أن الشرط الوظيفي لأي مجتمع هو الإجماع على نظام للقيم بين أعضائه، أما الأفكار المتنافسة أو المتصارعة بين الناس في المجتمع الواحد فلا تؤدي إلا إلى انهياره، وأن الأزمات الأخلاقية الكبرى التي تشهدها المجتمعات تعود في حقيقتها إلى غياب الاتفاق الضروري على المبادئ الأساسية.(ثومبسون واخرون: 299، 300)
كما يؤكد "بارسونز" على ذلك، ويقول بضرورة وجود نظام عام مشترك للقيم، وأن كل الأفراد في أي جماعة أو مجتمع يتقاسمون نفس الالتزامات المعيارية، (ثومبسون وآخرون :300).
ويشير "بارسونز" إلى أن النظام العام المشترك للقيم لا يلغي الخصائص أو الأفعال الفردية للمواطنين وإن كان يفرض قيوداً جمعية، ويميز بين الأفراد الأسوياء والأفراد المنحرفين، ويرى أن الحفاظ على النظام الاجتماعي يتم لأن الأفراد الأسوياء يشعرون بالرضىء في تنفيذ الأنماط المعتمدة والرضـوخ لقيودها، ويشعرون بالخزي والعار عند الفشل، وأن الإنسان الوحيد الذي يفسد التوازن هو الفرد المنحرف الذي لديه ميل أو أكثر للتصرف على نحو يتنافى مع واحد أو أكثر من الأنماط المعيارية المؤسسية، وهو حسب وصف "رالف وهرندورف" يحدث لأسباب غير معروفة، ويتعذر معرفتها سوسيولوجياً، لكنه يظل كالبكتيريا التي تهاجم النظام من الأعماق المظلمة في نفسية الفرد، (ثومبسون وآخرون:299).
ومع إقرارنا بأهمية هذه التوكيدات، فإننا نرى أن هذا لا يعني بالضرورة الإجماع المطلق على المنظومة القيمية السائدة، وإنما الإجماع العام من قبل الأغلبية المطلقة حولها ،لأنه من دون نظام محدد للقيم المشتركة لا يمكن أن يوجد شيء كالمجتمع أو كالمنظمة، وإن كان يبدو للمراقب عن بعد أنه موجود. وهكذا فإنه من الممكن أن نتصور عدداً مختلفاً من القيم، وإن كان يبدو أحدها مسيطراً إلا أنها في الحقيقة مرتبطة بعلاقات صراعية مع بعضها، مما يؤدي في تقديرنا إلى إضعاف الوحدة العضوية للنموذج الاجتماعي بدرجة تهدد بانهياره، أما إذا تعمقت واتسعت درجة السيطرة لأي من القيم كلما ازدادت قوة التماسك الاجتماعي، وتعمقت الترابطات بين وحدات المجتمع ومنظماته. وإننا نعتقد أن اختيار القيم العليا الحقيقية، وبناء نظام التربية والتعليم والتوجيه الملائم، يمثل أهم الضمانات التي تساعد على جعل هذه القيم ذات طبيعة شمولية.
وبالطبع، فإنه إذا كان يمكن لنا أن نتقبل وجود مثل هذه الاختلافات لدى بعض الأفراد في المجتمع أو في المنظمة، وذلك على اعتبار أنه يمكن للأفراد أن يتفلتوا ويفلتوا من عمليات السيطرة للقيم السائدة ومن ضوابطها ومعاييرها، فإننا يجب أن ننظر إلى ذلك باعتباره حالة مؤقتة، وأن يكون كل حرصنا على التطوير وبناء نموذج التفوق، موجهاً نحو إلغاء هذه الاختلافات باتباع كل الأساليب الممكنة حتى لا يؤدي ذلك إلى انفصام الوحدة العضوية داخل المنظمة، وبالتالي شل فعاليتها.
ولعلنا نركز باستمرار على بديهية، من وجهة نظرنا، مفادها، أن أي تفلّت للأفـراد عن نظام القيم المعمم في المجتمع، أو المزمع تعميمه، لا يحدث إلا في إحدى حالتين أو كليهما وهما:
1- إذا كان هذا النظام القيمي "معيباً" بحيث لا ينسجم مع شروط التوازن العامة في بنائه، فيأتي متحيزاً أو منحازاً لفئات دون أخرى، أو لأشخاص دون الآخرين، وهكذا… حيث لا يستطيع هذا النظام أن يعمل على توحيد الأضداد، فيصطبغ بصبغة القصور الذاتي، ولا يهيمن إلا مرحلياً، ويندثر تحت وطأة ضربات القوى والممارسات المعارضة له، أو نتيجة اتساع حالات ومظاهر عدم المبالاة به.
2- إذا تم بناء نظام عام للقيم المتميزة بالحيادية والشمولية والتوحيدية، إلا أن أدوات ووسائل وعمليات التوجيه والتعبئة التربوية على مستوى المجتمع أو المنظمة لم تستطع أن تدخل لوعي جميع الأفراد، وتنتج قنوات واضحة للتواصل بين مصالحهم وطموحاتهم وبين الأهداف العليا التي ترتبط بها هذه القيم، فيعمل الأفراد على محاربتها نتيجة جهلهم بها، ويكونوا بذلك كمن يحارب نفسه ومصلحته، وهذا ما تتصف به معظم فئات الجمهور غير الواعية، أو ما تسمى بفئات "الرعاع" أو "الدهماء"، وهي في الغالب تشكل نسبة عالية في أي مجتمع من المجتمعات التي لا تتمكن من بناء نظام تربوي شامل وقادر على التغلغل في جميع الأفراد والجماعات على اختلاف مستوياتهم، حيث من السهل عليها أن تكون اليوم مساندة لسلطة ما، أو لفلسفة ما، وتكون غداً في الصف الآخر. وبعدئذ في صف ثالث وهكذا..

وهذا هو ما دعى "جان جاك روسو" وهو يتحدث عن نموذجه الديمقراطي إلى ضرورة التمييز بين الإرادة العامة للناس، والإرادة العامة الحقيقية (الواعية)، حيث يرى أن الديمقراطية الحقيقية هي التي تأتي نتيجة التعبير عن الإرادة العامة الحقيقية في اختيار السلطة وليست نتيجة الإرادة العامة وحسب، لأنها قد تكون إرادة الأغلبية "الدهماء" (غير الواعية).( عساف: 109)
وقد أكد المؤرخون والفلاسفة اليونان من هيرودوت وحتى أرسطو على هذا الأمر وقد لاحظوا أن جميع الأنظمة بما فيها النظام الديمقراطي يمكن أن تكون صالحة ويمكن أن تكون طالحة، وإن النظام الديمقراطي يكون طالحاً إذا ما كانت السلطة التي يفرزها هذا النظام قد جاءت نتيجة اختيارات ما أسماها "روسو" (بالدهماء) أو فئات الرعاع من المجتمع، ويصير صالحاً إذا ما عبّر عن الإرادة العامة العاقلة أو الواعية وصارت روح الشعب الواعية هي التي توجه السلطة وتحكم سياساتها.(عساف:109-114)
وخلاصة القول كما يقول "ثومبسون وزملاؤه" أن استمرار وبقاء نمط الحياة في المجتمع يعتمد على العلاقة التبادلية والتساندية بين ما يسمونها بالتحيزات الثقافية، أي "أنظمة القيم" والعلاقات الاجتماعية التي يتكون منها نمط الحياة ، (ثومبسون وآخرون:11).
لقد ساهم التطور التقني في تغيير طبيعة العمل وطبيعة العلاقات الداخلية والخارجية للمنظمات، وساند عملية التحول الثقافي فيها، مما سمح بإضعاف الثقافة التقليدية ومصادر دعمها، والتحول عن نماذج الإدارة التقليدية ضمن عملية تطور تصاعدية لا أعتقد أنها ستنتهي إلا بالوصول إلى ما أسميناه بنموذج "التفوق الإداري".
يمكن تلمس هذه النتيجة بقدر واضح عند متابعة التطورات التي شهدتها فلسفة الإدارة وتوافقاتها مع الفلسفة العامة في المنظمة أو في المجتمع، وإنه يمكننا رصد مثل هذه التوافقات بمتابعة النماذج الأساسية في هذا المجال وصولاً إلى نموذج التفوق الإداري المأمول.

5 - النموذج الليبرالي (L) والتوافقات الثقافية:
لقد كانت المجتمعات الغربية في مرحلة ما قبل الثورة الصناعية وبخاصة ما قبل الثورتين الفرنسية والأمريكية في نهايات القرن الثامن عشر، تخضع لأنظمة الحكم المطلق، ولم يكن يوجد بعد أي منظمات ذات طبيعة بيروقراطية (كبيرة ومعقدة) سوى منظمة الدولة. وقد ترتب على الحكم المطلق أن هيمنت السلطة المركزية على مقدرات الدولة وسخرتها في الغالب لمصلحتها ومصلحة النخبة الحاكمة، مما جعل نمط الإدارة يتسم بالمركزية والاستبداد على مستوى المركز وبالخضوع والانصياع على مستوى أفراد المجتمع، وقد صاحب ذلك انتشار الفساد الإداري والسياسي، وإلى المدى الذي أدى في النهاية إلى حدوث الثورات التي كانت تهدف إلى التخلص من هذه الأوضاع، وبناء نظام جديد يقوم على قاعدة قيمة "الحرية" التي برزت كقيمة عليا في هذه المجتمعات، وذلك كردة فعل على قيم التسلط والاستبداد السابقة وكبديل لها. إن عمق المرارة التي تجرعها الشعب في مرحلة الحكم المطلق هو الذي جعل قيمة الحرية تقفز على رأس اختيارات المرحلة السياسية الجديدة ظناً من رواد الثورة، أن ذلك هو الضمانة التي تحول دون العودة إلى مثل هذه الحالة لاحقاً.
وعلى الرغم من تمجيد قيمة الحرية وربطها بأسلوب الحكم الديمقراطي، إلا أن البنية العامة للسلطة السياسية في المجتمعات الغربية ظلت ذات طبيعة نخبوية أرسطوقراطية، نظراً لهيمنة هذه النخب على الأوضاع الاقتصادية، مما مكنها أن تقود عمليات الانتخاب والتمثيل السياسية، وتسيطر في الشارع السياسي، وتتمكن من القفز إلى مراكز السلطة تحت مظلة الاختيارات الديمقراطية، وهي في الغالب اختيارات خاضعة في معظمها لمشيئة فئات الدهماء ذات الاغلبية والتي يسهل انجرافها والتحكم فيها من خلال مراكز النفوذ والهيمنة الاقتصادية التي كان يسيطر عليها البرجوازيون إبان الثورة الفرنسية والأمريكية، وأصبح يسيطر عليها الرأسماليون في المرحلة المعاصرة. ترتب على هذه التطورات "الديمقراطية" على المستوى السياسي تطورات مناظرة على المستوى الإداري، حيث تم بروز النظريات والمساهمات التقليدية التي أصبحت تركز على قاعدة الكفاية Sufficiency وبخاصة في مساهمات تيلور وتجاربه في الوقت والحركة ولدى "ماكس فيبر" ودعوته لبناء نموذج البيروقراطية على مستوى منظمات الدولة والمجتمع.
إن التحول في هذه المرحلة نحو قيمة الحرية بمضمونها المعاصر لم يكن تحولاً شاملاً ولا فجائياً دراماتيكياً كما يبدو وللوهلة الأولى، ولعل التحول نحو مرحلة الكفاية أولاً ثم إلى مرحلة الكفاءة يمثل أهم مؤشر على أن عملية التحول في هذه المجتمعات قد تمت بصورة تدريجية. فالحرية في مرحلة الكفاية ظلت محكومة بسلطة أرسطوقراطية عائلية كما الحال في النموذج الأوروبي، وبخاصة النموذج البريطاني طوال العقود التي أعقبت الثورة الصناعية وحتى مرحلة أواسط القرن العشرين المنصرم، حيث كانت السلطـة العليا على مستوى الدولة وكذلك على مستوى المنظمات الكبرى متمركزة بأيدي أبناء العائلات التي أسست هذه المنظمات فأمسكت بالقوة الاقتصادية وبالتالي بالقوة السياسية، والذين كانوا بدورهم يفرضون منهجيتهم على جميع العاملين معهم بصورة تبرز فيها الروح الأرسطوقراطية بأوضح أشكالها.
ويقول في ذلك "ألفريد تشاندر" أحد علماء تاريخ الإدارة "لقد ظلت العمليات الإدارية في أغلب الشركات البريطانية الكبرى حتى الحرب العالمية الثانية في أيدي الرأسمالية العائلية، وعندما توسعت هذه الشركات في الخارج استمرت السيطرة العائلية ومن خلال صلة القربى أو الثقة الشخصية إلى حد كبير"، (بارتلت وجوشال:15)
ولم تختلف البنية العامة للسلطة السياسية في المجتمع اختلافاً كبيراً عن هذا النموذج الأرسطوقراطي العائلي، بل يمكن بالنظرة التجريدية الفاحصة أن يجد الباحث تطابقاً ملحوظاً، حيث كانت السلطة السياسية هي سلطة ذات طبيعة نخبوية أرسطوقراطية أيضاً. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإننا يمكن أن نستنتج نموذجاً قريباً في جوهره مختلفاً في شكله عن النموذج البريطاني، حيث يلاحظ أن الهيمنة كانت لما يمكن تسميتها "بالسلطة" الأرسطوقراطية الدستورية على مستوى المجتمع، والأرسطوقراطية القانونية على مستوى المنظمات، مع استمرار وضوح البناءات العائلية في كثير منها بدرجة أو بأخرى. إلا أنها بناءات كانت أكثر حرصاً ووعياً بضرورة تشكيل ما يمكن تسميتها "طبقة حكم مشترك" تجمع بين أهل الثقة سواء كانوا من أبناء العائلات المالكة للمنظمات، أو من المديرين المتخصصين، الأمر الذي أسرع بوجود طبقة إدارية جديدة، إلا أنها كانت في طريقتها الإدارية متمسكة بالروح الأرسطوقراطية القائمة على الترفع والسيطرة التي مثلتها السلطة السياسية، (بارتلت وجوشال:69).
وهذا ما يؤكده أيضاً (مور، مور:16) حيث يقولا "لقد كانت البيروقراطية انعكاساً لمجتمع يتميز إلى حد كبير بتحكم الطبقة الاجتماعية للفرد في عمله وحياته، وإذا كان لبعض الأفراد الحق في تولي السلطة دونما غيرهم فمن الطبيعي أن تكون المنظمات على نفس الوتيرة".
وعندما تم التحول الإداري نحو فلسفة الكفاءة لم يكن التحول في حقيقته نوعياً تماماً، ولم يشترط في تقديرنا تحولات نوعية في فلسفة المنظمة أو فلسفة المجتمع ذات الطبيعة الأرسطوقراطية والعائلية، وإن اشترط تحولات نسبية. فالفلسفة العامة السياسية (فلسفة السلطة) في هذه المجتمعات قد ظلت هي فلسفة الحرية، إلا أن ذلك قد اقترن إلى حد ملموس بحدوث توسع على المستوى السياسي في مساحة الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وحدوث تحولات نسبية في فكر السلطة الحاكمة عن المنهج الأرسطوقراطي لتعزيز مبادئ الديمقراطية الإدارية، مثلما صار التوجه لتعزيز مبادئ الديمقراطية السياسية والاجتماعية ملموساً ومطلوباً. ويقول (مور، ومور:16) لقد أصبح في الثلث الثاني من القرن العشرين كثير من العاملين يدرسون التعارض بين النظام الاجتماعي الذي يؤكد بعض المبادئ الديمقراطية كمبدأ التعليم للجميع، واستقلالية الفرد… وبين الهيكل التنظيمي الذي يؤكد التسلسل الهرمي. كذلك الأمر بالنسبة للفلسفة الاقتصادية التي كانت وظلت خلال مرحلتي الكفاية والكفاءة متمركزة حول ما يمكن تسميتها الرأسمالية الفردية، والميل إلى الاستهلاك والرفاه الآني، مع بعض الاختلاف النسبي، حيث كانت الرأسمالية تبدو في مرحلة الكفاية أكثر احتكارية، منها في مرحلة الكفاءة التي وسعت حالة المنافسة، وجعلت من قيمة المنافسة قيمة عليا في حياة المنظمات والأفراد وأصبحت تبرز مع قيمة الحرية كأنهما وجهان لعملة واحدة.
وهذا ما يمكن تلمسه بالنسبة للفلسفة الاجتماعية أيضاً حيث ظل التركيز مستمراً على تجسيد روح الفرد، إلا أنه في هذه المرحلة يؤدي إلى رد الاعتبار لهذه الروح المحاصرة بسطوة السلطة ومصالحها، وروحها الأرسطوقراطية، وبالقوانين والتعليمات الحرفية التي ظلت سائدة في مرحلة الكفاية. وقد تم العمل على إطلاقها وفك حصارها إلى حد كبير في مرحلة الكفاءة حيث ابتدأ التحول إلى الحديث عن روح القانون بدلاً من حرفيته، وإلى النهج الديمقراطي بدلاً من الهيمنة الأرسطوقراطية، وبالطبع فإن هذا لا يعني الانتقال إلى مرحلة الحرية انتقالاً شاملاً وكلياً على مستوى المجتمع أو المنظمة، بل إن الخروقات الاجتماعية لم تزل قائمة وملموسة في ظل استمرار الاضطهاد والمحاصرة للأقليات بدرجة أو بأخرى، وبشكل أو بآخر، كما أن الخروقات الإدارية على مستوى المنظمات لم تزل واسعة، ويعبر عن ذلك "بري باسكرلا" بالقول "إن أحد الضمانات التي نعتز بها في أمريكا بشكل كبير هي حق كل شخص في الإفصاح عما يدور في خلده"، ولكن حتى الآن لا يزال هذا الحق مسلوباً عند بوابة المصنع، (مور ، مور:17).
وبناءً على كل ذلك، وفي ظل تعاظم الضغط لبناء نموذج إدارة الجودة الشاملة ونموذج التفوق أو نموذج الفعالية، يصبح من الملائم أن نتساءل عن أهمية التحولات التي ينبغي إحداثها في طبيعة الثقافة العامة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية السائدة والمتوافقة مع فلسفة الكفاءة حتى يتم تطويرها وبناء الثقافة التي تتوافق مع فلسفة هذا النموذج أو فلسفة الفعالية. وهنا، يستطيع المتبصر أو الباحث أن يدرك بأنه لا بد للمجتمع الراغب في بناء فلسفة نوعية جديدة في منظماته ونماذج الإدارة السائدة فيه أن يحدث تغييراً ثقافياً عاماً على مستوى السلطة والمجتمع، وأن يتبنى فلسفة عامة جديدة متوافقة في حقيقتها الجوهرية مع ذلك.

6 - النموذج الياباني والتوافقات الثقافية:
ابتدأت التجربة اليابانية انطلاقتها منذ أواسط الستينات من القرن التاسع عشر على يد حكومة "ميجي"، وقد كان المجتمع قبلها مجتمعاً مفككاً جغرافياً ومبعثراً في آلاف الجزر، ومتصارعاً اجتماعياً ويعيش حروباً داخلية بين طبقة الساموراي التي كانت تمثل الطبقة العليا في المجتمع، وفئات المجتمع الأخرى، كما كان ضعيفاً وفقيراً من الناحية الاقتصادية، وبخاصة في ظل افتقار الخارطة اليابانية للموارد والثروات الطبيعية، إلا أن روح التحدي التي وجدت لدى السلطة الجديدة قد كانت أقوى في إخلاصها ووعيها من جميع هذه التحديات.
لقد بدأت التجربة بالبحث عن هوية فلسفية تضمن حشد جميع القوى والطاقات في اليابان وتوجيهها لخدمة توحيد اليابان وبناء قوتها وقواعد نهوضها. وكما يبدو لنا فإن رجل السلطة كان مثقفاً مطلعاً وذو بصيرة استراتيجية فذة تصل في مستواها بالتقدير الحقيقي والموضوعي لها إلى درجات الإعجاز. وكان من أهم ما توصل إليه أنه استشعر حقيقة القيم ومكانتها في حياة المجتمعات وأنها هي القوة المحركة الأساسية فيها، كما أنه أدرك أنه لا يمكن لليابان أن تحتذي حذو الدول الليبرالية الغربية في اختيار قيمة الحرية كقيمة عليا ومحورية تحتكم إليها وتلتف حولها منظومة القيمة الأخرى وتبنى على أساسها الفلسفة العامة للدول والمجتمع، فالدول الليبرالية تتقدم على اليابان بمئات السنين، وأنها استطاعت أن تبني الثورة الصناعية، وبالتالي فإن إرادة التقدم الهادفة إلى اللحاق بهذه الدول، وإنهاء فجوة التخلف التي تفصل اليابان عنها، يفرض ضرورة بناء استراتيجية التحرك واختياراته بالاستناد إلى منظومة قيمية (فلسفة) مختلفة، لأن البديهية العملية تقول إذا أردت أن تلحق بخصمك وتتفوق عليه، عليك أن تبحث عن مقومات وآليات تكون مختلفة عما لديه، وأن تكون أعلى قوة وقدرة على تحقيق النصر.
لقد اهتدى رجل السلطة في اليابان وبصورة عبقرية إلى قيمة المساواة الاجتماعية، وركز اختياره الرئيسي حولها لتكون هي القيمة الجوهرية العليا التي ينبغي إعادة بناء نظام العلاقات العمودية والأفقية داخل اليابان على أساسها، ولتكون القيمة القادرة على حشد الطاقة العامة للمجتمع وتوحيدها من أجل الوصول إلى غايات التنمية والتقدم العليا، وإلى اللحاق بالمجتمعات الليبرالية التي تحتكم إلى قيمة الحرية وإلى طاقة الأفراد فيها. كما اهتدى إلى قيمة التعاون لتكون هي القيمة العليا التي تحكم العلاقات الوظيفية أو علاقات العمل داخل المنظمات وتضمن الانسجام والتوافق مع قيمة المساواة ومع هدف حشد الطاقة العامة. وذلك على عكس وخلاف قيمة المنافسة أو الصراع التي ترتبط بقيمة الحرية في النموذج الليبرالي، وقد اعتبر أن التوافق بين هذه القيم وانتظامها في منظومة موحدة ومتكاملة يمثل الأساس الذي يتم على ضوئه تحديد النموذج السياسي والإداري والاقتصادي.. الذي يستطيع أن يحقق الانطلاقة المأمولة.(*) وأنه يمكننا أن نتلمس أبعاد هذه التوافقات بصورة أوثق من خلال المتابعة المقارنة بين النموذجين (L) الليبرالي و(J) الياباني.

7 - النموذج الليبرالي والنموذج الياباني (مقارنات ومفارقات):
تكشف المتابعة الموضوعية لهذين النموذجين اللذين فرضا هيمنتهما على حركة الحضارة المعاصرة عن حقيقة التوافقات الثقافية داخل كل نموذج منها، في الوقت الذي تكشف عن مفارقات عميقة عن مقارنة كل منهما مع الآخر، وقد انعكست هذه المفارقات بصورة واضحة على مسارات المنافسة والصراع المحتدم بينهما ونتائجه و يمكن استعراض ذلك في اطار المعالجات التالية.

7 – 1 - مفارقات الفلسفة ومحاورها:
تستغرق معظم الدراسات التي أولت اهتماماً بطبيعة النموذج الإداري الليبرالي، وبخاصة النموذج الأمريكي، وأسباب ضعفه في عملية المنافسة أمام النموذج الياباني في تفاصيل هذه الأنظمة ومفارقاتها مما جعلها تنزلق إلى دراسة الفروع بدلاً من الأصول، أو دراسة المظاهر أو النتائج بدلاً من العلل والأسباب، الأمر الذي أدى إلى إضفاء قدر واسع من الغموض على عمليات التحليل، وأدخل الجميع في متاهة مضللة إلى حد كبير. وللخروج من هذه المتاهة فإننا ندعو إلى ضرورة إدراك أن قوة وتماسك أي مجتمع أو أي منظمة تعتمد على طبيعة الفلسفة العامة التي يقوم عليها، ومنظومة القيم التي تتشكل على أساسها هذه الفلسفة، وبخاصة القيمة الجوهرية فيها، هذه القيمة التي تحتكم إليها بقية القيم الأخرى وتلتف حولها، فكلما كانت هذه القيم قادرة على حشد القوة أو الطاقة العامة للمجتمع ومنظماته كلما أمكن الانتقال نحو الغايات الأساسية وتحقيقها، والعكس بالعكس، وبالتالي فإن المدخل الرئيس لبحث أي مفارقات بين النموذجين الأمريكي والياباني، وعقد مقارنات بينهما، هو المدخل الفلسفي، فالفروق والتمايزات هي بالدرجة الأولى فروق وتمايزات فلسفية، وتشمل جميع مكونات المنظومة الفلسفية في الدولة، والمجتمع، والمنظمات، والإدارة.
لقد احتكم النظام الثقافي والحضاري الغربي، وبخاصة النظام الأمريكي منذ الثورة الأمريكية، إلى قيمة عليا ومحورية أضفت عليه خصوصيته، وأصبحت جميع الحياة والتنظيمات على جميع المستويات، وفي جميع المجالات، تتلون بلونها وهي قيمة الحرية، وبذلك أصبحت الفلسفة العامة هي فلسفة الحرية وأصبح النظام العام للدولة والمجتمع هو نظام الحرية "النظام الليبرالي"، وذلك على خلاف الوضع في النظام الياباني الذي تمكن من بناء منظومة قيمية عامة تقوم على قيمة المساواة الاجتماعية والتعاون والتوحد الاجتماعي من أجل بناء القوة وتحقيق النصر، وأصبحت الفلسفة العامة هي فلسفة المساواة والتعاون والوحدة. فالمجتمع الياباني المعاصر كما يقول (رايشاور:225) يؤمن إيماناً شديداً بالمساواة التي تبدو واضحة في معظم المجالات، وقد ابتدأ كسر نموذج عدم المساواة في عصر "ميجي"، وكان تحقيقه ضرباً من الإعجاز، وإنه يمكن القول بأن تأكيد اليابانيين على الشخصية الجماعية، وتوافر إرادة سياسية مخلصة لجميع الشعب، قد أدى إلى زوال الشعور بالتمايز اجتماعياً وسياسياً، وقد تم تعزيز ذلك من خلال نظام التعليم العام الذي يضمن تعليماً متماثلاً للجميع دونما تمييز إطلاقاً. ويستطيع الملاحظ أن يرى أن اليابانيين جميعاً لا يحددون هويتهم على أساس طبقي أو اجتماعي (عائلي …الخ)، وقد أبرزت دراسات اقتصادية أن اليابان هي أقل الدول الصناعية التي تتسع فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
أدى العمل بفلسفة الحرية في النظام الأمريكي إلى تعميم هذه القيمة في جميع المنظمات الوطنية، وأصبح النموذج الإداري الليبرالي محكوماً بهذه الفلسفة وتم التركيز فيه على قيمتي الكفاية والكفاءة. مما انعكس بصورة مباشرة على جميع التراتيب التنظيمية والإدارية التي يقوم عليها النموذج، وذلك توكيداً لبديهية التجانس بين ثقافة المنظمات والثقافة المجتمعية المحيطة.
كذلك الأمر بالنسبة للمنظومة الفلسفية العامة اليابانية التي تمت ترجمتها على مستوى الدولة والمجتمع بمعظم فئاته ومنظماته، كما تم تصميم النموذج الإداري الياباني بجميع تراتيبه الإدارية والتنظيمية بما يتفق ويتطابق مع هذه الفلسفة، ويعمل على توكيدها، والمحافظة عليها، باعتبارها الأساس الذي يميز هذا النموذج، ويضمن اتساقه، وفيما يلي بيان بأهم النتائج التي تترتب على كل نموذج ،وبأبرز المفارقات بينهما، وملامح مأزق النموذج الليبرالي الأمريكي:
1- إن الفرد هو محور التركيز في حياة المجتمع الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام، وكذلك في حياة المنظمات الوطنية العاملة، بينما تبرز الجماعة في المجتمع الياباني كمحور للتركيز وكوحدة للتحليل الأساسية فيه، وكما يقول (ثارو:300،359) فإن مصدر قوة اليابان يكمن في ثقافتها الداخلية المتماسكة القوية والقادرة على صهر جميع الأفراد مديرين ومهنيين في فريق متجانس، أما في الولايات المتحدة فإن المجتمع لا يهلل إلا للفرد "الصائد" المنفرد "رامبو"، ويقول يمكنك ببساطة أن تلاحظ في أمريكا أن عديد من القاعات ترفع وتخلد أسماء أفراد تفوقوا في مجالات النشاط، ولكنك لا تستطيع أن ترى في أي مكان إشادة بعمل أنجزه فريق متكامل"، وهذا ما يؤكده "جورج لودج" أستاذ الإدارة بجامعة هارفرد بقوله "أصبح الشكل الفردي الأنجلوساكسوني يواجه الصورة الرأسمالية الألمانية واليابانية التي تركز على القيم المجتمعية". ويقول (رايشاور:181-195) "اليابانيون في معظم الأحوال يقومون بأعمالهم –أكثر من الغربيين- في مجموعات، ويدركون أنهم يعملون بهذا الأسلوب الجماعي، بينما نجد الغربيين يؤكدون على الاستقلال والفردية… وقد أضفوا على مفهوم الفرد المستقل صفة الكمال، قبل الله والقانون، والمجتمع… إن انتساب الفرد للفريق أو للجماعة من أهم الأمور في اليابان، وأن حب اليابانيين لتأكيد انتمائهم للجماعة قد يفوق الواقع نفسه…" والمثل الأكثر شيوعاً في المجتمع الياباني "الظفر الذي يخرج من الإصبع يسقط على الأرض". أدى هذا التوجه الجماعي، في اليابان إلى تكريس الحياة التعاونية بين الجماعات والمنظمات، أما في الغرب فقد بلغ تيار الفردية درجة من التطرف الذي أصبحت الحياة المدنية نتيجة له، موحشة تتسم بالانعزالية. في ظل هذه المفارقة الأساسية، ألا يجد النموذج الغربي (الأمريكي) نفسه أمام مأزق لا يسهل التغلب عليه، وهو يتحدث عن اشتراطات إدارة الجودة الشاملة أو إدارة التفوق، التي تفترض الجماعية وتتنافى مع الفردية؟؟
2- إن القيم المحورية التي تحكم علاقات المنظمات الداخلية أو الخارجية في المجتمع الأمريكي، هي قيم الصراع والمنافسة، وأن البقاء للأقوى أو للأصلح، الأمر الذي لا يسمح بتكوين فرق عمل أو بناء روح عمل جماعي أو تعاوني في هذا النموذج، وكما يقول (ثارو:56) "لا يعتبر العمال أعضاء في فريق في المنظمات الأمريكية، لأن علاقات الخصومة بين العمال، وبين العمال والإدارة، جزء من النظام"، أما في اليابان فإن النموذج يتميز بسيادة قيم المشاركة وروح الفريق على مستوى العلاقات الداخلية في كل منظمة، وقيم وحدة الفريق على مستوى العلاقات الداخلية في كل منظمة، وقيم وحدة الاتجاه والمصلحة العامة المشتركة على مستوى العلاقات بين المنظمات الوطنية والأفراد في المجتمع، وأن قيمة المنافسة والصراع ممنوعة بل ومحرمة إلا في علاقات اليابانيين مع المنظمات والمجتمعات غير اليابانية، ويبرز ذلك (19:Shin Ichi & Arthur) بقولهما إن اليابان لا تشهد أي صراعات بين الجماعات الاجتماعية ولا بين المنظمات.
ويقول (ثارو:145) "إن المنظمات التي تعمل بفعالية لتوفير الأمن، وتعزيز تضامن الفريق، تحصل على مستخدمين أكثر توجهاً نحو مركز نشاطهم، وأكثر استعداداً وتأهباً لمضاعفة الجهد لخدمة أهداف المنظمة، وأكثر استعداداً للتضحية بمصالح ذاتية من أجل تحقيق مصالح المنظمة التي تنعكس على مصالحه في النهاية".
ينعكس هذا الواقع على تأصيل المفارقة السابقة، وتعميق الفردية في النموذج الليبرالي الغربي، والجماعية في النموذج الياباني، وكما يقول (برايبروك:118) "إن التنافس في البحث عن وظائف وأعمال وامتيازات، أو التنافس للحفاظ عليها، أو التنافس حول بعض المصالح الأخرى، ستدفع غالباً إلى التضحية باعتبارات الصداقة". ويقول (برايبروك:79) لقد فشلت المنافسة أن تتوافق مع المثل الأعلى الوثني لمفهوم المجتمع باعتباره مجموعة من الأصدقاء، أو المثل الأعلى المسيحي القائم على مبدأ الأخوة أو الزمالة الروحية بين الناس. يؤدي هذا كما يقول: "أوجست كونت"، إلى انتفاء الشرط الوظيفي لأي مجتمع ممثلاً في إجماع أفراده على نظام للقيم يضمن ترابطه وتماسكه، أما الأفكار المتنافسة أو المتصارعة بين الناس فلا تؤدي إلا إلى انهيار هذا المجتمع، وهذا ما دعى إليه "بارسونز" بمطالبته بضرورة وجود نظام عام مشترك للقيم، وأن الوحيد الذي يفسد التوازن الاجتماعي هو الفرد المنحرف الذي لديه ميل للتصرف على نحو يتنافى مع واحد أو أكثر من الأنماط المعيارية المؤسسية، (ثومبسون وآخرون:229).
3- إن النموذج الليبرالي الأمريكي يعاني من ضعف الالتزام العام، وعلى جميع مستويات العاملين، بأهداف المنظمات أو المجتمع، وسياساتها، وغالباً ما يلجأ الإداريون إلى فرض الالزام بدلاً من ذلك لضمان الحدود الدنيا من دورات عجلة الحياة، وتبقى جميع العمليات خاضعة لمبادرات الأفراد التي لا يمكن لأحد التكهن بمواقيتها ولا اتجاهاتها، وذلك على خلاف الوضع في النموذج الياباني الذي تؤكد تقاليد العمل فيه، وقواعد الفلسفة العامة ضرورة التزام العاملين الصارم، التزاماً قائماً على الرضى، حتى ولو كان لدى أحدهم وجهة نظر مختلفة عما ينتهي إليه الحوار والمناقشة، فإنه يتنازل عن وجهة نظره وينخرط في إطار القطيع.
يشير إلى أهمية ذلك (بارتلت وجوشال:102) في حديثهما عن أسس بناء نموذج الشركات العالمية عابرة الحدود بقولهما، إن على الشركات عابرة الحدود أن تحتفظ بروح معنوية عالية لموظفيها، وأن تخلق إحساساً بالتوحد على جميع مستوياتها، وأن تتحرك لما هو أبعد من إعادة بناء الأصول وإعادة صناعة العمليات الإدارية، وأن القيادة الإدارية مطالبة أن تتأكد من الالتزام الفردي لكل شخص بجدول أعمالها كي يضمن ما يسميانه (بالاختيار المشترك)، وهذا ما يفوق في آثاره وقوته ما يحدثه أي بناء أو نظام مهما كان معقداً. ولإنماء هذا الالتزام يجب أن يفهم كل فرد أهداف الشركة وقيمها ويشارك فيها، وأن تكون جزءاً داخلياً من تكوينه.
ويقارن (3:Shin-Ichi & Arthur) هذه الوضعية بين النموذجين الياباني والأمريكي بقولهما أن الترابط والالتزام هو الذي يميز علاقة العاملين في المنظمة في اليابان بينما لا يبدو ذلك ملحوظاً في الولايات المتحدة.
4- يتركز هدف المنظمات في المجتمع الانجلوساكسوني حول تعظيم الأرباح، ويمكن تسميتها بفلسفة "حصاد الموسم الحالي"، بينما يتركز هدف المنظمات اليابانية حول "بناء الإمبراطوريات" وتساندها في ذلك نظرة المجتمع وتطلعاته لما يمكن تسميته (حصاد المستقبل)، ويعتبر اليابانيون أن هذا يمثل سراً مهماً من أسرار الضعف الأمريكي ومصدر قوة لهم، وهذا ما يؤكده (ثارو:145) بقوله: إن المنظمات اليابانية تشعر أنها تسعى، ولو كانت صغيرة لبناء إمبراطورية، وأن الفلسفة الأساسية التي تقود كلاً منها هي بناء المجموعات الاجتماعية التي تصبح مجموعات إنتاجية وتمكنها أن تكون من المنظمات رقم (1) في العالم، وذلك على خلاف المنظمات الانجلوساكسونية التي يتركز هدفها في تعظيم ثروة حملة الأسهم، وتنكر بذلك صراحة شرعية المجموعة، ولا تعتد إلا بالرأسماليين الأفراد، وأن بقية العاملين منهم مجرد عوامل إنتاج مستأجرة، ويقول: إنه بقدر ما تتعمق هذه النظرة لأي مسؤول بقدر ما يعلن ضمناً أن مستخدميه ليسوا ضمن فريقه، وقد أكدت حوادث التاريخ أن الجنود الذين يستأجرون للقتال ينهزمون أمام الجنود الذين يؤمنون بما يحاربون من أجله.
يلتحم هذا التوحد في الاتجاه لدى المنظمات اليابانية باعتباره فلسفة منظمات مع الفلسفة العامة للمجتمع الذين يتميز بوعيه الجيد لدوره في دعم اقتصاده ومنظماته وحمايتها، وفي هذا يقول (ثارو:138) إن أسعار المنتجات اليابانية في أمريكا يقل 86% عنها في سوق اليابان، ومن الناحية النظرية يتحقق كسب كبير من شراء هذه المنتجات في أمريكا وإعادة بيعها في اليابان، ومع ذلك لا أحد في اليابان يفكر في فرص الربح الهائل هذا، لأنهم يعلمون أنها سياسة بلادهم للاختراق، أما الأجانب الذين يحاولون فإنهم يفشلون.
يؤكد ذلك (جون كرون) المسؤول التنفيذي في شركة (IBM) الأمريكية بقوله "إن الموظف العادي في الشركة لا يعرف أسباب وجود شركته لأن الشركة توجد لتحقيق أكبر عائد للمساهمين على استثماراتهم، بينما في اليابان يتقدم المستخدمون أولاً ثم المستهلكون ثانياً، ثم المساهمون الذين لا يهمهم إلا هدف (مزيد من النمو وطول العمر)،(ثارو:160). ويقول (ثارو) إنه لا يمكن أن يتحقق ذلك في اليابان لولا مجموعات الأعمال (مجموعات المنظمات) المسماة "الكايريتسو" التي تؤمن بفلسفة بناء المستقبل، وهي التي تمتلك النسبة العظمى من المنظمات (أكثر من 78%)، وتعمل على شراء حصة أي مساهم نافذ الصبر، ولا تسمح بشرائها من قبل الأجانب، ويعوضون مزاياهم ليس عن طريق تعظيم الأرباح، بل بالمعاملات التفضيلية التي يعطونها لبعضهم في التوريد والمناقصات، (ثارو:159).
وخلاصة القول كما يقول (ثارو:177) سيوضح التاريخ في الأجل الطويل أي نموذج أصوب، حيث أصبحت مؤسسات "تعظيم الربح وجهاً لوجه أمام مؤسسات "بناء الإمبراطوريات" فالرأسمالية الفردية تواجه الرأسمالية المجتمعية، وفي النهاية فإن الفائزين سيرغمون الخاسرين على التغيير وممارسة اللعب بموجب قواعدهم".
5- تؤدي الفلسفة العامة في المجتمع إلى فلسفة اقتصادية هي فلسفة تعظيم الاستهلاك في المجتمع الأمريكي، بينما تؤدي إلى فلسفة تعظيم الادخار والاستثمار في المجتمع الياباني، ويبدو ذلك واضحاً في أن نسبة الأرباح الموزعة في أمريكا تصل إلى 82% بينما لا يوزع اليابانيون إلا في حدود 30% مع إعادة استثمار النسب الأخرى. وكما يقول "توفلر" إن السذج من المستثمرين هم الذين ينظرون إلى أرباح الشركة لتقييم سلامة مركزها، وعلى حد تعبير مجلة "فورنشن" فإن الأرباح شانها شأن المقانق التي يقدرها ويستمتع بمذاقها أولئك الأقل معرفة بما يدخل فيها"، (توفلر:364). كذلك لوحظ أن اليابانيين قد استثمروا في الثمانينات حوالي 35.6% من الناتج القومي الإجمالي بينما استثمر الأمريكان حوالي 17% فقط (ثارو:149). ويقول (ثارو:149) إن اليابانيين سيدخرون أقل كثيراً لو أخذوا بالفلسفة الأمريكية وعاشوا في النظام الأمريكي، بينما سيدخر الأمريكيون أكثر كثيراً لو طبقوا النموذج الياباني الذي يتميز بشروط الادخار الإجباري.
ويتحدث (ثارو:150) عن تعمق هذه الفلسفة في المجتمع الياباني بقوله "بينما تخفض اليابان الاستهلاك الفردي كثيراً مقارنة مع أمريكا فإنه لا يقع فيها عصيان سياسي يطالب بتغيير النظام، والياباني على دراية بما يجري، وما كان يمكن تقبل هذا الوضع إلا إذا وجدت لدى المواطن أهداف أعظم من مجرد تعظيم الاستهلاك… إنهم يفقرون الحاضر ويثرون المستقبل، بينما يثري الأمريكان الحاضر على حساب الاقتراض من المستقبل" وهذا يوضحه صاحب كتاب الإفلاس الذي بين كما أسلفنا أن حجم الديون الأمريكية تتنامى تصاعدياً ووصلت مع أوائل التسعينات إلى حوالي (4 ترليون دولار).
6- تتحدث الفلسفة العامة في النموذج الياباني، عن توحد الاتجاه وترابط الأهداف على جميع المستويات في اليابان، وهذا ما يبرز واضحاً في رسالة جميع المنظمات اليابانية وفلسفاتها، حيث تحرص جميعها على المشاركة في خدمة المجتمع. كما تحرص جميعها على التعامل مع القيم العليا في خيالات اليابانيين وتعمل على استثمار هذه الخيالات في حشد الطاقة العامة وراءها، وكما يقول (ثارو:139) فإن سر النجاح الياباني يكمن في استغلال المنظمات اليابانية لرغبة بشرية عامة في الانتماء لإمبراطورية، وفي غزو الإمبراطوريات المجاورة، وأن يصبح البلد قوة اقتصادية رئيسية في العالم… وهكذا نجد أن المواطنين اليابانيين عندما ينضمون إلى منظمات الأعمال يتطلعون إلى بعض العوامل والأهداف التي ينشدونها عندما ينضمون إلى الجيش، وهذا ما يساعد النموذج الياباني على إدراك وبلوغ الحكمة العاقلة التي يمكنها كما يقول (راسل:50) من إدراك المبدأ الكامن وراء الأشياء، وتتمثل الحكمة في انسجام الأضداد وفي إدراك الصيغة الكامنة المشتركة بين الأشياء جميعاً والالتزام بهذه الصيغة باعتبارها قوانين أساسية. وبمقارنة هذا الوضع في الولايات المتحدة تبدو المفارقات الأساسية حيث كما يقول (برايبروك:45) فإن بعض الأشياء الغالية في حياة الناس، كالحب والصداقة، والزهو، وهدوء البال… عرضة لأن يضحي بها الإنسان تحت ضغط المنافسة التي لا ترحم، وكما يقول "فرانك نايت" إن فلسفة المنافسة الغربية في عالم المال والأعمال تظل عاجزة عن تحقيق هذه الأشياء الطيبة والثمينة. وكما يقول "أوجست كونت" فإن الأزمات الأخلاقية الكبرى التي تشهدها بعض المجتمعات يعود إلى غياب الاتفاق الضروري على المبادئ الأساسية، وكما تقول (Douglas) إن عجز الجماعات والمنظمات عن استغراق حياة الأفراد ودعمها سوف يعطي معدل ارتباط منخفض بها، كما يضعف ترابطات هذه الجماعات والمنظمات بالمجتمع المحيط بها ويفقدها دعمه ومساندته، وهذا ما يعكس بمجمله عمق الأزمة في النموذج الأمريكي باعتبارها أزمة فلسفة وثقافة بالدرجة الأولى. (ثومبسون وآخرون)
7- إن الحكومة في المجتمع الليبرالي الأمريكي لا تتدخل في حياة الأفراد أو المنظمات التي تمثل في مجموعها القطاع الخاص، وتعمل من خلال قاعدة "دعه يعمل دعه يمر" وعلى الحكومة أن تحجم كلما أقدم القطاع الخاص، وتترك المجال مفتوحاً لمبادراته، ولا تتدخل إلا بالقدر الذي يحفظ التوازن العام للوظيفة التقليدية للدولة، وذلك على خلاف الوضع في النموذج الياباني حيث تحتفظ الدولة بأدوار استراتيجية في عملية التنمية والبناء الوطني. ويشير إلى أهمية وخطورة ذلك (ثارو:170) بقوله: أن للحكومة دوراً مهماً في تعجيل النمو الاقتصادي بزيادة الاستثمارات في المجالات الصناعية ومجالات البحث والتطوير وغيرها لأن الشركات المتعاملة مع السوق تركز على الحاضر غالباً، ولكن الحكومات هي التي تفكر تفكيراً مستقبلياً، وتربط بين الحاضر والمستقبل، وتشجع تحريك المؤسسات بوتائر أسرع مما يمكن أن تفعل لو كانت حركاتها منفردة، فبنك التنمية الياباني كان يقوم بتمويل المؤسسات ودعمها في فترات الكساد بينما كانت المؤسسات الأمريكية المنافسة تتوقف عن البناء، ويقول: "إن قيام الحكومة بوضع استراتيجيات وطنية هو الذي يضمن لها أن تتنافس بينما تعجز المؤسسات التي تضع حكوماتها مثل هذه الاستراتيجيات عن التنافس"، وهذا ما يميز النموذج الياباني بينما لا يوجد تاريخياً لحكومة الولايات المتحدة أي استراتيجيات اقتصادية وطنية، ولم يحدث ذلك إلا في وقت الحرب فقط لأنها لا تعتقد بصحة هذا التوجه لأنه يتعارض مع الفلسفة العامة للدولة والمجتمع…
8- يرتكز أسلوب تحقيق الفلسفة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية على قاعدتي (أ) الديمقراطية، التي تقيم السلطة العليا على أساس تمثيلي، ومن ثم يلعب رجل السلطة (كممثل للشعب) دوراً أساسياً في إدارة عملية الحكم، وهنا تتم العودة لنموذج القائد ذو الشخصية الفردية المميزة إلى حد كبير، وهذا ما يمكن ملاحظته حتى أثناء الحملات الانتخابية التي يحرص المرشحون خلالها على إبراز مواهبهم الفردية حتى الصحية والرياضية والبروتوكولية… منها، باعتبارها أساسيات أصبح المواطن يأخذها بالاعتبار وهو يدلي بصوته الانتخابي (ب) الحيادية، التي تفترض في السلطة السياسية عدم التدخل في شؤون الأفراد أو منظمات القطاع الخاص كما لوحظ في النقطة السابقة. وأنه يمكن ملاحظة أن أسلوب عمل السلطة في المنظمات الإدارية، ظل يقوم على قاعدة التفرد والتمايز وإن اختلفت قواعد اختيار السلطة في الحياة الإدارية عنه في الحياة السياسية (فالقادة أو المديرون في المنظمات الإدارية يتم اختيارهم وليس انتخابهم). أما في اليابان، وإن وجدت العملية الديمقراطية، كأساس في عملية التمثيل السياسي، إلا أن وجود الإمبراطور على أساس التوارث السياسي، واعتبار الإمبراطور بمثابة المصدر الوحيد لشرعية السلطة كلها، قد ظل يحفظ للنظام السياسي خصوصيته باعتباره نظام المركزة الأبوية، أكثر منه نظام الديموقراطية، فالنظام الياباني ما زال كما يقول (رايشاور:235) يحمل مذاق الأيام الخوالي التي وضع بصماتها الأباطرة في عهد "ميجي"، فالناس ما زالوا يتوقعون من ذوي المناصب العليا، سياسية أو إدارية، أن يظهروا نوعاً من الأبوة الرحيمة نحو العاملين في المستويات الأدنى، ولا يتوقع الياباني من قيادته أن تكون ذات تسلط وتشدد بل يتوقعها متمتعة بالتعاطف والتوازن والإحساس بالآخرين، وتظهر مؤهلات القيادة فيما تبديه من دفء المعاملة وما توحي به من ثقة، أكثر مما تظهره من حدة التعبير حين تشرح رأيها، أو مما تملكه من القوة في اتخاذ قراراتها. وهذا كما يقول (كوزيس:4) هو الذي يضمن بروز نموذج القادة أو الزعماء أو المديرين القادرين على تحقيق الفوز. فالنموذج الفعّال هو الذي لا يعمل من خلال فرض السيطرة على الناس، بل هو الذي يمكن الآخرين من التصرف، والزعماء الأكثر كفاءة هم الذين يرتبطون باتباعهم ويشيرون لمن يعملون معهم وكأنهم أفراد من عائلاتهم، وأن أهم مقومات هذا النموذج في القيادة هو مصداقية العمل والموثوقية، وكما يقول (ريشاور:281) فإن الحفاظ على التجانس الثقافي والتوحد المجتمعي في اليابان يعود إلى المركزية السياسية الكاملة التي تحكم اليابان في العصر الحديث وإلى جهود الحكومة اليابانية لتحقيق المواطنة المنسقة والموحدة.

8 - خاتمة:
لقد تمحورت جميع مفردات هذا البحث وتحليلاته حول حقيقة مركزية مفادها ان فلسفة المنظمة تمثل اساس هويتها الثقافية والمقومة المركزية التي تلتف حولها جميع المقومات الأخرى ، وتمثل القاعدة المعيارية لمدى صلاحية اي مفردة او اي مقومة في المنظمة . وقد اكد هذا البحث على حتمية التوافق القيمي الثقافي بين القوى الاساسية في المنظم ( سلطة المنظمة والادارة والعاملون ) وكذلك بين ثقافة المنظمة وتالثقافة العامة للمجتمع الذي تعمل فيه طالما هي منفتحة عليه. وقد ابرز البحث قيمة الفعالية باعتبارها القيمة الادارية العليا في نموذج ادارة الجودة الشاملة او نموذج التفوق ،وانه لا يمكن للأنظمة الليبرالية والنظم التابعة لها ان تبني هذا النموذج الا اذا احدثت استبدالا ثقافيا على مستوى المجتمع ثم على مستوى المنظمات فيه.
ان جميع الأدلة التي يمكن استنباطها من سياق استراتيجية المواجهة التي أصبحت تديرها حكومات الدول الليبرالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن المنصرم ، تشير إلى أنه لا يوجد أي تفكير في إعادة التقييم للمنظومة القيمية التي حكمت النموذج العام الليبرالي في القرنين السابقين، مما يعني وبصورة مباشرة أنه لن يتم اللجوء إلى اختيار البعد الذاتي واستراتيجية التطوير الذاتي في إدارة عملية المواجهة التي تفترض التغيير وبناء المقومات المناسبة لشروط اللعبة التي أصبح يفرض قوانينها الآخرون بصورة ودية، مثلما تعني حتمية اللجوء للاختيار الثاني والوحيد والمتمثل في البعد الموضوعي والقائم على استراتيجية تهدف إلى إجبار الآخرين على العمل وفق شروط وقوانين اللعبة الغربية وبصورة غير ودية، وذلك من خلال استثمار الطاقة العسكرية والطاقة المخابراتية المتوافرة لها والتي تبدو طاقة متفوقة وكاسحة، والعمل على إنزالها إلى الملعب وفق تكتيكات محددة، ولعل ما تم تحقيقه من نجاح في تفكيك منظومة المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي (*) عن طريق تطبيق استراتيجية مخابراتية طويلة المدى، يمثل حافزاً قوياً لتطبيق مثل هذه الاستراتيجية وبصورة موسعة تدخل في إطارها استخدامات الطاقة العسكرية المباشرة.
لقد أصبحت اليابان تخضع لضغوطات أمريكية هائلة للاستجابة إلى شروط اللعبة الأمريكية، وكما يبدو فإن الاستجابة اليابانية تسير بوتيرة أسرع من الوتيرة الأوروبية التي تؤكد حقائق التاريخ عدم قابليتها للاحتواء، الأمر الذي أصبح يدفع الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة تتمثل في ما أستطيع تسميته استراتيجية "قضم الأطراف" حتى تصل بالآخر إلى مرحلة الإحتواء، وقد بدأ ذلك واضحاً في نقل المواجهة إلى الساحة الإفريقية وبلاد الشرق، وابتدأت التدخلات العسكرية الأمريكية تتسع في مداها وتأخذ شكل الحروب الواسعة التي قد تبدو في مراحلها الأولى اختياراً ناجحاً لأنه يعتمد على التفوق المباشر، ولكنه في المراحل الأخرى سيتأكد أنه الاختيار الأحمق.. وإذا كان أسلوب التفكير الأمريكي لا يفهم السياق الذي تصنع به حقائق التاريخ نظراً لضحالة العمق التاريخي في الثقافة الأمريكية، فإن التفكير الحضاري يؤكد باستمرار أن للتاريخ سياقاته وحقائقه التي تفرض نفسها باستمرار.

المراجع الرئيسية

 اوشي , ويليام , النموذج الياباني في الإدارة : نظرية Z , ترجمة : حسن ياسين ( معهد الإدارة العامة ، بلا تاريخ, الرياض ) .
 بارتلت , كريستوفر أ . و جوشال سومنترا , الإدارة عبر الحدود : الحلول بين القطرية , ترجمة : سعاد الطنبولي , ( الجمعية المصرية لنشر المعرفة و الثقافة العالمية , 1994 , القاهرة ) .
 برايبروك , ديفيد , القيم الأخلاقية في عالم المال و الأعمال , مترجم : صلاح الدين الشريف ( مكتبة الانجلو المصرية , 1986 القاهرة ) .
 توفلر , الفين , تحول السلطة بين العنف و الثورة و المعرفة , مترجم : فتحي شتوان و نبيل عثمان ( الدار الجماهيرية , 1992 , بنغازي ) .
 تومبسون , ميشيل و آخرون , نظرية الثقافة , مترجم علي السيد الصاوي ( سلسلة عالم المعرفة , عدد 223 , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب , الكويت , 1997 ).
 ثارو , ليستر , الصراع على القمة , مترجم : أحمد بلبع( سلسلة عالم المعرفة , عدد 204 , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب , 1995 , الكويت ) .
 رايشاور , ادوين , اليابانيون , مترجم : ليلى الجبالي ( سلسلة عالم المعرفة , عدد 136 , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب , 1989 , الكويت ) .
 رسل , برتراند , حكمة الغرب , مترجم : فؤاد زكريا ( سلسلة عالم المعرفة , عدد 62 , عدد 72 , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب , 1983 , الكويت ) .
 سميث , باتريك , اليابان , رؤية جديدة , مترجم : سعد زهران ( سلسلة عالم المعرفة , عدد 268 , المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب , 2001 , الكويت ) .
 عساف , عبد المعطي , مقدمة إلى علم السياسة ( دار العلوم للنشر و التوزيع , 1983 , الرياض ) .
 فيجي , هاري و سوانسون , جيرالد , الافلاس : الانهيار القادم لامريكا , مترجم : محمد محمد دبور ( الأهلية للنشر و التوزيع , 1995 , عمان ) .
 مور , ويليام ل. و مور , هريت , حلقات الجودة , مترجم : زين العابدين الحفظي , معهد الادارة العامة ( 1991 , الرياض ) .
 ووترمان الابن، روبرت، براعة الادارة في الشركات الأمريكية، مترجم :علي عبد المنعم عبد القوي ( الدار الدولية للنشر و التوزيع ، 1999 ،القاهرة)
 Faure, Lesley, Munro and Faure, Malcolm Munro, Implementing Total Quality Management,( Longman Group UK Limited, 1992)
 Shin Ichi,Takezawa and Arthur, M .Whitehil l, Work Ways, Japan and America, (The Japanese Institute of Labour, 1984).
 Watson , Jr.Thomas , A Business and its Beliefs , ( New York: McGraw Hill Co. , 1963 ) .