الفتوى خطرها, وأهميتها مشكلاتها في العصر الحاضر وحلولها المقترحة

من أبحاث مؤتمر الفتوى وضوابطها التي ينظمها المجمع الفقهي الإسلامي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا و نبينا محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلي ً ما , أما بعد: فإن منصب الفتوى منصب جليل القدر , عظيم الشأن , ويكفي دلالة على ذلك أن الله جلَّ شأنه وصف العلماء المفتين بأهل الذكر ,حيث قال عزَّ من قائل: ﴿ َ فاسألواَ أهل الذّكر إِن ُ كنتم َ لا تعلمون﴾ (النحل: ٤٣ ), وهذا شرف عظيم لمن منَّ الله عليهم ببلوغ هذه الرتبة العلية. فإن العلماء ورثة الأنبياء , والمفتون هم الموقعون عن رب العالمين.
كما أن الفتوى مهمة جليلة, لها آثار خطيرة على الفرد والمجتمع , في دنياهم وأخراهم, وهي مسئولية جسيمة لا يتجرأ على التسارع إليها إلا من لم يعرف حجمها , ولم يقدرها حق قدرها , أما الذين يعرفونها حق المعرفة فلا يسارعون إليها; لأنهم يدركون أنها تكليف قبل أن تكون تشريفا, ولذا وجدنا العلماء الربانيين من هذه الأمة من لدن الصحابة إلى يومنا هذا يبتعدون عنها , وينأون بأنفسهم عن تحملها قدر المستطاع.
أما الأغمار الذين لم يدركوا أهمية الفتيا , فتراهم يتنافسون إليها ويتقاتلون عليها حبا في الشهرة , و رغبة في الظهور و التباهي عند الناس , فتراهم يتسارعون إلى تبوء هذا المنصب الجليل قبل أن يستحقوه , فإن أدرك أحدهم هذا وسمع كلامه و فتواه , تراه وبالاً على نفسه و على المستفتين, ، بل ربما تعدَّ خطره إلى المجتمع بأسره. وهذا هو حال كثير من المفتين في هذا العصر , حيث اقتحموا هذا الميدان, وخاضوا غمار هذا البحر من دون أن يتأهلوا له , و لذلك تصدر منهم في أحيان فتاوى كثيرة يعرف خطأها العامي قبل العالم. ولاشك أن هذا الوضع قد أقلق المهتمين بشأن الأمة , والغيورين على الدين فارتفعت الأصوات هنا و هناك تنادي بوقف هذه الفوضى الموجودة في ساحة الإفتاء وبضبط الفتوى ووضع قيود صارمة حتى لا يتجرأ كل من تسول له نفسه أن يتصدر لهذا الأمر العظيم. ولقد أدرك القائمون على مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي
خطورة الموقف , فعمدوا إلى عقد مؤتمر يعالج مشكلة تسيب الفتوى قبل أن يستفحل خطرها , وكنت واحدا من الذين تلقوا الدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر, فصادفت هذه الدعوة الكريمة رغبة في نفسي , فاستعنت بالله جل شأنه على المشاركة بهذه البضاعة المزجاة.
واقتضت طبيعة البحث أن أجعله في مقدمة , و فصلين , و خاتمة.