مسألة البدعة في تاريخ المغرب الحديث

كتب الناصري، تحت عنوان: ظهور بدعة الشراقة من الطائفة ‏اليوسفية وما قيل فيهم، يقول:‏

‏«قال في "الدوحة": "كان الشيخ أبو العباس أحمد بن ‏يوسف الراشدي نزيل مليانة، تظهر على يده الكرامات وأنواع ‏الانفعالات، فبعد صيته وكثرت أتباعه، فغلوا في محبته ‏وأفرطوا فيها، حتى نسبه بعضهم إلى النبوة." قال: " وفشا ‏ذلك الغلو على يد رجل ممن صحب أصحابه يقال له ابن عبد ‏الله، فإنه تزندق وذهب مذهب الأباضية على ما حكي عنه، ‏واعتقد هذا المذهب الخسيس كثير من الغوغاء وأجلاف العرب ‏وأهل الأهواء من الحواضر، وتعرف هذه الطائفة باليوسفية." ‏قال: "ولم يكن اليوم بالمغرب من طوائف المبتدعة سوى هذه ‏الطائفة. وسمعت بعض الفضلاء يقول: إنه قد ظهر ذلك في ‏حياة الشيخ أبي العباس المذكور، فلما بلغه ذلك قال: "من ‏قال عنا ما لم نقله يبتليه الله بالعلة والقلة، والموت على غير ‏ملة."‏

قال صاحب "الدوحة": "ولقد أشار الفقهاء على ‏السلطان الغالب بالله بالاعتناء بحسم مادة هذه الطائفة، ‏فسجن جماعة منهم وقتل آخرين. وهؤلاء المبتدعة ليسوا من ‏أحوال الشيخ في شيء، وإنما فعلوا كفعل الروافض والشيعة ‏في أئمتهم، وإنما أصحاب الشيخ كأبي محمد الخياط، والشيخ ‏الشطيبي، وأبي الحسن علي بن عبد الله دفين تافلالت، ‏وأنظارهم من أهل الفضل والدين، وإلا فالأئمة المقتدى بهم ‏كلهم يعظم الشيخ ويعترف له بالولاية والعلم والمعرفة".‏

وقال في "المرآة" ما نصه: "والشيخ أبو العباس أحمد ‏بن يوسف الراشدي الملياني، من كبار المشايخ من أهل العلم ‏والولاية وعموم البركات والهداية، وكان كثير التلقين، فقال له ‏الشيخ عبد الله الخروبي: "أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء ‏للعامة حتى النساء" فقال له: "قد دعونا الخلق للخالق فأجابوا، ‏فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر". قال ‏الشيخ الخروبي: "فوجدته أوسع مني دائرة".‏

قال صاحب "المرآة": "وانتسب إليه الطائفة المعروفة ‏بالشراقة، بتشديد الراء، وهو بريء من بدعتهم، فما كان إلا إمام ‏سنة، وهدى مقتدى به في العلم والدين، قد نزهه الله وطهر ‏جانبه. وقد أظهروا شيئا من ذلك في حياته فتبرأ منهم، ‏وقاتلهم، وبلغ المجهود في تشريدهم." قال: "وحدثني شيخنا ‏أبو عبد الله النيجي، أن الشيخ أبا البقاء عبد الوارث اليالصوتي ‏لما ظهرت بدعة الشراقة وانتسابهم إليه، وقع في نفسه من ‏ذلك شيء فقيل له: "إن الشيخ محمد الخياط من أصحابه" ‏فقال: "أنا تائب إلى الله، كفى في طهارة جانبه أن يكون ‏الخياط من أصحابه". وكانت وفاة الشيخ الملياني سنة سبع ‏وعشرين وتسعمائة، لكن ما كان عنفوان تلك البدعة ‏المدسوسة عليه، إلا في دولة السلطان الغالب بالله كما مر، ‏والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. »‏

ملف: