المجاعات والأوبئة بتلمسان في العهد الزياني 1299 - 1442م

يحفل التاريخ الزياني الاجتماعي بمجموعة من التغيرات والانعطافات ‏الحاسمة التي ظلت بقعة من بقع التاريخ المنسي، فعلى الرغم من ‏تصاعد الدراسات الكثيرة حول هذا التاريخ خلال هذين العقدين ‏الأخيرين، لا تزال بعض القضايا الخاصة بهذا التاريخ بعيدة عن ‏مناطق الضوء ، و من هذا القبيل ظاهرتي المجاعات والأوبئة اللتان ‏كانتا بمثابة لعنة عانى منها المجتمع التلمساني خلال حكم بني ‏زيان لبلاد المغرب الأوسط، ولئن تمكنت أوروبا من قطع أشواط ‏بعيدة في دراسة هاتين الظاهرتين نظرا لما توفر لديها من وثائق ‏محفوظة، فإن دراستها في الجزائر لم تحظ بالتفاتة علمية تذكر في ‏الدراسات التاريخية الحديثة، باستثناء بعض الإشارات الخفيفة ‏عنهما أثناء الحديث عن تاريخ الدولة الزيانية بصفة عامة.‏

ينهض دليلاً على ذلك ما كتبه الدكتور عبد العزيز فيلالي حول ‏‏"تلمسان في العهد الزياني"، و ما كتبه الدكتور الحساني مختار ‏حول "الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية في الدولة الزيانية" قد ‏يفسر هذا الإقصاء من دائرة اهتمامات المؤرخين الجزائريين بشح ‏المادة التاريخية في المقام الأول ذلك أن المصادر التاريخية الزيانية ‏ضربت صفحا عن ذكر الأخبار المتعلقة بالأوبئة و المجاعات باستثناء ‏إشارات شاحبة وردت بكيفية عفوية في بعض هذه المصادر، كما أن ‏معظم الروايات والشواهد التاريخية طواها الزمن أو تم إتلافها في ‏خضم الصراعات الدموية التي اندلعت بين مختلف القوى ‏السياسية، أو تعرضت للضياع نتيجة خطة إدارية تسعى إلى حفظ ‏الوثائق وصياغتها، وقد يكون إغفال المؤرخين لهذا ‏الأمر، راجع إلى كون الناس كما يقول بعض الباحثين "تدفن في ‏ذكرتها الأكثر ظلاما هذه المآسي اليومية، وأولئك الذين ساهموا ‏فيها، ألا يسردوا على أولادهم و لا على أنفسهم، إلى ما هو جدير بأن ‏يكون".‏

تأسيسا لهذه الملاحظات المصدرية سنحاول تناول ظاهرتي ‏المجاعات والأوبئة بتلمسان خلال العهد الزياني في الفترة الممتدة ‏من
(698-845هـ/1299-1442م) ‏

ملف: