شعائر الموت ومعتقداته في المشرق العربي ‏القديم

ثمة شيئان لا يمكن للمرء أن يحدق فيهما، ‏الشمس والموت، والموت ضمن المنظور الإنساني ‏يبدو أنه غير محبذ، لا بل يتم تجاهله كونه ‏يشكل مصدر الخوف من المجهول. ومعلوم أن ‏للخوف أذنين كبيرتين وعينين أيضاً.‏

ولعل أول صدمة جابهت الإنسان في وجوده على الأرض ‏‏/لاسيما حين تطور القشرة الدماغية والقسم الطرفي من الدماغ/، ‏هي صدمة الموت، ولم يكن هذا ليتحقق لولا توافر مجموعة من ‏الاشراطات والمعادلات الفيزيولوجية والبيولوجية، على صعيد ‏الدماغ الإنساني والجسد البشري، ثم تداخلات المناخ والبيئة ‏الطبيعية.‏

والموت همّ فردي، وتجمّع الهموم الفردية أدى إلى نشوء ‏هموم للتجمعات الإنسانية القديمة، ولكن مع تقدم عمل الدماغ ‏وتطوره ومن ثم نشوء المجتمعات الأولى، لم يكن ثمة هم مجتمعي ‏من الموت، لأن المجتمعات تبقى بينما الأفراد يزولون. وبذا صار ‏المقياس الأوحد في دراسة المجتمعات وظواهرها، هو مدى انعكاس ‏حياة الفرد في الجماعة، ومدى انتمائه لها، وبذا يستمر المجتمع ‏ويزول الأفراد، ولا يبقى منهم إلا ما قدّموه للمجتمع من تطوير ‏وإبداع. ولعل قمة الإبداع تكمن في التضحية من أجل المجتمع.‏

وبهذا يصير الموت في المستوى الاجتماعي، ليس نقيضاً ‏للحياة بل جزءاً منها. ولعل الانشغال بظاهرة الموت، اقتضى مرور ‏ملايين السنين من الوجود البشري على الأرض، حتى غدا دماغ ‏الإنسان قادراً على وعي هذه الظاهرة، واستنباط الحلول التعويضية ‏‏/لا شعورياً/ تجاهها. وهذا ما سنحاول رصده من خلال تاريخ ‏الوجود البشري في المشرق العربي القديم، والذي يرقى إلى حوالي ‏المليون سنة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوثائق هنا /لعدم وجود ‏الكتابة بعد/ تعتمد على اللقى والأدوات التي تركها ذلك الإنسان ‏القديم، بالإضافة إلى بعض البنى والكثير من المدافن والقبور ‏ومحتوياتها، ولاسيما مع ظهور إنسان النياندرتال
(100000) سنة.‏